رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

الراوى

 

 

«ليست كل الحكايات للتسلية.. بعضها مرآة، نرى فيها ما لا نحب أن نراه».

ثمة كذبة صغيرة يختلقها الإنسان لينجو من مواجهة الحقيقة، ثم يكبر معها حتى تصبح جدارًا يفصله عن نفسه قبل أن يفصله عن الآخرين. يبدأ الأمر بتبرير عابر، أو خطأ يرفض الاعتراف به، أو إساءة يلتمس لها ألف عذر، ثم تتوالى الحكايات فى رأسه، حتى ينسج من الوهم حقيقة بديلة، ويعيش داخلها مطمئنًا، لا يؤرقه ضمير، ولا توقظه مرآة. وهنا تبدأ الحكاية الأكثر خطورة؛ حين لا يعود الإنسان كاذبًا فحسب، بل يصبح مؤمنًا بكذبته!

أخطر الناس ليسوا أولئك الذين يعرفون أنهم يكذبون، بل الذين فقدوا القدرة على التمييز بين الحقيقة وما اخترعوه لأنفسهم، فالكاذب الذى يعرف كذبته يدرك، فى أعماقه، أنه يراوغ، أما الذى صدّقها فقد منح نفسه صك البراءة، وصار قادرًا على إيذاء الآخرين وهو مقتنع بأنه يدافع عن حقه، وعلى ظلم من حوله وهو يتوهم أنه ضحية ظلمهم.

تأملوا بعض العلاقات التى انتهت بخصومة، أو صداقة أفسدتها المصالح، أو عشرة فرّقتها الأنانية. نادرًا ما يروى كل طرف الحكاية كما حدثت؛ فكلٌّ ينتقى من الوقائع ما يبرئ ساحته، ويحذف ما يدينه، ويمنح نفسه دور المظلوم، بينما يوزع أدوار الشر على الآخرين. ومع مرور الوقت، لا يتذكر ما فعله، بل يتذكر الرواية التى صنعها عن نفسه، حتى يصبح مقتنعًا بأنه لم يخطئ يومًا، وأن العالم كله تآمر على براءته.

والمؤلم أن بعض الناس لا يكتفون بتصديق أكاذيبهم، بل ينتظرون من الآخرين أن يصدقوها أيضًا. يريدون من أساؤوا إليهم أن يعتذروا، ومن خذلوهم أن يبرروا، ومن كشفوا حقيقتهم أن يصمتوا، وكأن المشكلة ليست فى أفعالهم، وإنما فى عيون الآخرين التى رأت ما أرادوا إخفاءه. إنهم لا يبحثون عن الحقيقة، بل عن شهود زور يمنحون أوهامهم شرعية اجتماعية.

وفى حياتنا اليومية، قد تجد من يتحدث عن الوفاء وهو أول من يبيع العِشرة، ومن يرفع شعارات النزاهة بينما يلتف على أبسط حقوق الآخرين، ومن ينصّب نفسه قاضيًا على أخطاء الناس، لكنه يعدّ أخطاءه ظروفًا استثنائية لا يجوز محاسبته عليها، ومن يتعمد تشويه الآخرين انتقاما لفضح أمره. والمفارقة أن بعض هؤلاء لا يشعرون بالتناقض أصلًا؛ فقد أقنعوا أنفسهم طويلًا بأن الفضيلة صفة يمتلكونها، لا سلوكًا ينبغى أن يلتزموا به.

لكن الحقيقة، مهما طال غيابها، لا تموت؛ قد تتوارى خلف المجاملات، أو تتأخر بفعل المصالح، أو يعجز البعض عن إعلانها، لكنها تظل كامنة فى التفاصيل، تنتظر لحظة انكشاف لا تنفع معها البلاغة، ولا تشفع فيها الدموع، ولا ينقذ صاحبها تاريخ طويل من الادعاءات.

وليس العيب أن يخطئ الإنسان؛ فالخطأ جزء من طبيعته، وإنما العيب أن يحوّل خطأه إلى بطولة، وأن يجعل الاعتراف به هزيمة، وأن يقضى عمره كله فى ترميم صورته أمام الناس، دون أن يحاول إصلاح حقيقته أمام نفسه. فالشجاعة ليست أن تنتصر فى كل رواية ترويها، بل أن تملك القدرة على قول: أخطأت، وأن تتحمل مسئولية ما فعلت.

وفى النهاية، قد تنجح فى خداع الناس لبعض الوقت، وقد تنجح فى خداع بعضهم طوال العمر، لكن المأساة الحقيقية أن تنجح فى خداع نفسك حتى تموت وأنت تدافع عن إنسان لم تكنه يومًا.

فالإنسان الذى يعرف أنه كذب، قد يعود إلى الحقيقة يومًا؛ أما الذى صدّق كذبته، فقد لا يرى الحقيقة حتى وهو واقف أمامها.

[email protected]