تكلف تطويرها 44 مليار جنيه
العشوائيات.. ما زالت تتحدى التنمية!
الحكومة اهتمت بالمناطق الخطرة.. والأزمة ما زالت مستمرة
خبراء: مجمعات سكنية بديلة للمواطنين.. وفرص العمل مشكلة تبحث عن حل
على مدار سنوات وضعت الحكومة ملف المناطق العشوائية وغير الآمنة على رأس أولوياتها، فى محاولة لإنهاء أوضاع سكنية ظلت لعقود تمثل خطرًا مباشرًا على حياة ملايين المواطنين، خاصة بعد حادث سقوط صخرة الدويقة عام 2008.
وبحسب بيانات صندوق التنمية الحضرية، تجاوز حجم الإنفاق الحكومى على تطوير المناطق العشوائية غير الآمنة والخطرة 44 مليار جنيه خلال الفترة من 2014 حتى 2020، دون احتساب قيمة الأراضى، مقارنة بنحو 650 مليون جنيه فقط خلال الفترة من 2008 إلى 2014، حيث أسهمت هذه الاستثمارات فى توفير أكثر من 246 ألف وحدة سكنية، استفاد منها ما يقرب من مليون إلى مليون ونصف مواطن، وفق تصريحات المهندس إيهاب حنفى، المتحدث باسم صندوق التنمية الحضرية، ومع ذلك ما زال هناك مواطنون يعيشون فى مناطق عشوائية، فمتى تنتهى هذه المشكلة للأبد؟
الدكتور الحسين حسان">يرى الدكتور الحسين حسان، خبير التنمية المحلية والمستدامة، أن هناك نقطة مهمة للغاية يجب الانتباه إليها عند تقييم تجربة الدولة فى ملف تطوير المناطق العشوائية، وهى أن كثيرًا منها كانت مناطق خطرة ومهددة للحياة، فضلًا عن أن جانبًا كبيرًا منها لم يكن مملوكًا لقاطنيها من الأساس، وإنما نشأت من خلال وضع اليد أو البناء العشوائى وتحول الأمر مع مرور الوقت إلى واقع قائم.
وأوضح أن هناك نماذج واضحة على ذلك، من بينها منطقة نزلة السمان، التى تقع أجزاء كبيرة منها على أراضٍ تابعة لوزارة الآثار، ثم تحولت بمرور الوقت إلى مناطق عشوائية، قبل أن تتدخل الدولة وتوفر لقاطنيها مساكن بديلة فى حدائق أكتوبر، لافتًا إلى أن قيمة الوحدة السكنية فى هذه المشروعات تصل إلى نحو مليون جنيه وأكثر فى بعض الحالات.
وأشار إلى أن إنشاء صندوق تطوير العشوائيات عام 2008 جاء بعد حادث سقوط صخرة الدويقة، الذى كشف حجم الكارثة الإنسانية التى تعيشها مناطق كثيرة، حيث كانت الصخور تسقط على المنازل ويفقد مواطنون حياتهم داخل بيوتهم، إلى جانب مشكلات الصرف الصحى والمياه والبنية الأساسية، وغيرها من مظاهر العشوائية التى تراكمت على مدار سنوات طويلة.
وأوضح أن هناك حالات بالفعل تعرضت للظلم أثناء عمليات الحصر، خاصة أن بعض المواطنين كانوا خارج مناطقهم وقت تنفيذ الحصر، ثم عادوا ليكتشفوا عدم إدراجهم ضمن المستحقين، كما أن هناك حالات أخرى حدثت فيها خلافات أو مشكلات مع بعض المسئولين أو القائمين على أعمال الحصر، ما أدى إلى عدم تسجيل أصحابها، مؤكدًا أن لديه العديد من الحالات التى تعرضت لهذا النوع من الظلم.
وقال «حسان» إن الدولة تمكنت خلال السنوات الأخيرة من تجاوز جزء كبير من هذه الأخطاء من خلال إنشاء مجمعات سكنية متكاملة، موضحًا أنه من الضرورى عند تقييم التجربة إجراء مقارنة حقيقية بين أوضاع سكان الدويقة وبطن البقرة وإسطبل عنتر وعزبة خير الله وغيرها من المناطق التى كانت تعانى أوضاعًا شديدة الصعوبة، وبين أوضاعهم الحالية بعد انتقالهم إلى المجتمعات السكنية الجديدة، مشيرًا إلى أن الدولة حققت تقدمًا واضحًا فى ملف تطوير المناطق غير الآمنة، رغم وجود بعض الجوانب التى لم تحظَ بالاهتمام الكافى، ومن بينها أوضاع بعض سكان المقابر الذين لم يتم دمجهم بصورة كاملة ضمن برامج تطوير العشوائيات.
وأكد أن التحول الحقيقى بدأ عندما وضعت الدولة موارد مالية ضخمة لهذا الملف، مشيرًا إلى أن موازنة صندوق تطوير العشوائيات قبل عام 2014 كانت فى حدود 650 مليون جنيه، وهى موازنة لم تكن كافية لإنشاء عدد كبير من المساكن أو التعامل مع حجم المشكلة المتراكم على مدار عقود.
وأضاف أن تخصيص أكثر من 40 مليار جنيه من فائض موازنة هيئة المجتمعات العمرانية لملف تطوير العشوائيات أحدث تحولًا كبيرًا فى طريقة التعامل مع الأزمة، وساعد الدولة على الانتقال من مرحلة المسكنات إلى مرحلة التطوير الحقيقى وإنشاء مجتمعات سكنية متكاملة.
وأشار إلى أن الدولة عملت على تطوير أكثر من 357 منطقة غير آمنة ومهددة للحياة، وهو ما يمثل تحولًا كبيرًا فى فلسفة التعامل مع الملف، حيث لم يعد الهدف مجرد نقل المواطن من مكان إلى آخر، وإنما توفير سكن آمن ومجهز بالخدمات الأساسية.
وأكد أن هناك تحديات ظهرت بعد عملية النقل، لأن بعض المواطنين كانوا قد اعتادوا على نمط حياة العشوائيات لسنوات طويلة، ولذلك ظهرت بعض السلوكيات التى لم تتناسب مع طبيعة المجتمعات السكنية الجديدة، مثل تربية المواشى أو الدواجن داخل الوحدات أو التعامل مع المساحات العامة بطريقة غير منظمة.
وأشار إلى أن هذه السلوكيات تحتاج إلى برامج توعية ودمج اجتماعى مستمرة، وليس فقط إلى إجراءات تنظيمية، لأن تغيير نمط الحياة يحتاج إلى وقت ومتابعة وتواصل مباشر مع السكان.
ولفت إلى أن مشكلة البعد عن مصادر الرزق تعد من أهم النقاط التى يجب التعامل معها، لأن عددًا كبيرًا من سكان المناطق العشوائية كانوا يعتمدون على أنشطة تجارية أو حرفية أو مهن مرتبطة بصورة مباشرة بمناطق سكنهم القديمة.
وقال إن التعامل مع ملف العشوائيات أصبح اليوم أكثر شمولًا، ولم يعد مقتصرًا على توفير مسكن بديل، مشيرًا إلى أن الدولة تعمل على تطوير مناطق غير مخططة تمتد إلى نحو 152 ألف فدان، بتكلفة تصل إلى نحو 400 مليار جنيه، إلى جانب تطوير أكثر من 100 سوق عشوائى.
وأكد أن هناك حاجة إلى التركيز بصورة أكبر خلال المرحلة المقبلة على تأهيل الإنسان اقتصاديًا واجتماعيًا، لأن تطوير المبانى وحده لا يكفى، مشيرًا إلى أنه سبق أن طُرحت منذ عام 2014 فكرة وضع برامج لتأهيل سكان المناطق العشوائية وتدريبهم ودمجهم فى سوق العمل، موضحا أن بعض البرامج التى تم تنفيذها فى السابق لم تكن بالقدر الكافى من الكفاءة، وأن بعضها اتجه إلى أنشطة تدريبية لا تتناسب بصورة حقيقية مع احتياجات السكان أو طبيعة سوق العمل، ولذلك يجب أن تعتمد برامج التأهيل الجديدة على دراسات حقيقية لاحتياجات المواطنين وفرص العمل المتاحة فى كل منطقة.
وفيما يتعلق بقيمة رسوم الصيانة فى مشروعات السكن البديل، أوضح «حسان» أن المبالغ التى كانت تحصل من المواطنين فى عدد من المشروعات كانت محدودة للغاية، مشيرًا إلى أن الأسمرات كانت الرسوم فيها فى حدود 300 جنيه تقريبًا، بينما كانت بعض المناطق الأخرى، مثل عشش السكة الحديد بشارع السودان، تتراوح بين 140 إلى 160 جنيهًا، وفى روضة السيدة تتراوح بين 300 و400 جنيه، وأكد أن هذه المبالغ لم تكن تمثل إيجارات بل كانت رسوم صيانة تهدف إلى الحفاظ على الوحدات والمرافق والمجتمعات السكنية الجديدة..
تغيير نمط الحياة
عاطف أمين">من ناحية أخرى قال عاطف أمين، مؤسس التحالف المصرى لتطوير العشوائيات، إن ملف المناطق العشوائية ظل لسنوات طويلة واحدًا من أكبر التحديات التى واجهت مختلف المحافظات، لما ترتب عليه من تداعيات أمنية واقتصادية واجتماعية وصحية، مؤكدًا أن التعامل مع هذا الملف شهد تحولًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة.
وأشار إلى أن عدد المناطق غير الآمنة بلغ نحو 357 منطقة على مستوى الجمهورية، وكانت تحتاج إلى ما يقرب من 245 ألف وحدة سكنية، بتكلفة تقدر بنحو 70 مليار جنيه، لخدمة حوالى 1.7 مليون مواطن.
وأكد «أمين» أن البعد الإنسانى كان حاضرًا بقوة فى مشروعات تطوير العشوائيات، حيث حرصت الدولة على تسليم الوحدات السكنية لمستحقيها كاملة التشطيب والتجهيز، كما شهدت بعض المشروعات توفير الأثاث والأجهزة الكهربائية بالمجان، بالتوازى مع توفير الخدمات الصحية والاجتماعية.
وأوضح أن مشروع الأسمرات 1 و2 و3 بمحافظة القاهرة يأتى فى مقدمة المشروعات التى جسدت هذا التوجه، بتكلفة بلغت نحو 3.3 مليار جنيه، وضم نحو 18.3 ألف وحدة سكنية، واستفاد منه حوالى 91.4 ألف نسمة.
وأضاف أن مشروع روضة السيدة 1، الذى أقيم فى موقع منطقة تل العقارب بالسيدة زينب، شهد الانتهاء من تنفيذ الوحدات وتسليمها للسكان بتكلفة بلغت نحو 330 مليون جنيه، ويضم 816 وحدة سكنية داخل 16 عمارة، ويستفيد منه نحو 4080 نسمة، بالإضافة لمشروع روضة السيدة 2 بمنطقة الطيبى المقابلة لروضة السيدة 1، والذى يضم 572 وحدة سكنية، إلى جانب وحدات إدارية وتجارية، ويقام على مساحة تتجاوز 7 أفدنة، ويتضمن وحدات سكنية بديلة للأسر المستحقة.
وأشار إلى مشروع المحروسة 1 و2 بمحافظة القاهرة، الذى بلغت تكلفته نحو 880 مليون جنيه، ويضم حوالى 4.9 ألف وحدة سكنية، ويستفيد منه نحو 24.5 ألف نسمة، إلى جانب مشروع أهالينا 1 و2 بتكلفة بلغت نحو 1.7 مليار جنيه، ويضم قرابة 2.5 ألف وحدة سكنية، ويستفيد منه حوالى 12.5 ألف نسمة، بالإضافة إلى مشروع «معًا» بمحافظة القاهرة الذى بلغت تكلفته نحو 1.3 مليار جنيه، ويضم حوالى 4.4 ألف وحدة سكنية، ويستفيد منه نحو 20 ألف نسمة، بينما بلغت تكلفة مشروع الخيالة نحو 6 مليارات جنيه، ويضم حوالى 2550 وحدة سكنية، واستفاد منه سكان مناطق الجيارة والسكر والليمون وحوش الغجر.
كما أشار إلى تنفيذ مشروع الرويسات بمحافظة جنوب سيناء بتكلفة بلغت نحو 148 مليون جنيه، ويضم 496 وحدة سكنية يستفيد منها نحو 2480 نسمة، إلى جانب مشروع شمال وجنوب الصيادين برأس البر، بتكلفة تقدر بنحو 95 مليون جنيه، ويضم 250 وحدة سكنية يستفيد منها حوالى 1250 نسمة.
إدارة حياة السكان
الدكتور حمدى عرفة">ويناقش القضية من زاوية أخرى الدكتور حمدى عرفة، أستاذ الإدارة الحكومية والمحلية، مؤكدا أن ملف العشوائيات شهد خلال السنوات الماضية تدخلات واسعة لتوفير مساكن بديلة وتحسين مستوى معيشة المواطنين، إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من مجرد توفير الوحدة السكنية إلى بناء مجتمع عمرانى متكامل يحافظ على استقرار الأسرة ومصدر دخلها وارتباطها بالخدمات.
وأشار إلى أن نقل سكان المناطق الخطرة إلى مساكن آمنة يمثل ضرورة، لكن عملية النقل يجب ألا تقتصر على تسليم المواطن مفتاح وحدة جديدة، وإنما يجب أن تضمن استمرار حياته بصورة مستقرة، من خلال توفير وسائل النقل وفرص العمل والمدارس والخدمات الصحية والأسواق.
وأوضح الدكتور «حمدى» أن نظام الإيجار المنتهى بالتملك يمكن أن يمثل أحد الحلول المهمة لأزمة السكن، خصوصًا للفئات التى لا تستطيع تحمل تكاليف التملك التقليدى، إلا أن نجاحه فى ملف العشوائيات يتوقف على مكان الوحدة وشروط الانتفاع وقدرة الأسرة على تحمل التكلفة الشهرية، موضحا أنه لا يستطيع بمفرده القضاء على العشوائيات، لأن الحل الحقيقى يتطلب الجمع بين السكن الميسر، والتطوير داخل الموقع، وربط المناطق الجديدة بفرص العمل والخدمات، ومشاركة السكان فى عملية التطوير، ومنع ظهور عشوائيات جديدة.
واختتم الدكتور حمدى عرفة بالتأكيد أن المرحلة المقبلة يجب أن تنتقل من مفهوم «نقل السكان من المناطق العشوائية» إلى مفهوم «إدارة حياة السكان بعد التطوير أو الانتقال».
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض