رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
علاء العطار
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
علاء العطار

فى السطور التالية يسرد يهودى عراقى، قصة علاقة الفلسطينيين باليهود: فى عهد الدولة العثمانية، عندما طُرد اليهود من بعض الأماكن فى أوروبا، فتح الفلسطينيون أذرعهم واستقبلوا اليهود فى فلسطين. لماذا؟ لأنهم فلسطينيون، والفلسطينى سيعطيك خبزه وماءه، وقد يذهب لينام عطشانا وجائعا من أجل أن يعطى خبزه لجاره وضيفه، هكذا هم الفلسطينيون. وماذا كان ردّ الصهيونيين عليهم؟، هل تعلم أنه بعد الحرب العالمية الثانية كانت هناك قوارب تحمل لاجئين يهودا قدموا من أوروبا؟، كان الفلسطينيون يذهبون إلى الشاطئ حاملين الخبز والماء، ويستقبلون اليهود، ثم يأخذونهم إلى منازلهم. هل يمكنك أن تصدق شيئا كهذا؟، أنا شخصيا لا أستطيع أن أصدق ما الذى فعله الصهيونيون بهم فى المقابل. لأن الفلسطينيين، عندما رأوا اليهود يأتون للعيش فى الأرض المقدسة، فى فلسطين، وتحت ماذا؟، تحت رحمة الفلسطينيين وتفهمهم وتعاطفهم، رحبوا بهم ترحيبا كبيرا. كانت عائلتى قادمة من العراق، وكان والدى وطنيا عراقيا، وقد خدم فى الجيش العراقى، ولم يكن يريد المجىء إلى فلسطين، لا هو ولا والدتى، كانت بالنسبة له أرضا تعود إلى الفلسطينيين، وليست لنا.

لكن ماذا حدث؟، أرسل الصهيونيون فرقا إرهابية إلى بغداد، وقاموا بتفجير معابد يهودية ومراكز ثقافية يهودية ومصالح تجارية يهودية. قُتل ستة أشخاص، وأُصيب عشرات اليهود، ثم قالوا لهم: «المسلمون هم من يفعلون ذلك بكم. لقد تغير الوضع، المسلمون الذين كانوا أصدقاء لكم فى السابق لم يعودوا كذلك، عليكم الرحيل إلى فلسطين». وهكذا، بحسب الرواية التى يطرحها المتحدث، تم تهجير مليون وثلاثمائة ألف فلسطينى من فلسطين، وجلب مليون وثلاثمائة ألف يهودى عربى من المغرب وتونس والجزائر ومصر والعراق واليمن، بدلا من الفلسطينيين. لكن القصة بحسب هذا الطرح، لا تتوقف عند الأرقام وحدها، فهى تتعلق أيضا بالعلاقات التى كانت موجودة بين المجتمعات المختلفة قبل التحولات السياسية الكبرى فى المنطقة.

فقد عاش يهود ومسلمون ومسيحيون فى مدن وبلدات مختلفة، وكانت بينهم علاقات اجتماعية وتجارية وجيرة، رغم وجود توترات وصراعات فى فترات مختلفة. ومن المهم أن نفهم أن تاريخ اليهود فى البلدان العربية، لم يكن قصة واحدة متطابقة فى كل مكان. فقد اختلفت الظروف من العراق إلى مصر والمغرب وتونس والجزائر واليمن، كما اختلفت أسباب الهجرة من بلد إلى آخر. بعض اليهود غادروا بسبب الخوف أو الاضطرابات أو الضغوط السياسية، وبعضهم هاجر لأسباب اقتصادية أو بدافع الصهيونية، بينما ارتبطت هجرات أخرى بالصراع العربى الإسرائيلى، وتغير الأوضاع السياسية بعد عام ١٩٤٨.

وبالمثل، فإن تهجير الفلسطينيين ونزوحهم خلال حرب ١٩٤٨، كان حدثا تاريخيا واسع النطاق، ترك أثرا عميقا ومستمرا على الفلسطينيين وعلى المنطقة كلها. ولا يمكن اختزال هذه الأحداث المعقدة فى رواية واحدة أو تفسير واحد، لأن المؤرخين ما زالوا يناقشون تفاصيلها وأسبابها ومسئوليات الأطراف المختلفة. لكن الرسالة التى يريد المتحدث إيصالها واضحة: الفلسطينيون، فى نظره، لم يروا فى اليهود الذين وصلوا إلى فلسطين مجرد غرباء يجب رفضهم، بل رأى بعضهم فيهم جيرانا وضيوفا يمكن التعامل معهم بالرحمة والكرم. ولذلك فإن ما حدث لاحقا، يقدم فى هذه الرواية باعتباره تحولا مأساويا من التعايش والعلاقات اليومية إلى الصراع والتهجير والانقسام.

وهنا يصبح السؤال أكبر من مجرد سؤال عن الهجرة أو الأرقام. ماذا يحدث عندما تتحول أرض عاش فيها أكثر من مجتمع إلى قضية سياسية مرتبطة بالسيادة والهوية والقومية؟ وكيف يمكن أن تتحول علاقات الجيرة والتجارة والحياة اليومية إلى صراع طويل يمتد عبر أجيال؟. هذه الأسئلة هى جزء أساسى من فهم تاريخ فلسطين والعراق والشرق الأوسط فى القرن العشرين، وهى أيضا سبب استمرار النقاش حول ما حدث قبل عام ١٩٤٨ وبعده، وكيف أثرت تلك الأحداث على الفلسطينيين واليهود فى المنطقة.

محافظ المنوفية الأسبق