تلقي الحرب الأهلية والأزمات الداخلية المتصاعدة في إثيوبيا، لا سيما النزاعات الممتدة في إقليمي تيغراي وأمهرة والمواجهات الاستنزافية في أوروميا، بظلال ثقيلة على الاستقرار الإقليمي برمتها. وفي قلب هذه الرمال المتحركة يقبع ملف سد النهضة الإثيوبي، ليشكل نقطة التقاء معقدة بين طموحات أديس أبابا التوسعية والأمن المائي الحيوي لدولتي المصب، مصر والسودان. إن قراءة المشهد بعمق تكشف أن الاضطرابات الداخلية في دولة المنبع لا تلغي خطورة المشروع، بل تُعيد تشكيل معادلة الأزمة برمتها وتفرض على صانع القرار في القاهرة والخرطوم إعادة حساب التكاليف والمكاسب وفق منظور استراتيجي طويل الأمد. وخروج أقاليم كاملة عن سيطرة المركز يضعف الموقف التفاوضي لأديس أبابا على الساحة الدولية.
فالاتفاقات التنموية والتاريخية لإثيوبيا مع كل من مصر والسودان تحتاج إلى نظام سياسي مستقر يمتلك الإرادة والقدرة على تنمية التزاماته الدولية. ويدفع السلطة الحاكمة إلى استخدام ملف السد كأداة حشد وتعبئة لتحويل الأنظار عن الأزمات المحلية والإخفاقات الاقتصادية. ولا يقل عن ذلك خطورةُ المشاكل الفنية والأمنية، إذ يُخشى من تراجع معايير الصيانة والتشغيل الآمن للسد في بيئة مضطربة أمنياً، مما يشكل تهديداً كبيراً على السدود السودانية المجاورة وعلى سلامة أراضي دولتي المصب في حالات الفيضانات أو الحوادث التشغيلية المفاجئة.
وفيما يتعلق بالحسابات الاستراتيجية لمصر حول التعاطي مع الأزمة الإثيوبية الداخلية، فإن الخيار الخاطئ القائل بإذكاء النزاعات وتغذية الحروب الأهلية يحمل في طياته أضراراً استراتيجية كارثية تتجاوز أي نفع مؤقت. إن تفكك الدولة الإثيوبية أو دخولها في حالة الفوضى الشاملة سيفضي إلى انهيار المنظومة الأمنية في منطقة القرن الأفريقي برمتها، وينتج عن ذلك موجات هائلة من اللاجئين والنزوح الجماعي، وانشطار الممرات المائية وتفشي النشاطات الإرهابية والجريمة المنظمة التي ستمتد آثارها مباشرة إلى الحدود السودانية ومنها إلى الأمن القومي المصري. إن النهج العقلاني لمصر يسعى بدلاً من ذلك إلى استمرارالتحرك السياسى لفرض المعايير الدولية للتفعيل الاتفاقات المائية، مع الاحتفاظ بجميع الخيارات السلمية والعسكرية لحماية الحصص التاريخية والحفاظ على شريان الحياة دون السقوط في فخ المطبات الأمنية الإقليمية.
إن الشواهد والأحداث التاريخية عبر القرون تمدنا بأدلة قاطعة على أن عدم استقرار دول منابع الأنهار لا يضمن حماية حقوق دول المصب بقدر ما ينشر التهديدات العابرة للحدود. يظهر ذلك بوضوح في تجربة انهيار الدولة الوطنية في الصومال عقب حرب أوجادين وأزمات السبعينيات والثمانينيات، حيث أدى تفكك مؤسسات الدولة إلى تحول المنطقة إلى بؤرة للصراعات والقرصنة وتمدد التنظيمات المتطرفة التي هددت أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية وقناة السويس. وبالمثل، يخبرنا التاريخ المصري القديم والحديث بأن استقرار أقاليم حوض النيل والتعاون القانوني والتنموي المنظم هما الضمانة الوحيدة لحماية التدفقات المائية واستدامتها، بينما تخلق الحروب الأهلية حالة من عدم التنبؤ والسيولة الأمنية التي تزيد منسوب المخاطر وتصعب من إدارة الأزمات المائية الطارئة.
ومع ذلك ، فإن الوقوف في خانة المتفرج الصامت تجاه مجريات النزاع الداخلي في إثيوبيا ليس خياراً استراتيجياً مكفولاً لمصر، فالصمت يعني ترك الفراغ لجهات وقوى أخرى للتحكم في مقدرات الإقليم وشريان الحياة المائي. واجب القاهرة لا يكمن في الوقوف السلبي ولا في الاندفاع العشوائي، بل في الحركة النشطة والمحسوبة نحو هدف محدد يرتكز على فرض العدالة المائية، واستعادة التوازن في حوض النيل والقرن الأفريقي، ومنع الاستفراد الإثيوبي بالنهر تحت مظلة أي نظام سياسي قائم أو قادم.
يتحقق هذا التحرك من خلال مسارات استراتيجية تتكامل فيها الدبلوماسية مع بناء التحالفات الاقليمية. تفرض الضرورة الأمنية على مصر بناء حزام استراتيجي متين عبر تعزيز شراكاتها الأجهزة والأمنية والاقتصادية مع دول الجوار الإثيوبي، لا سيما السودان والصومال وجيبوتي وجنوب السودان ودول الحوض الأخرى. تهدف هذه التحركات إلى تحويط المناورات الأحادية لأديس أبابا، وجعل تكلفة أي خطوة منفردة تمس التدفقات المائية باهظة جداً على الصعيدين الإقليمي والدولي. بالتوازي مع ذلك، يتوجب على الدولة المصرية بناء خطوط اتصال ووساطة متوازنة ومستمرة مع كافة القوى الإقليمية والمكونات الإثيوبية المؤثرة في معادلة المستقبل، لضمان ألا تذهب التغييرات السياسية المرتقبة داخل إثيوبيا بأي تفاهمات هيدرولوجية مُفترضة، وتثبيت حقيقة أن حقوق مصر والسودان المائية خط أحمر لا ينبغي الاستهانة به في أروقة النزاع على السلطة في أديس أبابا.
أما فيما يتصل بإمكانية اللجوء إلى الخيار العسكري وتوجيه ضربة مباشرة إلى جسم السد ، فإن الحسابات المعقدة تجعله خياراً محفوفاً بالمخاطر الاستراتيجية الكبيرة ومزدوج الأثر. تتجلى خطورة هذا الخيار في الواقع الهيدرولوجي الفعلي ، إذ إن اكتمال مراحل الملء وتخزين مليارات المترات المكعبة من المياه خلف خرسانة السد يجعل أي عمل عسكري يستهدف السد بمثابة قنبلة مائية مدمرة ستكتسح في طريقها القرى والمدن السودانية والبنية التحتية للسدود المجاورة على طول النيل الأزرق قبل أن تصل إلى السد العالي، مما يجعله خطراً على دول المصب نفسها.
إضافة إلى ذلك، فإن الإقدام على عمل عسكري في ظل حالة الحرب الأهلية القائمة داخل إثيوبيا قد يُقدم للحكومة الفيدرالية هناك هدية استراتيجية مجانية تتمثل في «عدو خارجي مشترك»، مما قد يساهم في توحيد المكونات الإثيوبية المتصارعة وإنهاء نزاعاتها الداخلية تحت راية الدفاع عن التهديد الخارجي وتوجيه طاقاتها العسكرية نحو المواجهة الإقليمية. يضاف إلى ذلك العبء السياسي والدولي، إذ سينقل مصر من موقع الدولة الملتزمة بالقانون الدولي المدافعة عن أمنها المائي التاريخي إلى موقف الدولة المعتدية في نظر القوى الكبرى والمنظمات الدولية، مما يفتح الباب أمام عقوبات وضغوط اقتصادية وسياسية متراكمة.
في المقابل، تبقى للبديل العسكري ضرورته القائمة ولكن بمفهوم "الردع الاستراتيجي المباشر والمهدد" وليس التدمير العشوائي للمنشآت المائية. إن الحفاظ على جاهزية القوات الجوية والأنظمة الصاروخية والترتيبات اللوجستية المتقدمة بالتعاون مع الحلفاء الإقليميين يؤدي دوراً جوهرياً في ردع أديس أبابا عن استخدام السد كأداة عطش أو ابتزاز سياسي، ويمنعها من الإقدام على خطوة اقتطاع حصص المصب المائية أثناء فترات الجفاف الممتد. يُعد الخيار العسكري بمثابة مظلة أمان صلبة تحمي التحركات الدبلوماسية والاستخباراتية والمناورات السياسية، ليبقى ورقة استراتيجية أخيرة يُلجأ إليها فقط لحماية شريان الوجود المصري عند حدوث التهديد المباشر والشامل لاستمرارية تدفق المياه.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض