الرئيس دعا لاكتشافهم لبناء الدولة
شباب اليوم.. كوادر بناء المستقبل
خبراء: التنشئة تبدأ من الأسرة.. والأحزاب ومؤسسات الدولة مسئولة عن الرعاية
الاقتصاد والسياسة يحتاجان لعناصر مؤهلة.. والدراسة وحدها لا تكفى
«محتاجين كوادر جديدة ومصر ولاّدة» جملة قالها الرئيس عبدالفتاح السيسى، خلال حفل تخرج دفعة جديدة بالأكاديمية العسكرية، وتأتى هذه المقولة لتؤكد حرص الدولة على بناء منظومة متكاملة لإعداد الكوادر القيادية والسياسية القادرة على مواجهة التحديات الإقليمية والدولية الراهنة.
وفى هذا السياق، تبرز التنشئة الأسرية السليمة بوصفها اللبنة الأولى والأساس الراسخ لتشكيل الوعى والوطنية، تتكامل بعدها جهود مؤسسات الدولة والأكاديميات المتخصصة لصقل الكفاءات، وفى المقابل، تواجه الحياة الحزبية والسياسية محطة فارقة تستوجب مراجعة جذرية لأدوارها وهياكلها وقوانينها التنظيمية، للانتقال من القاعات المغلقة إلى نبض الشارع الفعلى برموز وكوادر جديدة، فضلاً عن التحدى الأكبر من الناحية الاقتصادية لبناء كوادر قادرة على إنقاذ الاقتصاد المصرى.
الأسرة أولا
فى البداية أكدت إسراء سمير، استشارى العلاقات الأسرية، أن بناء الكوادر البشرية القادرة على دعم الدولة والمشاركة فى تحقيق أهدافها التنموية يبدأ من الأسرة، باعتبارها المؤسسة الأولى التى تتشكل داخلها شخصية الإنسان، وتتكون من خلالها قيمه ومبادئه واتجاهاته الفكرية والسلوكية، مشيرة إلى أن إعداد الكفاءات التى أوصى الرئيس السيسى بأهمية بنائها لا يتحقق من خلال التعليم والتدريب وحدهما، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة تبدأ من التنشئة الأسرية السليمة.
وأوضحت «سمير» أن الأسرة تمثل نقطة الانطلاق الأساسية فى إعداد أجيال تمتلك الوعى والمسؤولية والقدرة على التفكير واتخاذ القرار، مؤكدة أن الطفل الذى ينشأ فى بيئة أسرية مستقرة، يكون أكثر استعدادًا لاكتساب المهارات التى تؤهله للنجاح فى حياته العملية والمشاركة الإيجابية فى المجتمع.
وأضافت أن دور الأسرة لا يقتصر على توفير الاحتياجات المادية للأبناء، وإنما يمتد إلى بناء شخصياتهم نفسيًا واجتماعيًا، وتعزيز ثقتهم بأنفسهم، وتعليمهم كيفية التعامل مع التحديات، وتحمل المسؤولية، واحترام الآخرين، والعمل بروح الفريق، وهى عناصر أساسية فى إعداد كوادر قادرة على مواكبة متطلبات الدولة الحديثة.
وشددت استشارى العلاقات الأسرية على أن بناء الكوادر لا يعنى فقط إعداد أفراد متفوقين دراسيًا أو حاصلين على شهادات علمية متميزة، وإنما يتطلب تنمية مجموعة من القيم والمهارات، فى مقدمتها التفكير النقدى، والقدرة على حل المشكلات، والالتزام، والانضباط، والمرونة فى التعامل مع المتغيرات، إلى جانب امتلاك الوعى الوطنى الذى يدفع الفرد إلى إدراك دوره فى خدمة المجتمع.
وأشارت إلى أن الحوار داخل الأسرة يمثل أحد أهم الأدوات التى تساعد على بناء شخصية مستقلة وواعية، إذ يمنح الأبناء الفرصة للتعبير عن آرائهم ومناقشة الأفكار وتعلم كيفية الاختلاف بصورة إيجابية، بدلًا من الاعتماد على فرض القرارات دون توضيح أسبابها.
ولفتت «سمير» إلى أهمية مواكبة الأسرة للتغيرات التكنولوجية وتأثير وسائل التواصل الاجتماعى على وعى الأبناء وسلوكهم، موضحة أن المتابعة الواعية، وتوجيه الأبناء إلى الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا، وتعزيز قدرتهم على التحقق من المعلومات، أصبحت من المسؤوليات الأساسية للأسرة فى ظل التدفق المتزايد للمحتوى الرقمي.
وأكدت أن مسؤولية إعداد الكوادر الوطنية لا تقع على الأسرة وحدها، بل تتطلب تكامل الأدوار بين الأسرة والمدرسة والجامعة ومؤسسات الدولة، بحيث تتضافر جهود التنشئة والتعلم والتدريب لإعداد أفراد يمتلكون المعرفة والمهارات والقيم اللازمة للمشاركة فى التنمية.
واختتمت إسراء سمير حديثها بالتأكيد على أن الاستثمار الحقيقى فى مستقبل الدولة يبدأ بالاستثمار فى الإنسان منذ سنواته الأولى، وأن الأسرة الواعية تمثل حجر الأساس فى بناء أجيال قادرة على تحمل المسؤولية وصناعة الفرص وتحقيق الإنجازات، بما يدعم جهود الدولة فى إعداد الكوادر المؤهلة لمتطلبات المستقبل.
رؤية شاملة
من ناحية أخرى أكد الدكتور عبد الغنى دياب، الباحث فى العلاقات الدولية ومدير وحدة الدراسات السياسية بمركز العرب للأبحاث والدراسات، أن إعداد كوادر سياسية وقيادية قادرة على تحمل المسؤولية يتطلب رؤية شاملة لطبيعة التحديات التى تواجه الدولة داخليًا وخارجيًا، إلى جانب امتلاك المهارات والمعارف اللازمة لتحليل الأزمات، وصياغة السياسات، وتقديم حلول واقعية تستجيب لاحتياجات المواطنين وتحافظ على المصالح الوطنية
وأوضح «دياب» أن إعداد هذه الكوادر لا ينبغى أن يقتصر على البرامج التدريبية أو التأهيل النظرى، وإنما يجب أن يقوم على بناء شخصية قيادية تمتلك القدرة على فهم الواقع السياسى والاقتصادى والاجتماعى، والتعامل مع المتغيرات الإقليمية والدولية، واتخاذ القرارات بناءً على المعلومات والتحليل، مع إدراك انعكاسات القرارات السياسية على حياة المواطنين.
وأضاف أن هناك مجموعة من المواصفات الأساسية التى يجب توافرها فى الكوادر السياسية والقيادية، فى مقدمتها القدرة على تحليل المشكلات وتحديد أسبابها الحقيقية، والوعى بطبيعة مؤسسات الدولة واختصاصاتها، وفهم العلاقات الدولية وتوازنات القوى الإقليمية، فضلًا عن مهارات التواصل والحوار وإدارة الأزمات والعمل الجماعى. كما يجب أن تتمتع هذه الكوادر بالنزاهة والمسؤولية والقدرة على الاستماع إلى المواطنين والتفاعل مع مطالبهم، وأن تكون لديها مرونة فكرية تسمح بمراجعة السياسات وتطويرها وفقًا للمتغيرات والنتائج المحققة.
وأشار «دياب» إلى أن تأهيل القيادات السياسية يتطلب ربط الجانب النظرى بالتطبيق العملى، من خلال التدريب على إعداد أوراق السياسات العامة، وتحليل البيانات، ودراسة السيناريوهات المحتملة للأزمات، والتعرف على آليات صنع القرار داخل المؤسسات، إلى جانب إتاحة فرص للاحتكاك المباشر بالمشكلات المجتمعية، بما يساعد على تكوين كوادر قادرة على الانتقال من مرحلة تشخيص الأزمات إلى مرحلة تقديم حلول قابلة للتنفيذ والتقييم.
وعلى المستوى الخارجى، أوضح «دياب» أن الكوادر السياسية والدبلوماسية المصرية يجب أن تكون على دراية دقيقة بالتحديات المحيطة بالدولة، مشيرا إلى أن التعامل مع هذه القضايا يتطلب إعداد كوادر قادرة على قراءة المشهد الإقليمى، وفهم مصالح الأطراف المختلفة، وتقدير تداعيات التحولات الدولية، والمشاركة فى صياغة تحركات دبلوماسية تستند إلى فهم المصالح المصرية وأولوياتها.
وأضاف أن من الضرورى أن يشمل تأهيل الكوادر الخارجية دراسة قضايا الأمن الإقليمى، وأمن الحدود، وإدارة الأزمات والصراعات، وحماية المصالح الاقتصادية والتجارية، فضلًا عن فهم تأثير الاضطرابات الإقليمية على قناة السويس ومصادر النقد الأجنبى وأوضاع المصريين العاملين بالخارج. فهذه الملفات مترابطة، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها قضايا منفصلة عن بعضها البعض أو عن الوضع الاقتصادى والاجتماعى الداخلى.
أما على المستوى الداخلى، فأكد «دياب» أن الكوادر السياسية مطالبة بفهم التحديات المرتبطة بارتفاع الأسعار، وتحسين مستوى الخدمات العامة، وتطوير قطاعات الصحة والتعليم، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية، وخلق فرص العمل، وتعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة الأزمات الخارجية. وشدد على أن المسؤول السياسى يحتاج إلى إدراك أولويات المواطنين، والقدرة على ترتيب الاحتياجات وفقًا للموارد المتاحة، واقتراح سياسات تحقق التوازن بين متطلبات التنمية والإمكانات الاقتصادية للدولة.
ولفت إلى أن إعداد القيادات يجب أن يتضمن تدريبًا متخصصًا على تصميم السياسات العامة وتقييم أثرها، ودراسة الموازنات والموارد، وقياس كفاءة البرامج الحكومية، بما يضمن أن تتحول الحلول المطروحة إلى خطط واضحة تتضمن أهدافًا قابلة للقياس وآليات محددة للتنفيذ والمتابعة.
آليات التنفيذ
وفيما يتعلق بالآليات المؤسسية لإعداد الكوادر، أشار دياب إلى أهمية الاستفادة من التجارب القائمة فى مجال التدريب والتأهيل، ومن بينها الأكاديمية الوطنية للتدريب، إلى جانب تطوير برامج إعداد الشباب داخل الأحزاب السياسية وتنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين. وأكد أن فاعلية هذه التجارب ترتبط بمدى قدرتها على بناء المعرفة السياسية، وتنمية مهارات القيادة والإدارة، وإتاحة فرص حقيقية للتطبيق العملى، وربط التدريب باحتياجات المجتمع ومؤسسات الدولة.
كوادر اقتصادية
من الناحية الإقتصادية أكد الدكتور خالد الشافعى، الخبير الاقتصادى، أن إعداد كوادر قادرة على المساهمة فى بناء الدولة يتطلب تغييرًا فى أساليب التأهيل والتدريب، بحيث لا يقتصر الأمر على المعرفة النظرية بالمفاهيم الاقتصادية، وإنما يمتد إلى القدرة على تحليل الأزمات، ووضع السياسات المناسبة، وإدارة الموارد بكفاءة، وتحويل الخطط الاقتصادية إلى نتائج ملموسة تنعكس على مستوى معيشة المواطنين وقدرة الاقتصاد على النمو.
وأوضح «الشافعى» أن الكادر الذى تحتاج إليه الدولة فى المرحلة الحالية يجب أن يمتلك مجموعة من المواصفات الأساسية، فى مقدمتها القدرة على قراءة المؤشرات الاقتصادية وتحليل بيانات التضخم والبطالة والدين العام والاستثمار، إلى جانب فهم آليات إدارة الموازنة العامة والسياسة النقدية والمالية، والقدرة على تقييم المشروعات وفقًا لعائدها الاقتصادى والاجتماعى. كما يجب أن يتمتع بالكفاءة والنزاهة والاستقلالية، وألا يعتمد على الحلول التقليدية التى تعالج الأعراض دون التعامل مع الأسباب الحقيقية للمشكلات.
وأضاف أن من أهم الملفات التى ينبغى أن تتصدر أولويات هذه الكوادر قضية تراجع القوة الشرائية للأجور، وقدرتها على مواكبة ارتفاع الأسعار وتوفير مستوى معيشة مناسب. ولذلك، فإن التعامل مع هذا الملف يتطلب سياسات متكاملة لزيادة الإنتاجية، وتحفيز الاستثمار، وتوفير فرص العمل، واحتواء التضخم، وربط نمو الأجور بتحسن الأداء الاقتصادى، مع الاهتمام بالعمالة فى القطاع الخاص وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر احتياجًا.
وأشار «الشافعى» إلى أن ملف الاقتراض الخارجى، بما فى ذلك برامج التمويل والتعاون مع صندوق النقد الدولى والبنك الدولى، يحتاج إلى كوادر تمتلك القدرة على تقييم شروط التمويل وتكلفته وعائده، ومدى مساهمته فى زيادة الطاقة الإنتاجية للاقتصاد. وأكد أن الاقتراض لا ينبغى أن يكون هدفًا فى حد ذاته أو وسيلة دائمة لسد الفجوات التمويلية، وإنما يجب توجيهه إلى مشروعات تحقق عائدًا اقتصاديًا مستدامًا، مع وضع خطط واضحة لإدارة الدين وخفض أعبائه وتعزيز قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها دون الضغط المفرط على الإنفاق الاجتماعى والاستثمارى.
وشدد على ضرورة تأهيل كوادر قادرة على معالجة الاختلالات الهيكلية، وفى مقدمتها ضعف مساهمة بعض القطاعات الإنتاجية، وارتفاع فاتورة الاستيراد، وزيادة الصادرات وتعميق التصنيع المحلى، إلى جانب تطوير المشروعات الصغيرة والمتوسطة وتحسين بيئة الاستثمار. والقدرة على دراسة أولويات الإنفاق العام، وتحقيق التوازن بين استكمال مشروعات التنمية وتوفير الموارد اللازمة للصحة والتعليم والحماية الاجتماعية.
واختتم «الشافعى» بالتأكيد على أن بناء الكوادر الاقتصادية لا يتحقق بالدورات التدريبية وحدها، بل يتطلب ربط التأهيل بالواقع العملى، وإشراك المتخصصين فى إعداد السياسات وتقييم نتائجها، ومحاسبة المسؤولين على مؤشرات أداء واضحة. فالدولة تحتاج إلى خبراء قادرين على تقديم بدائل قابلة للتنفيذ، وقياس تكلفتها وعائدها، وتصحيح مسارها عند الضرورة، بما يدعم نموًا اقتصاديًا أكثر استدامة ويترجم نتائجه إلى تحسن حقيقى فى حياة المواطنين.
دور الأحزاب
على المستوى السياسى أكد هلال عبد الحميد، رئيس حزب الجبهة الديمقراطية المصرية (تحت التأسيس)، أن الاهتمام بتأهيل الكوادر السياسية والقيادية يمثل ضرورة لبناء الدولة، مشيرًا إلى أن إعداد قيادات مؤهلة يتطلب دورًا فاعلًا للأحزاب السياسية، باعتبارها إحدى المؤسسات المهمة لإعداد القيادات القادرة على تحمل المسؤولية والمشاركة فى العمل العام والتشريعى والتنفيذى.
وأوضح عبد الحميد أن الكوادر السياسية يجب أن تمتلك وعيًا حقيقيًا بطبيعة الدولة ومؤسساتها، وفهمًا للتحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وقدرة على التواصل مع المواطنين والاستماع إلى مشكلاتهم، إلى جانب امتلاك مهارات الحوار والتفاوض وإدارة الأزمات وصياغة البدائل والسياسات العامة. كما ينبغى أن تتوافر فيها النزاهة والاستقلالية الفكرية والشعور بالمسؤولية الوطنية، وألا يكون الهدف من العمل السياسى مجرد الوصول إلى المناصب أو تحقيق مكاسب شخصية.
وأضاف أن الأحزاب تتحمل مسؤولية أساسية فى إعداد كوادر قادرة على خوض انتخابات المحليات ومجلس النواب بكفاءة، فضلًا عن تأهيل شخصيات تمتلك المهارات التشريعية والرقابية والإدارية التى تؤهلها للمشاركة فى إدارة الشأن العام، ويتطلب ذلك برامج تدريبية مستمرة تشمل فهم الدستور والقوانين، وآليات إعداد التشريعات ومناقشة الموازنات العامة، والرقابة على الأداء الحكومى، ودراسة القضايا الاقتصادية والاجتماعية، بما يضمن وجود كوادر تستطيع تقديم حلول عملية للمشكلات التى تواجه المواطنين.
وشدد على أن إعداد الكوادر لا يمكن أن يتحقق داخل قاعات التدريب وحدها، وإنما يحتاج إلى ممارسة عملية تسمح للشباب والقيادات الحزبية بالتعرف على احتياجات المجتمع، والعمل على حل مشكلاته، وقياس أثر المبادرات التى يتبنونها.
ولفت إلى أن المقرات الحزبية يجب أن تتحول إلى مدارس سياسية حقيقية، تقدم برامج منتظمة لتأهيل الشباب والنساء والقيادات المحلية، وتمنح الفرصة للكفاءات الجديدة للمشاركة فى صنع القرار داخل الأحزاب، بدلًا من اقتصار العمل الحزبى على مجموعة محدودة من القيادات.
كما أكد أهمية إعداد كوادر متخصصة فى ملفات الصحة والتعليم والتشغيل والحماية الاجتماعية والاستثمار والإدارة المحلية، حتى تتمكن الأحزاب من تقديم برامج واضحة تستند إلى معلومات ودراسات واقعية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض