رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

جوار وخلائف 4

ألف جارية وجارية .. صبح البشكنجية

بوابة الوفد الإلكترونية


.......لم يطلب ابن أبي عامر شيئًا. وهذه كانت أخطر عاداته.
كان يدخل على «صبح» منحني الرأس، ويخرج وقد زاد في القصر موضعُ قدم. يحمل إليها أخبار الوزراء قبل أن يعلموها، ويكتب باسم ولدها ما يجعل التاريخ لا ينسى اسم ابن أبي عامر، ثم يستأذن في الانصراف كأنه خادم لا يملك من أمره شيئًا.
وكانت تراقبه من خلف الستر، ولا تشك. فمن ذا الذي يشكّ في رجل لا يطلب؟
ثم جاءت الليلة التي سقط فيها المصحفي، ولم يسمع أحد في القصر شيئًا.
لا صراخ، ولا سيوف، ولا أبواب تُخلع. أفاق الناس فوجدوا حاجب الدولة خلف جدران السجن، وفي مكانه رجل يبتسم لهم من عند العتبة. هكذا كان ابن أبي عامر يعمل؛ يُنزل الضربة، ثم يعتذر لمن تلقاها عن الإزعاج.
وقفت «صبح» عند نافذتها تقرأ الخبر في وجوه الحرس، وقلبها يخشى ما لم تبح به. فهو لم يستشرها. وحين سألته في المساء، أجابها بصوت يقطر احترامًا: «أردتُ ألا أُثقل على مولاتي بما لا يطيب سماعه».
كانت جملة مهذبة، وكانت أول مرة تُغلق فيها أبواب القصر بلطف في وجهها.
ثم توالت العلامات. جاءت إلى مجلسها وجوه كانت تدخل بلا استئذان فصارت تنتظر الإذن. وانقطعت رسائل كانت تصلها كل صباح، دون أن يعلن أحد انقطاعها. وفي إحدى الليالي، تسللت إليها خادمتها وقد ارتجفت شفتاها قبل أن تنطق: «سيدتي.. القرار الذي صدر اليوم باسم الخليفة.. هل تعلمينه؟».
قالت صبح وقد جف حلقها: «من أخبرك؟».
قالت الخادمة وهي تتلفت حولها: «الجدران يا سيدتي. الجدران صارت تتكلم في الزهراء».
أغلقت صبح عينيها. فهمت أن الأمر الذي يُخفى عنك هو الأمر الأهم، فهذا ما علّمها إياه القصر. وزاد في مرارتها أن شيئًا ما، لا اسم له، ظل يمنعها من أن تشك به تمامًا، فقد كان الرجل الوحيد الذي وقف معها حين كان العالم ينهار تحت قدميها.
وبينما تسري الهمسات، كان الرجل يُتقن لعبة أخرى. في ساحة القصر، وقف القائد الكبير «غالب الناصري»، فارس الثغور الذي لا يُقهر، وبجانبه ابن أبي عامر، وقد جمعتهما المصاهرة، يقفان وقفة الحلفاء.
لكن امرأة واحدة، خلف ستار رقيق، لم تُصدّق. رأت الرجلين يتصافحان فهمست: «من يقطع الطريق على الأقوياء لا يتركه ممتدًا سوى لنفسه».
ولم تخطئ. فبعد أن أخذ ابن أبي عامر ما يريد من غالب، التفت إلى حليفه، وكانت نهاية الفارس الكبير أبعد ما تكون عن البطولة التي عاش لها.
وخلا الميدان.
لم يبقَ بين ابن أبي عامر والعرش إلا بابٌ واحد، يقف خلفه صبي لا يملك سوى أم سلّمت كل حيلها لمن احتال عليها.
وفي تلك السنوات، بدأ البناء خارج الزهراء. مدينة جديدة، أسوارها أعلى من أسوار القصر، ودواوينها أضخم، وجندها أكثر. سُميت «الزاهرة»، ثم نُقلت إليها الخزائن، فالدواوين، فالحاشية، فالجيش، حتى بقي القصر الكبير الذي بُني ليكون أعجوبة الدنيا قفصًا ذهبيًا فيه خليفة لا يغادره. وكتب المؤرخون أن الحجاب ضُرب على هشام بحجة الحفظ والصون، وأن الأندلس لم تعد تعرف وجه خليفتها.
وذات ليلة، وقفت «صبح» في شرفتها. تذكرت أول مساء غنّت فيه أمام والد ولدها، وكيف قالت إن الصمت علّمها وإن الغناء ما تبقى منه. وفهمت، للمرة الأولى، أن ذلك الصمت كان تدريبًا على هذه الليلة بالذات.
وعلى بُعد ميلين أو ثلاثة، كانت أنوار الزاهرة تلتمع كخنجر موضوع على رقعة المدينة.
قالت بصوت لا يسمعه أحد: «أنتِ يا صبح من فتحتِ له الباب».
وكان في داخلها صوت آخر، أخفض وأقسى، يجيبها: «ثم تأخرتِ في إغلاقه».
مراجع: ابن عذاري، المقري، ابن حيان