رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
علاء العطار
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
علاء العطار

كمال عبدالملك

حرب تجرّ حربًا. بيوت تسقط على أهلها، وناجون يبحثون بين الحجارة عن صوت. عنصرية تُقال بلا خجل، وشتائم تُقدَّم بوصفها مواقف سياسية. وقوى عظمى تتحدث عن مصائر الشعوب كأن الأرض رقعة شطرنج، وكأن الذين يموتون لا ينتظرهم أحد. أمدّ يدى إلى كتاب. أحتاج أن أفهم، وأخشى أن أعتاد مشاهدة المآسى.

فى حوار مع هارفارد جازيت، تستعيد الباحثة ماريا تتار طفولتها مهاجرةً بعد الحرب العالمية الثانية. كانت فى الخامسة حين تسلّمت بطاقة تصفها بأنها نازحة وأجنبية مقيمة، وتحذّرها من عقوبة عدم الإبلاغ عن تغيير عنوانها. طفلة تخاف مخالفة القانون قبل أن تفهمه.

ثم وجدت مأوى فى المكتبة العامة. سافرت مع جول فيرن، ورافقت شخصيات ديكنز، وواست جين إير. بين الرفوف، اتسعت حياتها. منحتها بطاقة المكتبة حريةً ضاقت بها بطاقة الإقامة. وفى علّية مسكن أسرتها، وجدت كتابًا لحكايات الأخوين جريم وخوذة جندى ألمانى. كتاب وخوذة تحت سقف واحد؛ وبجوارهما طفلة تحاول أن تجد مكانها فى عالم خرج من الحرب مثخنًا بجراحه.

ومن تلك العلّية أصل إلى مسرح شكسبير. فى هاملت، يبدو الزمن منخلعًا من مفاصله. الجريمة تختبئ وراء مراسم الحكم، والكلام الجميل يستر فسادًا عميقًا. نعرف هذا حين يُمنح الخراب اسمًا مطمئنًا، وتُدفن وجوه القتلى تحت عبارات طويلة. يموت الإنسان مرتين: مرة حين يُقتل، ومرة حين تُمحى حكايته.

وفى الملك لير، تبدأ الكارثة بملك يريد أن يسمع المديح. يكافئ التملق ويرفض الصدق. هكذا يبدأ سقوط القوة حين لا تجد حولها إلا من يصفق، وحين يصبح الاعتراض إهانةً لا تحتملها. ثم تأتى العاصفة، وينكشف لير للبرد، فيتذكر الفقراء الذين يبيتون بلا سقف. احتاج أن يرتجف حتى يشعر بارتجافهم.

وتأتى شهرزاد ببطولة تحفظ الحياة. تحكى لتنجو، ولتنجو الأخريات. وفى عالمها مكان لليد التى تضمّد، وللصوت الذى يؤنس خائفًا، وللصبر الذى يعين المنكوب على بلوغ الصباح. أما رواية ريمارك كل شيء هادئ على الجبهة الغربية، التى ترجمتها تتار، فتتركنا أمام فداحة الفقد. لا تعيد القتلى، لكنها تجعل غيابهم موجعًا، وتمنع أرقام الحرب من ابتلاع أعمارهم.

لهذا نحتاج أن نبتعد قليلًا عن سيل الأخبار، ونقرأ ببطء. نرافق إنسانًا حتى نعرف ما أحبّه، ومن انتظره، وأيّ باب كان يرجو العودة إليه. ثم نعود إلى يومنا بانتباه أوسع ومسئولية أكبر: نساند الإغاثة، ونواجه العنصرية، ونعلّم أطفالنا الرحمة، ونسمع اللاجئ قبل أن نسأله عن أوراقه.

لا يوقف الكتاب قذيفة، لكنه قد يمنعنا من أن نألف سقوطها. وقد يحفظ فينا صوتًا يقول: كفى. وحين نطوى الصفحة الأخيرة، يبقى إنسان يرتجف فى العراء. لقد قرأنا عن ألمه. فهل نفتح له الباب؟