لم يكن التعليم يوما، في النظرة الإسلامية، شحنا للأذهان بالمعارف، ولا حشوا للذاكرة بالمعلومات، بل حقيقة الأمر أنه حالة إحياء للعقل والروح معا؛ إنه الومضة الإيمانية التي تبث الحياة في عقل الإنسان وروحه، فيتحول من كائن يستهلك المعرفة إلى عقل يتدبر، وروح ترتقي، ونفس تزكى.
ولو تدبرنا نصوص الوحي الشريف لوجدنا اقترانا أصيلا بين العلم والإيمان؛ فقد استهلت الرسالة الخاتمة خطابها بأمر إلهي حاسم: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} (العلق: 1). وفي هذا الاقتران اللفظي والفكري بين «القراءة» و«اسم الرب» تتجلى فلسفة الإسلام العميقة للتعليم؛ فالعلم في المنظور الشرعي لا ينفصل عن الإيمان، والبحث العلمي في آفاق الكون وأنفس البشر بوابة كبرى لمعرفة الله.
إن العلوم على اختلاف صورها، سواء كانت شرعية أم تجريبية أم إنسانية، ليست في الحقيقة إلا كشفا عن سنن الله في خلقه، وإظهارا لقوانينه في كونه؛ فحين يدرس الطالب علوم الأحياء أو الفلك أو الفيزياء بنية إيمانية، فإنه لا يقرأ مجرد ظواهر مادية، بل يطالع صفحات من كتاب الله المنظور، فيزداد خشية ويقينا: {إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور} (فاطر: 28).
إن العقل البشري، على جلالة قدره وقوة مدركاته، يشبه السيف الصارم؛ فإن لم تحكمه يد التقوى وتوجهه بصيرة الإيمان، تحول إلى أداة هدم وتدمير، لا أداة رفعة وبناء. لذا كان غرس البعد الإيماني في المؤسسات التعليمية أساسا محوريا يمنح العقل البوصلة الأخلاقية التي تحميه من السقوط في مهوى النفعية المجردة أو الإلحاد والجمود.
إن التعليم الحقيقي هو الذي يربط «العمران المادي» ب«البعد الإيماني»؛ فعندما يتربى الطالب على أن العلم أمانة ومسؤولية يسأل عنها يوم القيامة، يصبح اندفاعه نحو الإتقان والابتكار مدفوعا بوازع داخلي نابع من مراقبة الله، لا بمجرد رغبة في نيل شهادة أو تحصيل وظيفة. إن العلم بلا إيمان قد ينتج مخترعا أو طبيبا أو مهندسا يمتلك المهارة، ولكنه يفتقد الضمير؛ أما العلم المقترن بالنور الإيماني فينتج عقولا نيرة، وأرواحا طاهرة تعمر الأرض بالخير والعدل والرحمة.
ختاما، إن أمتنا الإسلامية، وهي تسعى إلى بناء نهضتها، أحوج ما تكون إلى استعادة هذا المفهوم المتكامل للتعليم؛ تعليم يجمع بين جودة المعرفة وصفاء العقيدة، وبين قوة الفكر وزكاة الروح. إن استحضار البعد الإيماني في مناهجنا ومدارسنا وجامعاتنا ليس ترفا فكريا، بل هو شريان الحياة الذي يحيي العقول بعد جهلها، والأرواح بعد غفلتها، لينطلق الإنسان المسلم بعقل يتفكر، وروح تتعبد، ويد تبني وتعمر.
الكاتب عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض