كيف ينظم القانون دور مجلس الدفاع الوطني في قرارات الدفاع عن الدولة؟
في ظل ما تمثله العلاقات المصرية السعودية من أهمية استراتيجية وتاريخية، وما يجمع البلدين من روابط وثيقة ومصالح مشتركة، يبرز التعاون الدفاعي والأمني بين القاهرة والرياض باعتباره أحد الركائز الأساسية للحفاظ على أمن المنطقة واستقرارها.
وتستند هذه العلاقات إلى قناعة راسخة بأن أمن الدول العربية يرتبط ارتباطًا وثيقًا، وأن حماية سيادة الدول وسلامة أراضيها تمثلان عنصرًا أساسيًا في مواجهة التحديات والتهديدات الإقليمية.
أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي موقف مصر الداعم للمملكة العربية السعودية، مشددًا على استعداد الدولة المصرية لاتخاذ ما يلزم من إجراءات لدعم أمن المملكة وصون سيادتها، وفقًا للأطر الدستورية والقانونية المنظمة لذلك.
وتأتي هذه التصريحات في إطار التأكيد على عمق العلاقات بين البلدين، وأهمية التنسيق المشترك في التعامل مع التطورات التي تمس الأمن القومي العربي.
وأكد الرئيس السيسي أن مصر تقف بقوة إلى جانب المملكة العربية السعودية لحماية أراضيها والدفاع عنها، قائلًا: «مصر مستعدة لتنفيذ أي إجراء تطلبه المملكة للدفاع عن أمنها وسيادتها».
وفي هذا الإطار، طُرحت مسألة دعوة مجلس النواب إلى عقد جلسة طارئة للنظر في تفويض القوات المسلحة باتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن المملكة، وهو ما يسلط الضوء على الأطر الدستورية والقانونية المنظمة لمشاركة القوات المسلحة المصرية في المهام القتالية خارج حدود الدولة، ودور المؤسسات الوطنية المختصة في اتخاذ مثل هذه القرارات.
الاختصاصات الدستورية لرئيس الجمهورية
حدد الدستور المصري الضوابط المنظمة لإرسال القوات المسلحة في مهام قتالية خارج البلاد، إذ لا ينفرد رئيس الجمهورية باتخاذ هذا القرار، وإنما يخضع لإجراءات دستورية تتضمن موافقة مجلس الدفاع الوطني وموافقة مجلس النواب، وفقًا للأحكام الدستورية ذات الصلة.
ويأتي هذا التنظيم في إطار تحقيق التوازن بين صلاحيات رئيس الجمهورية بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، وبين دور المؤسسات الدستورية في القرارات المتعلقة بالحرب والمهام القتالية خارج حدود الدولة، نظرًا لما يترتب عليها من مسؤوليات وتداعيات تتصل بالأمن القومي المصري.
تشكيل مجلس الدفاع الوطني
صدر قرار جمهوري بقانون رقم 21 لسنة 2014، في عهد الرئيس السابق المستشار عدلي منصور، بتاريخ 27 فبراير 2014، لتنظيم مجلس الدفاع الوطني وتحديد تشكيله واختصاصاته وآليات عمله.
ونصت المادة الأولى من القانون على تشكيل المجلس برئاسة رئيس الجمهورية، وعضوية كل من رئيس مجلس الوزراء، ورئيس مجلس النواب، ووزراء الدفاع والخارجية والمالية والداخلية، ورئيسي المخابرات العامة وهيئة أركان حرب القوات المسلحة، وقادة القوات البحرية والجوية والدفاع الجوي، ورئيس هيئة عمليات القوات المسلحة، ومدير إدارة المخابرات الحربية والاستطلاع.
ويضم المجلس بذلك عددًا من كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين، بما يتيح مناقشة القضايا المرتبطة بالدفاع عن الدولة والأمن القومي من مختلف جوانبها السياسية والعسكرية والاقتصادية.
آليات انعقاد مجلس الدفاع الوطني واتخاذ قراراته
حددت المادة الثانية من القانون آليات انعقاد المجلس، حيث نصت على أن يدعو رئيس الجمهورية المجلس إلى الانعقاد مرة كل ثلاثة أشهر، وكلما دعت الضرورة إلى ذلك، مع تحديد مكان الاجتماع في الدعوة.
كما اشترطت المادة لصحة انعقاد المجلس حضور 12 عضوًا على الأقل، ونصت على اعتبار المجلس منعقدًا بصفة مستمرة في حالة قيام الحرب أو إعلان التعبئة العامة.
وأكد القانون سرية مداولات المجلس، على أن تصدر قراراته بأغلبية أصوات الأعضاء الحاضرين، وفي حالة تساوي الأصوات يُرجح الجانب الذي منه الرئيس.
وتنص المادة الثالثة على أحقية رئيس الجمهورية في دعوة من يراه من المختصين والخبراء لحضور اجتماعات المجلس، دون أن يكون لهم صوت معدود عند اتخاذ القرارات.
اختصاصات مجلس الدفاع الوطني
تحدد المادة الرابعة من القانون، مع عدم الإخلال بالاختصاصات الأخرى التي يقررها القانون، مجموعة من المهام الأساسية لمجلس الدفاع الوطني، تتعلق بتأمين البلاد والحفاظ على سلامتها، ووضع الأطر السياسية والعسكرية اللازمة لمواجهة التحديات التي تهدد أمن الدولة.
وتشمل أبرز اختصاصات المجلس:
- النظر في الشؤون المتعلقة بوسائل تأمين البلاد وسلامتها.
- تحديد الهدف السياسي العسكري وإقرار وثيقة السياسة العسكرية، وتنسيقها مع السياسات التخصصية الأخرى، ولا سيما السياسة الخارجية.
- إصدار التوجيه السياسي العسكري.
- دراسة مسائل الدفاع عن الدولة وتقييم حالة الاستعداد القتالي للقوات المسلحة بما يحقق الأهداف السياسية للدولة.
- تنسيق جهود الأجهزة الحكومية والسياسية لدعم الدفاع عن الدولة.
- دراسة آليات توفير المواد الخام والأغذية اللازمة لضمان الإمداد المستمر للقوات المسلحة.
- تحديد شكل الحماية المدنية وتكوينها، ودراسة الإجراءات اللازمة لإعداد الدولة والشعب للدفاع ضد العدوان.
- دراسة وإعداد مشروعات المعاهدات والاتفاقيات المتعلقة بالشؤون العسكرية والأمن القومي.
- بحث التدابير الرامية إلى تعزيز التعاون العسكري بين الدول العربية.
- مناقشة موازنة القوات المسلحة وفقًا للأحكام القانونية المنظمة لذلك.
كما تنص المادة ذاتها على ضرورة أخذ رأي المجلس في مشروعات القوانين المتعلقة بالقوات المسلحة، وكذلك في إعلان الحرب أو إرسال القوات المسلحة في مهمة قتالية خارج حدود الدولة.
وفي حالة عدم وجود مجلس النواب، يشترط القانون موافقة مجلس الدفاع الوطني على إعلان الحرب أو إرسال القوات المسلحة في مهمة قتالية خارج حدود الدولة، وذلك وفقًا للضوابط القانونية والدستورية المنظمة لهذه الحالات.
موازنة القوات المسلحة ودور مجلس الدفاع الوطني
نصت المادة الخامسة من القانون على أن تكون للقوات المسلحة موازنة مستقلة تُدرج رقمًا واحدًا في الموازنة العامة للدولة.
وعند مناقشة المجلس موازنة القوات المسلحة، ينضم إليه رئيس هيئة الشؤون المالية للقوات المسلحة، ورئيسا لجنتي الخطة والموازنة والدفاع والأمن القومي بمجلس النواب، ويكون لهم صوت معدود في هذه المناقشات.
ويعكس هذا التنظيم خصوصية الملفات المالية المرتبطة بالقوات المسلحة، مع إتاحة مشاركة الجهات المختصة في مناقشة الموازنة وفقًا لما حدده القانون.
الأمانة العامة لمجلس الدفاع الوطني
نظمت المادة السادسة من القانون إنشاء أمانة عامة لمجلس الدفاع الوطني، برئاسة أمين عام، وعضوية عدد كافٍ من ضباط القوات المسلحة أو غيرهم، على أن تُحدد اختصاصاتها ووظائفها ونظام العمل بها بقرار من رئيس الجمهورية، بناءً على عرض وزير الدفاع.
وتنص المادة السابعة على حضور الأمين العام اجتماعات المجلس وتوليه أمانة السر، دون أن يكون له صوت معدود في التصويت على القرارات. كما تخوله الاتصال بالمؤسسات الدستورية وأجهزة الدولة التنفيذية وغيرها من الجهات فيما يتعلق بأعمال المجلس.
أما المادة الثامنة، فقد نصت على توقيع محاضر المجلس وقراراته من رئيس المجلس وأمين السر، وإرسال القرارات إلى الجهات المختصة لتنفيذها.
وألغت المادة التاسعة القانون رقم 86 لسنة 1968، إلى جانب أي نص آخر يخالف أحكام القانون الجديد.
قرار جمهوري لتنظيم الأمانة العامة للمجلس
في 17 يوليو 2014، أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قرارًا جمهوريًا بشأن تنظيم الأمانة العامة لمجلس الدفاع الوطني، متضمنًا تشكيلها برئاسة الأمين العام وعضوية عدد كافٍ من الأعضاء، على أن يكون مقرها وزارة الدفاع.
وحدد القرار مجموعة من المهام التنظيمية والإدارية للأمانة العامة، في مقدمتها إعداد مشروع جدول أعمال اجتماعات المجلس، وتحضير الموضوعات المقرر عرضها، وتلقي التقارير المقدمة من الوزراء وقادة القوات المسلحة والمسؤولين المختصين بالدولة.
كما تتولى الأمانة إعداد الدراسات والبحوث والوثائق والمستندات اللازمة لعمل المجلس، واتخاذ الإجراءات الخاصة بالدعوة إلى جلساته العادية وغير العادية، والقيام بأعمال السكرتارية، ومتابعة تنفيذ القرارات الصادرة عنه بالتنسيق مع الجهات المختصة.
وتشمل مهام الأمانة أيضًا حفظ وثائق المجلس ومحاضر جلساته واتخاذ الإجراءات اللازمة لتأمينها، إلى جانب إعداد تقرير نصف سنوي في شهري يناير ويوليو من كل عام، وتقرير سنوي يتضمن بيانًا بالموضوعات والمسائل التي نظرها المجلس، على أن يُعرض التقرير على رئيس المجلس.
تعيين الأمين العام وأعضاء الأمانة العامة
نظم القرار الجمهوري آليات تعيين الأمين العام للمجلس وتحديد معاملته المالية، حيث يصدر قرار تعيينه من رئيس الجمهورية بناءً على ترشيح وزير الدفاع.
كما نص على تعيين أعضاء الأمانة العامة من ضباط القوات المسلحة وغيرهم من الجهات المختصة بالدولة، بقرار من وزير الدفاع، مع اشتراط ألا تقل درجة أي منهم عن الدرجة الممتازة أو ما يعادلها.
وأجاز القرار إلحاق عدد كافٍ من ضباط وأفراد القوات المسلحة بالأمانة العامة لمعاونتها في أداء مهامها، على أن يتولى وزير الدفاع اختيارهم.
ويتولى الأمين العام أمانة سر المجلس، وله حضور جلساته دون أن يكون له صوت معدود، وفي حالة غيابه يحل محله أحد أعضاء الأمانة العامة ممن يكلفه رئيس المجلس بذلك.
تنظيم جدول الأعمال وصلاحيات الأمين العام
وفقًا للقرار، يتولى الأمين العام إعداد جدول أعمال المجلس بناءً على طلب رئيسه، على أن يُرسل الجدول إلى أعضاء المجلس قبل موعد انعقاد الجلسة بيومين على الأقل.
كما تُوقع محاضر الاجتماعات والقرارات من رئيس المجلس وأمين السر، وتُرسل القرارات إلى الجهات المختصة بالتنفيذ، بما يضمن توثيق الإجراءات ومتابعة تنفيذ ما يصدر عن المجلس من قرارات.
ومنح القرار الأمين العام صلاحيات إدارية ومالية تتعلق بشؤون الأمانة العامة وأعضائها والعاملين بها، إلى جانب تمثيلها أمام القضاء وفي علاقتها بالغير، وفقًا لما ورد في أحكام القرار.
كما خوله الاتصال بالمؤسسات الدستورية وأجهزة الدولة التنفيذية وسائر الجهات في كل ما يتعلق بأعمال المجلس، وطلب المستندات والوثائق اللازمة لأداء مهامه.
يتضح من الإطار القانوني المنظم لمجلس الدفاع الوطني أن المجلس يمثل إحدى المؤسسات المحورية في دراسة القضايا المرتبطة بالدفاع عن الدولة والأمن القومي، من خلال الجمع بين الاعتبارات السياسية والعسكرية والاقتصادية، وتنسيق الجهود الحكومية اللازمة للتعامل مع التحديات المختلفة.
كما يبرز دوره في إبداء الرأي في القرارات المصيرية المتعلقة بإعلان الحرب أو إرسال القوات المسلحة في مهام قتالية خارج الحدود، بالتكامل مع الاختصاصات الدستورية لمجلس النواب ورئيس الجمهورية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض
