خارج السطر
لم يكن العالم العربى مشتتًا مُفتتًا مُقسمًا كما هو الآن. تحررت الدول العربية من هيمنة الاستعمار تباعًا فى منتصف القرن العشرين، حمل جنود الاحتلال الغربى عصيهم وراياتهم وحقائبهم، وغادروا بعد أن استلبوا خيرات الشرق واستعبدوا أهلها عقودًا طويلة.
ناضل مخلصون وثوار من أجل أوطان حرة. وعندما تحررت الأرض، تمنت الشعوب العربية أمنيتين لم تتحققا: الأولى أن تصبح بلادهم عظيمة راقية ورائدة، ترتقى ببنيها، تُنصفهم، وتُحسن أحوالهم، وتمنحهم السعادة بقدر ما يُمكن. أما الثانية فهى أن تزول الحواجز لتنفتح البلاد العربية على كل العرب، فينتقلون من بلد إلى بلد بحرية.
لا هذا جرى ولا ذاك. لا البلدان تطورت وسبقت، ولا الشعوب توحدت. وإذا كان البعض يعزو الإخفاق فى الأمنيتين لمؤامرات الاستعمار وخطط الأغيار وتدابير دول الشر، فإن أحدًا لا يلتفت لنقد الذات وبحث الأسباب الداخلية.
إذا كان لنا أن نفكر فى حركة العرب عبر الأقطار العربية، فلنا أن نسأل ما يمنعنا حتى الآن ونحن نتحدث لغة واحدة، وتجمعنا ثقافة واحدة، ونستظل بتقاليد وأعراف وتقاليد متقاربة أن نجعل انتقال العربى من بلد إلى آخر مرنًا وسهلًا دون تأشيرات؟
ما يجعل أى مواطن أو زائر لأوروبا ينتقل بسيارته بسهولة ويسر من فرنسا إلى ألمانيا، إلى إيطاليا وإسبانيا، ويحرم المتحرك عبر الحدود العربية من المرور دون أوراق وإجراءات معقدة؟
فى بداياته أطلق حزب البعث العربى شعارًا عظيمًا يقول «أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة»، وبناء عليه اعتبر الحدود بين الدول العربية من صنيعة الاستعمار، لكن يبدو أن الأمر كان شعارًا كاذبًا مثل كافة الشعارات التى روجها الساسة والقادة العرب.
لكن المفكر المشاغب د. سعد الدين إبراهيم يحكى فى سيرته التى صدرت عن دار ميريت للنشر عام 2013، أنه فى منتصف السبعينيات كان مسافرًا هو وزوجته وابنته من بيروت إلى العراق بالسيارة، ووقفوا جميعًا أمام الحواجز العراقية التى كتب فوقها شعار «الحدود بين العالم العربى مصطنعة». ولأن زوجته وابنته أمريكيتان فقد سمح لهما بالمرور بسرعة ويسر، بينما احتجز هو لأنه يحمل جوازًا مصريًا. حاول الرجل التفاهم مع مسئولى المرور، لكنهم لم يسمحوا له، ونصحه ناصحون منهم أن يحصل على الجنسية الأمريكية ليحمل جوازًا أمريكيًا يسمح له بالدخول لبلدهم دون بيروقراطية.
وكتب المبدع الجميل محمد الماغوط فيلمًا بعنوان «الحدود» أنتج عام 1984 وقام ببطولته دريد لحام ورغدة طرح بعمق أزمة حركة البشر عبر البلدان العربية.
بالطبع تفاقم الأمر سوءًا الآن، فكثير من البلدان العربية أغلقت حدودها تمامًا مع جيرانها العربية، تعقدت وطالت إجراءات الحصول على تأشيرات الدخول، عانى البعض صعوبات وهمومًا، وصار الارتياب هو الأصل فى انتقال المواطن العربى من قطر إلى آخر.
سيقول البعض إن هناك مشكلات سياسية بين بعض الدول، وهذا حق. لكن ما ذنب الشعوب أن تدفع ثمن خلافات نخبوية؟ ما يمنع أن يكون الانتقال من مدينة عربية إلى أخرى مرنًا وسلسًا ويسيرًا دون تأشيرات وإنما بختم وصول فقط؟
والله أعلم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض