المساحة المزروعة انخفضت من 2,5 مليون فدان إلى 204 آلاف
الذهب الأبيض فقد بريقه
ﺧﺒﺮاء ﻳﻄﺎﻟﺒﻮن ﺑﻀﺮورة وﺟﻮد ﺳﻌﺮ ﻋﺎدل
اﻟﻤﺰارﻋﻮن: ﻧﺰرع ﻃﻮﻳﻞ اﻟﺘﻴﻠﺔ وﻻ ﻧﺴﺘﺨﺪﻣﻪ.. وﻧﺴﺘﻮرد اﻟﻘﺼﻴﺮ ﻟﺘﺼﻨﻴﻌﻪ
ﺻﻨﺎﻋﺔ اﻟﻐﺰل واﻟﻨﺴﻴﺞ اﻟﺨﺎﺳﺮ اﻷول.. وﻣﻄﺎﻟﺐ ﺑﺘﺪﻋﻴﻢ زراﻋﺔ اﻟﻘﻄﻦ ﻣﻦ أﺟﻞ اﻟﺼﻨﺎﻋﺔ
«نورت يا قطن النيل.. يا حلاوة عليك يا جميل».. هكذا كانت تصدح الأغانى قديمًا فى موسم حصاد القطن، حين كانت الفرحة تدخل بيوت الفلاحين، وتتحول أيام جنى المحصول لموسم ينتظره الجميع، وكان مصدر رزق أساسى لآلاف الأسر المصرية، فلم يكن الذهب الأبيض مجرد محصول زراعى بل كان أحد أعمدة الاقتصاد ورمزا لمكانة مصر الزراعية والصناعية بالعالم. ولكن هذا الوضع تغير بعد أن أصبح القطن أحد المحاصيل غير الربحية التى تتكلف الكثير ولا تدر دخلا على المزارعين.
ويرجع تاريخ زراعة القطن فى مصر إلى العصور القديمة، إلا أن التحول الحقيقى فى زراعته بدأ خلال القرن التاسع عشر، وتحديدًا فى عهد محمد على باشا، الذى اهتم بزراعة القطن طويل التيلة، والعمل على تحسين أصنافه وزيادة إنتاجه، لتبدأ مصر مرحلة جديدة من التوسع فى زراعته وتصديره.
ولكن هذه المكانة لم تستمر، إذ بدأت مساحات زراعته تتراجع تدريجيًا منذ ثمانينات القرن الماضى، وتقلصت معها مساهمته فى الاقتصاد، وتراجعت قدرة الصناعة المحلية، حتى أصبحت البلاد التى كانت من أكبر منتجى القطن طويل التيلة تستورد احتياجاتها من الخارج.
وفى الوقت الذى تحاول فيه الدولة إعادة إحياء هذا المحصول الاستراتيجى، تبرز أزمة تسعير القطن باعتبارها أحد التحديات أمام المزارعين، خاصة مع ارتفاع تكاليف الإنتاج وعدم شعور بعضهم بأن العائد الذى يحصلون عليه يتناسب مع حجم الجهد والتكاليف التى يتحملونها طوال موسم الزراعة.
سعر عادل
وبين المطالبة بسعر عادل يضمن استمرار الفلاحين فى زراعة المحصول، ورؤية المسؤولين عن منظومة التداول التى تربط الأسعار بالسوق العالمية، تظل الأسئلة مطروحة، لماذا تراجع القطن المصري؟ وهل تكفى زيادة المساحات المزروعة لإعادته إلى مكانته السابقة؟
ويرى المهندس وليد السعدنى، رئيس مجلس إدارة الجمعية العامة لمنتجى القطن ورئيس لجنة تنظيم تجارة القطن بالداخل، أن منظومة التسعير الحالية تعتمد على الأسعار العالمية، بهدف حصول المزارع المصرى على سعر يتوافق مع حركة السوق، مؤكدًا أن الأسعار المتداولة خلال الموسم الحالى أفضل من الموسم السابق.
وقال «السعدنى» إن متوسط سعر القنطار يدور حول 10 آلاف و700 جنيه، وقد يصل إلى نحو 11 ألف جنيه، بزيادة تتجاوز ألف جنيه مقارنة بالعام الماضى، مشيرا إلى أن أقطان الوجه البحرى تتميز بوجود فارق سعرى قد يتجاوز 40%، وهو ما يعكس قيمتها وجودتها فى الأسواق.
وأضاف أن منظومة التداول وضعت معادلة للتسعير بالتوافق بين أطراف المنظومة والوزارات المعنية، بحيث ترتبط الأسعار بالمستويات العالمية، لافتًا إلى أن الدولة لا تتدخل بصورة مباشرة فى تحديد السعر المتداول، سواء من خلال الدعم أو فرض سعر ثابت.
وأشار إلى أن إجراءات المحاسبة تتم خلال فترة زمنية محددة، إذ يحصل المزارع على نحو 70% من مستحقاته خلال سبعة أيام عمل، ثم تتم المحاسبة النهائية بعد أسبوع آخر، وفقًا لتحديد الرتب ومعدلات التصافى وجودة القطن.
وشدد «السعدنى» على أن جودة المحصول تؤثر بصورة مباشرة فى السعر النهائى، موضحًا أن الأقطان الجيدة، الخالية من العيوب، يمكن أن تحقق أسعارًا تتراوح بين 11 ألفًا و500 جنيه و12 ألف جنيه للقنطار، بينما تحصل الأقطان الأقل جودة على السعر المعلن وفقًا لنتائج التقييم.
وفيما يتعلق بمطالب المزارعين بتحديد سعر ضمان، أكد أنه لا يوجد سعر ضمان ثابت للقطن، وأن السعر يتحدد وفقًا للأسعار العالمية وآليات منظومة التداول.
وعن المساحات المزروعة، نفى «السعدنى» استمرار التراجع خلال الموسم الحالى، موضحًا أن المساحة ارتفعت إلى نحو 203 أو 204 آلاف فدان، مقابل نحو 195 ألف فدان فى الموسم السابق، معتبرًا أن ذلك يعكس تحسنًا نسبيًا فى الإقبال على زراعة المحصول.
وأشار إلى أن تأخر صرف مستحقات المزارعين خلال فترة سابقة كان أحد العوامل التى أثرت فى قرارات بعضهم بشأن التوسع فى زراعة القطن، مؤكدًا أن هناك اتفاقًا على انتظام صرف المستحقات خلال الموسم الحالى.
وأضاف أن مستحقات المزادات السابقة تم سدادها بالكامل، وأن منظومة التداول تسير وفق الجدول المحدد لصرف مستحقات المزارعين، بما يضمن حصولهم على أموالهم دون تأخير، معربًا عن أمله فى استمرار انتظام المنظومة خلال الفترة المقبلة.
الأسعار العالمية وحدها لا تكفى
على الجانب الآخر، يرى الدكتور على إبراهيم، أستاذ الاقتصاد بكلية الزراعة جامعة الزقازيق، أن تحديد سعر عادل للقطن يجب ألا يعتمد فقط على الأسعار العالمية، بل ينبغى أن يراعى التكلفة الفعلية للإنتاج، ويضمن للمزارع تحقيق هامش ربح مناسب يشجعه على الاستمرار فى زراعة المحصول.
وأوضح أن تحديد السعر العادل يتطلب إجراء دراسات دقيقة لتكاليف الإنتاج فى كل محافظة، مع مراعاة اختلاف أصناف القطن وإنتاجية الفدان من منطقة إلى أخرى، مشيرًا إلى ضرورة إعداد ما يعرف بـ«قائمة الدخل» لكل محصول، تتضمن جميع مدخلات الإنتاج وتكاليف العمليات الزراعية.
وأضاف أن هذه الدراسات يجب أن تشمل تكاليف حرث الأرض وتخطيطها والتسميد ومقاومة الحشائش والآفات، إلى جانب تكاليف العمالة والرى والجنى، حتى يمكن الوصول إلى التكلفة الحقيقية لإنتاج الفدان.
وأكد أن تقدير التكلفة لا بد أن يعتمد على الإنتاجية الفعلية لكل صنف وفى كل محافظة، وليس على المتوسطات النظرية أو الأرقام المعلنة فقط، موضحًا أن إنتاجية الفدان قد تختلف من منطقة إلى أخرى، بل ومن حقل إلى آخر، وهو ما يستوجب الاعتماد على بيانات واقعية تعكس ظروف الزراعة الفعلية.
وأشار إلى أن السعر المقترح يجب أن يغطى تكلفة الإنتاج، مع تحقيق هامش ربح لا يقل عن 25 إلى 30%، معتبرًا أن هذا الهامش ضرورى لتعويض المزارع عن طول فترة بقاء المحصول فى الأرض، وما يتطلبه من متابعة وعمالة ومجهود.
وشدد «إبراهيم» على أن هذه المهمة يمكن أن تنفذ من خلال خبراء الاقتصاد الزراعى بكليات الزراعة ومعاهد البحوث المتخصصة، بالتعاون مع وزارة الزراعة، لإعداد دراسات تحدد تكلفة الإنتاج والسعر المناسب لكل صنف ومحافظة.
غياب الإرشاد
ولا تتوقف أزمة القطن عند التسعير وحده، بل تمتد إلى تراجع الخبرة الزراعية لدى بعض المزارعين، نتيجة تقلص المساحات المزروعة وابتعاد أعداد من الفلاحين عن زراعة المحصول خلال السنوات الماضية.
وأوضح أن زراعة القطن تحتاج إلى خبرة فنية خاصة، سواء فى تحديد كميات الأسمدة المناسبة أو توقيت استخدامها، أو متابعة نمو النبات وعمليات التفتيح، حتى لا يؤدى الإفراط فى التسميد إلى زيادة النمو الخضرى على حساب تكوين اللوز وجودة المحصول.
ولفت إلى أهمية إعادة تفعيل دور الإرشاد الزراعى، من خلال تنظيم ندوات ودورات تدريبية وبرامج توعية للمزارعين، خاصة الذين يعودون إلى زراعة القطن بعد سنوات من التوقف.
وأضاف أن اختيار التقاوى المناسبة يمثل عنصرًا أساسيًا فى نجاح المحصول، إذ ترتبط أصناف القطن بالمناطق الجغرافية التى تزرع فيها، ولا يمكن التعامل مع جميع الأصناف باعتبارها متشابهة، فلكل محافظة أصناف تتناسب مع طبيعة التربة والظروف المناخية.
وأكد على ضرورة تكامل جهود وزارة الزراعة مع معاهد البحوث والإدارات المختصة، لتوعية المزارعين بالصنف المناسب لكل منطقة، وتوفير التقاوى الجيدة، إلى جانب تقديم الإرشادات الفنية اللازمة طوال موسم الزراعة.
كما طالب بعودة الدور الفعال للدولة فى مكافحة الآفات الزراعية، خاصة دودة اللوز التى يمكن أن تتسبب فى خسائر كبيرة للمحصول، مشيرًا إلى أهمية توفير المبيدات المناسبة، وتوعية المزارعين بطرق استخدامها والتركيزات الصحيحة، بالتنسيق بين الإدارة المركزية لمكافحة الآفات ومعهد بحوث المبيدات والجهات المعنية.
زيادة فاتورة الاستيراد
وحذر «إبراهيم» من أن استمرار تراجع إنتاج القطن المحلى لا يقتصر تأثيره على المزارعين، بل يمتد إلى قطاع الغزل والنسيج والصناعات المرتبطة به، موضحًا أن انخفاض الإنتاج المحلى يدفع المصانع إلى البحث عن بدائل مستوردة لتوفير احتياجاتها من الخامات.
وأضاف أن الاعتماد على استيراد الأقطان، خاصة قصيرة التيلة، يضع الصناعة المحلية تحت ضغط إضافى، بسبب الحاجة إلى توفير العملة الأجنبية، وما يترتب على ذلك من زيادة الطلب على الدولار والتأثر بتغيرات سعر الصرف.
وأكد أن مصر لا تزال تمتلك مقومات العودة إلى المنافسة العالمية، بفضل طبيعة المناخ والتربة والخبرات الزراعية المتراكمة، فضلًا عن امتلاكها ميزة نسبية فى إنتاج الأقطان طويلة وفائقة الطول، التى تحظى بقيمة مرتفعة فى الأسواق الدولية.
وشدد على أن استعادة مكانة القطن المصرى تتطلب برنامجًا متكاملًا يضم خبراء الاقتصاد الزراعى ومكافحة الآفات وتربية الأصناف، إلى جانب تطوير منظومة الإرشاد الزراعى والتسويق، بما يسمح بزيادة الإنتاج وتحسين الجودة والعودة بقوة إلى الأسواق العالمية.
أسباب التراجع
من جانبه، قال الدكتور حمدى الحبشى، الخبير الزراعى فى إنتاج القطن وتصنيعه، إن مصر كانت من الدول الرائدة عالميًا فى إنتاج القطن، وكانت المساحات المزروعة تتجاوز 2,5 مليون فدان من القطن طويل التيلة، الذى كان يحظى بطلب كبير من مصانع الغزل والنسيج حول العالم.
وأضاف أن القطن لم يكن مجرد محصول زراعى، بل كان أحد عناصر الحياة الأساسية، باعتباره مصدرًا رئيسيًا لصناعة الملابس والمنسوجات، موضحًا أن زراعته كانت منتشرة فى الوجهين البحرى والقبلى، بينما كانت المصانع المصرية، خاصة فى المحلة الكبرى وشبين الكوم، تمثل قلاعًا صناعية.
وأرجع «الحبشى» جانبًا كبيرًا من تراجع زراعة القطن إلى التحولات التى شهدتها السياسة الزراعية، وإلغاء الدورة الزراعية التى كانت تضمن توزيع المحاصيل الاستراتيجية بصورة متوازنة، مثل القطن والقمح والأرز والمحاصيل الزيتية ومحاصيل الأعلاف، بما يحافظ على خصوبة التربة وتوافر السلع الأساسية.
وأوضح أن التوجه نحو المحاصيل سريعة العائد، مثل الفراولة والكنتالوب واللب، جاء على حساب محاصيل استراتيجية تحتاج إلى فترات أطول لتحقيق عائدها، وفى مقدمتها القطن.
وانتقد ما وصفه بالسياسات التى أدت إلى تراجع الاهتمام بالقطن المصرى، مشيرًا إلى أن مصر فقدت جزءًا من مكانتها فى إنتاجه وتصنيعه، فى الوقت الذى تقدمت فيه دول أخرى وحافظت على استقرار إنتاجها، بينما أصبحت المصانع المحلية تستورد الغزول والأقطان من الهند وتركيا والصين وغيرها.
وأضاف أن تراجع الإنتاج انعكس بصورة مباشرة على صناعة الغزل والنسيج، وأدى إلى إغلاق عدد كبير من المصانع وتسريح العمالة وبيع بعض المعدات، وهو ما تسبب فى اتساع الفجوة بين ما كانت تنتجه مصر خلال عصر ازدهار القطن وما تنتجه حاليًا.
وأشار إلى أن المساحة المزروعة بالقطن ارتفعت إلى نحو 203 آلاف فدان خلال الموسم الحالى، مقارنة بنحو 131 ألف فدان فى عام 2024، معتبرًا أن هذه الزيادة تمثل خطوة إيجابية، لكنها لا تزال بعيدة للغاية عن المساحات التى كانت تزرع خلال العصر الذهبى للقطن المصرى.
وأوضح أن الإنتاج المعلن من القطن الشعر وصل إلى نحو 1,4 مليون قنطار، مع تحسن أسعار التوريد التى تراوحت بين 8400 و10 آلاف و500 جنيه للقنطار، فضلًا عن جهود الدولة لإعادة تشغيل بعض مصانع الغزل والنسيج وتحديث معداتها وخطوط إنتاجها.
لكنه أكد أن هذه الخطوات، رغم أهميتها، لا تكفى وحدها لسد الفجوة الكبيرة بين حجم الإنتاج الحالى والمستويات التى حققتها مصر فى الماضى، لافتًا إلى أن تطوير المصانع يجب أن يسير بالتوازى مع التوسع فى الزراعة وتحسين جودة المحصول.
كيف يُحدد سعر القطن؟
وأوضح «الحبشى» أن تحديد سعر القطن يخضع لعدد من العوامل الفنية والتسويقية، فى مقدمتها جودة المحصول ورتبته، ودرجة نضج الألياف ونسبة الشوائب الموجودة بها، فضلًا عن معدل التصافى بعد فصل البذور عن الشعر.
وأضاف أن الصنف المزروع والمنشأ الجغرافى يمثلان عاملين مهمين فى تحديد السعر، نظرًا لاختلاف القيمة التسويقية بين القطن طويل ومتوسط وقصير التيلة، إلى جانب اختلاف خصائص كل صنف وجودته.
وأشار إلى أن آليات السوق تلعب دورًا رئيسيًا فى التسعير، خاصة نظام المزايدة العلنية وسعر فتح المزاد وسعر الضمان الحكومى، فضلًا عن مؤشرات العرض والطلب، وحجم الإنتاج والمخزون، واحتياجات السوقين المحلية والتصديرية.
وأكد أن تحقيق العدالة فى تسعير القطن يتطلب مراعاة جميع هذه المحددات، مع وضع المزارع فى مقدمة الاعتبارات، بحيث يحصل على عائد يغطى تكاليف الإنتاج ويحقق له ربحًا مناسبًا مقابل المجهود الذى يبذله طوال الموسم، خاصة أن القطن يحتاج إلى متابعة مستمرة طوال فترة بقائه فى الأرض، وهو ما قد يدفع بعض الفلاحين إلى تفضيل محاصيل أخرى أسرع فى تحقيق العائد.
واختتم «الحبشى» حديثه بالتأكيد على أن أزمة القطن تحتاج إلى مراجعة شاملة للسياسات الزراعية، وليس مجرد تحسين مؤقت للأسعار أو زيادة محدودة فى المساحات، قائلًا إن استعادة مكانة الذهب الأبيض تبدأ من التخطيط الجيد، ومراعاة مصالح المزارعين، وربط الإنتاج الزراعى باحتياجات الصناعة والتصدير.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض