ما بعد 2030.. كيف تُصنع قيادات قادرة على تحمل المسؤولية؟
في ظل ما يشهده العالم من تحولات سياسية واقتصادية متلاحقة، وما تفرضه المرحلة المقبلة من تحديات تتعلق بإدارة مؤسسات الدولة ومواصلة تنفيذ خطط التنمية والحفاظ على المكتسبات التي تحققت خلال السنوات الماضية، تزداد أهمية إعداد كوادر وطنية مؤهلة تمتلك الخبرة والكفاءة والقدرة على تحمل المسؤولية، فبناء قيادات قادرة على إدارة الملفات المختلفة بكفاءة يمثل أحد العناصر الأساسية لضمان استمرارية العمل المؤسسي، وتطوير الأداء، ومواكبة المتغيرات المتسارعة في مختلف المجالات.
ويتصدر ملف إعداد وتأهيل القيادات السياسية اهتمامات المرحلة الحالية، لا سيما مع اقتراب مرحلة ما بعد عام 2030، التي تتطلب رؤى متجددة وآليات أكثر فاعلية للتعامل مع القضايا الوطنية والتحديات الداخلية والإقليمية والدولية، ولا يقتصر هذا الملف على اختيار شخصيات لتولي المناصب القيادية، بل يمتد إلى تأسيس منظومة متكاملة لاكتشاف الكفاءات، وتنمية قدراتها، وصقل مهاراتها من خلال برامج التدريب والتأهيل، مع إتاحة الفرصة أمام مختلف القوى السياسية والمجتمعية للمشاركة في إعداد قيادات قادرة على اتخاذ القرارات وتحمل مسؤولياتها.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية، أن تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن إعداد وتأهيل الكوادر تفتح المجال أمام مناقشة آليات اختيار القيادات السياسية خلال المرحلة المقبلة، مشيرًا إلى أن الاستثمار في العنصر البشري يمثل ركيزة أساسية للاستعداد لمتطلبات ما بعد عام 2030، وبناء كوادر قادرة على التعامل مع التحديات المستقبلية.
وأوضح فهمي أن إعداد القيادات السياسية يتطلب وضع منظومة واضحة لاكتشاف الشخصيات التي تتمتع بالكفاءة والخبرة والقدرة على إدارة الملفات المختلفة، إلى جانب توفير برامج تدريبية تسهم في تعزيز فهمها لطبيعة المسؤوليات العامة ومتطلبات العمل داخل مؤسسات الدولة.
وأشار إلى أن المرحلة المقبلة تستدعي تكثيف الجهود الرامية إلى تأهيل كوادر تمتلك المهارات اللازمة للتعامل مع التحديات المتنوعة، بما يسهم في تحسين الأداء المؤسسي وتحقيق الأهداف الوطنية.
وأضاف أستاذ العلوم السياسية أن الأكاديمية العسكرية تؤدي دورًا في إعداد الكوادر وتدريبها في مجالات متعددة، من بينها دراسات الأمن القومي وإدارة الأزمات، لافتًا إلى أن الاهتمام بمنظومة التأهيل شهد تزايدًا خلال السنوات الأربع أو الخمس الأخيرة، وفقًا لتقديره. ويأتي ذلك في إطار العمل على تطوير قدرات الشخصيات المرشحة لتولي المسؤوليات المختلفة، وتعزيز معرفتها بالملفات الاستراتيجية وأساليب التعامل مع الأزمات.
وأشار فهمي إلى أن عملية إعداد القيادات لا ينبغي أن تقتصر على الجوانب النظرية، بل يجب أن تشمل تنمية المهارات العملية، وتعزيز قدرات التحليل والتخطيط واتخاذ القرار، فضلًا عن فهم طبيعة التحديات التي تواجه الدولة.
وأكد أن تولي المسؤولية العامة يتطلب شخصيات قادرة على ترتيب الأولويات، والتعامل مع الملفات المعقدة بمرونة وكفاءة، واتخاذ قرارات تستند إلى رؤية واضحة تستهدف تحقيق المصلحة العامة.
الأحزاب السياسية والمجتمع المدني شركاء في إعداد القيادات
وأكد طارق فهمي أن مسؤولية إعداد الكوادر المؤهلة لا تقع على عاتق مؤسسة بعينها، وإنما تتطلب تضافر جهود مختلف القوى السياسية والمجتمعية، وفي مقدمتها الأحزاب السياسية وقياداتها ومؤسسات المجتمع المدني.
وأوضح أن هذه الجهات يمكنها الإسهام في اكتشاف الكفاءات المتميزة داخل المجتمع، وترشيح الشخصيات القادرة على الاستفادة من برامج التدريب والتأهيل، بما يوسع قاعدة الاختيار ويتيح الاستفادة من تنوع الخبرات والإمكانات.
ولفت إلى أن الأحزاب السياسية تمتلك فرصة مهمة للمشاركة في إعداد كوادر قادرة على الانخراط في العمل العام، من خلال تطوير برامجها السياسية والتنظيمية، وتأهيل أعضائها، وفتح المجال أمام الشباب والشخصيات الواعدة لاكتساب الخبرات اللازمة، كما أن تعزيز التعاون والتواصل بين المؤسسات المختلفة من شأنه أن يدعم تبادل الخبرات، ويساعد على إعداد قيادات تمتلك رؤية واضحة لاحتياجات المجتمع وأولوياته.
وشدد أستاذ العلوم السياسية على أن تأهيل القيادات لا يعني استبعاد أي فئات أو قوى سياسية، بل يتطلب توسيع نطاق المشاركة أمام الأحزاب والقوى المدنية ومختلف الكفاءات، وفق معايير موضوعية تقوم على الكفاءة والخبرة والقدرة على تحمل المسؤولية.
وأوضح أن تنوع الرؤى والخبرات يمثل عنصرًا مهمًا في تطوير عملية إعداد القيادات، ويتيح الاستفادة من الإمكانات البشرية المتاحة في مختلف قطاعات المجتمع.
الإعلام ودوره في إبراز الكفاءات المؤهلة
وفيما يتعلق بالدور الإعلامي، أشار فهمي إلى أهمية تسليط الضوء على الشخصيات التي تمتلك القدرة على تحمل المسؤولية العامة، والتعريف بخبراتها ومهاراتها وإسهاماتها في العمل السياسي والمجتمعي، ويمكن للإعلام أن يسهم في إبراز النماذج المؤهلة، وفتح نقاش موضوعي حول معايير اختيار القيادات ومتطلبات النجاح في المناصب العامة، بما يعزز الوعي بأهمية الكفاءة والخبرة في إدارة شؤون الدولة.
وأوضح أستاذ العلوم السياسية أن طبيعة المرحلة المقبلة، وما تتضمنه من استكمال المشروعات والحفاظ على الإنجازات المتحققة، تفرض ضرورة إعداد كوادر قادرة على إدارة شؤون الدولة وتولي المسؤوليات الكبرى. فالتحديات المستقبلية تستلزم قيادات تتمتع بالكفاءة والمرونة، وقادرة على تطوير آليات العمل والتعامل مع المتغيرات السياسية والاقتصادية والإقليمية بكفاءة.
وأضاف أن الاستعداد لمرحلة ما بعد عام 2030 يتطلب تبني رؤية طويلة المدى لبناء القدرات البشرية، بحيث لا تقتصر برامج التأهيل على تلبية الاحتياجات الراهنة، وإنما تمتد إلى إعداد شخصيات قادرة على مواكبة متطلبات المستقبل، ويستلزم ذلك مواصلة الاستثمار في التدريب والتطوير، وتعزيز ثقافة المسؤولية، وربط اختيار القيادات بمدى امتلاكها للمهارات والخبرات اللازمة لتنفيذ المهام الموكلة إليها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض

