رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
علاء العطار
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
علاء العطار

الشيخ علي محمود.. عبقرية التلاوة والإنشاد رغم فقدان البصر

الشيخ علي محمود
الشيخ علي محمود

ارتبط اسم الشيخ علي محمود بتاريخ التلاوة والإنشاد الديني في مصر، بعدما استطاع بصوته العذب وأدائه المتميز أن يصنع لنفسه مكانة استثنائية في الوجدان الإسلامي، وأن يؤسس مدرسة فنية تأثر بها كبار القراء والمنشدين والموسيقيين، ورغم فقدانه البصر في طفولته، لم يمنعه ذلك من التفوق في علوم القرآن والموسيقى، ليصبح واحدًا من أبرز الأصوات التي تركت أثرًا ممتدًا في عالم التلاوة والابتهالات.
 

عبقرية ولدت رغم فقدان البصر

وُلد الشيخ علي محمود عام 1878 بحارة درب الحجازي بكفر الزغاري في حي الجمالية بالقاهرة، ونشأ في أسرة غنية، لكنه تعرض بعد فترة من مولده لحادث أدى إلى فقدانه البصر بالكامل.

التحق بكتاب مسجد فاطمة أم الغلام، وحفظ القرآن الكريم، ودرس علومه على يد الشيخ أبي هاشم الشبراوي، ثم تلقى أحكام التجويد والقراءات على يد الشيخ مبروك حسنين، كما درس الفقه على يد الشيخ عبد القادر المزني، ليجمع بين علوم الدين والتمكن من الأداء القرآني.

رحلته مع الموسيقى الشرقية وفنون التلحين

لم تقتصر موهبة الشيخ علي محمود على التلاوة والإنشاد، بل اهتم بدراسة الموسيقى الشرقية وأصولها، فتلقى علومها على يد الشيخ إبراهيم المغربي، وتعرف إلى ضروب التلحين والعزف، وحفظ الموشحات.

كما درس الموسيقى على يد شيخ أرباب المغاني محمد عبد الرحيم المسلوب، الذي عُدَّ من أبرز أعلام الموسيقى في عصره، واستفاد كذلك من الشيخ عثمان الموصلي في التعرف إلى الموسيقى التركية وخصائصها وتطوراتها، وهو ما انعكس على قدرته في أداء المقامات والتنقل بينها.

إمام المنشدين ومؤسس مدرسة الإنشاد الديني

يُعد الشيخ علي محمود أحد أبرز رواد الإنشاد الديني في مصر والعالم الإسلامي خلال الربع الأول من القرن العشرين، إذ أسهم في وضع أسس هذا الفن وإرساء قواعده، حتى أصبح مرجعًا للأجيال التي جاءت من بعده.

وتخرج على يديه عدد من كبار المنشدين، من بينهم الشيخ طه الفشني، والشيخ محمد الفيومي، والشيخ عبد السميع بيومي، كما تأثر بمدرسته الشيخ سيد النقشبندي، الذي أصبح لاحقًا واحدًا من أشهر أصوات الإنشاد الديني في العالم العربي.

وظل اسم الشيخ علي محمود حاضرًا في تاريخ هذا الفن، حتى بعد رحيله، باعتباره أحد أبرز من أسهموا في تشكيل ملامحه الفنية، وتركوا بصمة واضحة في أداء الأجيال التالية.

صوت الشيخ علي محمود الذي كان يجذب المصلين إلى الحسين

كان صوت الشيخ علي محمود من أبرز الأصوات المرتبطة بشهر رمضان والمولد النبوي الشريف، إذ اعتاد أن يرفع أذان الفجر في المسجد الحسيني، ويؤدي التسابيح والاستغاثات التي تسبق الصلاة، فكان صوته سببًا في تجمع أعداد كبيرة من الناس للاستماع إليه.

وقد وصف الكاتب عبد العزيز البشري عذوبة صوته وقوة تأثيره بقوله: «إن صوت الشيخ علي محمود من أسباب تعطيل حركة المرور في الفضاء»، في تعبير أدبي عن شدة تأثير أدائه، حتى إن الطير في السماء، وفق وصفه، لا يستطيع الحركة عند سماعه.

شهادة المؤرخين في مكانته بين القراء والمنشدين

نقل شكري القاضي عن المؤرخ الموسيقي عبد العزيز عناني، مدير جمعية إحياء التراث، حديثه عن مكانة الشيخ علي محمود في تاريخ الإنشاد والتلاوة، موضحًا أن المنشد يحتاج في البداية إلى التمكن من تلاوة القرآن، ثم قد ينتقل إلى الإنشاد إذا امتلك الإمكانات الصوتية المناسبة.

ووصف عناني الشيخ علي محمود بأنه إمام المنشدين في التاريخ الحديث والمعاصر، مؤكدًا أنه لا يمكن اعتباره من رواد التلاوة بالمعنى الفني المتخصص، لكنه قارئ لا نظير له من حيث الطرب وقوة الصوت، وقدرته على أداء مختلف المقامات بسهولة ويسر، وهو ما يظهر في تسجيلاته الإذاعية.

الشيخ علي محمود بين عمالقة الفن والموسيقى

إلى جانب حضوره في المساجد والمناسبات الدينية، شارك الشيخ علي محمود في عدد من المجالس الفنية التي جمعت كبار الموسيقيين والمنشدين والقراء في عصره.

فكان يحرص على تلاوة السورة في المسجد الزينبي كل يوم جمعة، كما شارك في الأمسيات الدينية بمنزل الموسيقي أمين المهدي، وفي منزل الشيخ أحمد ندا، أحد رواد التلاوة، حيث كان يؤدي التواشيح والقصائد الدينية من العاشرة مساءً حتى أذان الفجر.

وشهدت هذه المجالس حضور أسماء بارزة، من بينها زكريا أحمد، الذي كان من تلاميذه، والشيخ طه الفشني، ومحمد عبد الوهاب، ورياض السنباطي، وعباس البليدي، وسيد مكاوي، وغيرهم من أعلام الموسيقى والغناء في مصر.

أشهر موشحات الشيخ علي محمود وتسجيلاته القرآنية

ترك الشيخ علي محمود مجموعة من الموشحات والقصائد الدينية التي ارتبطت باسمه، ومن أشهرها: «بربك يا من جهلت الغرام»، و«السعد أقبل بابتسام»، و«خلاني ولوعتي وغرامي»، و«أدر ذكر من أهوى»، و«أشرق فيومك ساطع بسام»، إلى جانب قصائد أخرى امتزج فيها الطابع الغزلي بالثوب الديني.

كما احتفظت الإذاعة بعدد من تسجيلاته القرآنية، التي تضمنت تلاوات لسور الأنفال ويوسف والكهف ومريم والأنبياء والقيامة، فضلًا عن قصار السور، لتظل هذه التسجيلات شاهدًا على قدراته الصوتية وأسلوبه المميز.

وفي 21 ديسمبر عام 1946، رحل الشيخ علي محمود عن عالمنا، بعد مسيرة حافلة بالعطاء في خدمة القرآن الكريم والإنشاد الديني، تاركًا إرثًا فنيًا وروحيًا ظل حاضرًا في ذاكرة محبي التلاوة والابتهالات.