"لفت نظر
ليست القضية أن يبقى الدستور كما هو، ولا أن يغلق باب الجدل حول مدد الرئاسة
القضية الحقيقية هي ماذاستفعل مصر بما تبقى من سنوات الولاية الحاليةللرئيس السيسى ؟ وهل تتحول هذه السنوات إلى فرصة لإعادة بناء الحياة السياسية، وتصحيح العلاقة بين الدولة والمجتمع، وترسيخ قواعد تضمن أن يكون المستقبل محكوما بالدستور والمؤسسات، لا بالاستثناءات والظروف الطارئة؟
حين يؤكد الرئيس عبد الفتاح السيسي عدم تعديل الدستور، بهذا الحسم والوضوح والقوة فإن الرسالة الأهم لا ينبغي أن تتوقف عند حسم الجدل حول البقاء في السلطة، بل يجب أن تمتد إلى سؤال أكبر: ما الذي يمكن أن تقدمه الدولة للمصريين سياسيا خلال السنوات المتبقية حتى عام 2030؟
إن الالتزام بالدستور ليس نهاية النقاش، بل بدايته. فالدستور لا يكتسب قيمته من نصوصه وحدها، وإنما من احترامها وتطبيقها، ومن قدرة المؤسسات التي ينظم عملها على أداء أدوارها كاملة، ومن شعور المواطن بأن صوته له قيمة، وأن القانون يسري على الجميع، وأن المشاركة السياسية ليست مجرد إجراءوقتى مرتبط بالانتخابات
ولعل أهم ما تحتاج إليه مصر الآن هو الانتقال من سؤال تعديل الدستور إلى سؤال إصلاح السياسة..من الجدل حول مدد الحكم إلى بناء حياة حزبية وبرلمانية قادرة على إنتاج البدائل، ومن الاكتفاء باستقرار المؤسسات إلى تعزيز فاعليتها ورقابتها ومساءلتها.
لا يمكن الحديث عن إصلاح سياسي جاد من دون الاعتراف بأن وجود عشرات الأحزاب لا يعني بالضرورة وجود تعددية حقيقية. فالحياة الحزبية لا تقاس بعدد اللافتات والمقار، بل بقدرة الأحزاب على الوصول إلى المواطنين وطرح برامج مختلفة، وإعداد كوادر قادرة على خوض الانتخابات وتولي المسؤولية.
وتحتاج مصر إلى فتح المجال أمام منافسة سياسية أكثر حيوية، تتوافر فيها ضمانات تكافؤ الفرص، ويكون فيها الاختلاف في الرأي جزءا طبيعيا من العمل الوطني. فالمعارضة السلمية ليست خصما للدولة، كما أن النقد المسؤول ليس انتقاصا من مؤسساتها بل يمكن أن يكون وسيلة لاكتشاف الأخطاء والعلاج وتصحيح المسار قبل أن تتفاقم تكلفتها..ولا يكفي أن تدعو الدولة الأحزاب إلى المشاركة، بل ينبغي أن تتوافر لها بيئة قانونية وسياسية تسمح لها بممارسة دورها، وأن تمتلك الأحزاب نفسها الإرادة والقدرة على التحول من كيانات انتخابية محدودة النشاط إلى مؤسسات جماهيرية حقيقية
قوة البرلمان لاتقاس بالقوانين التي يوافق عليها، وإنما بقدرته على مناقشتها وتطويرها، ومراجعة السياسات العامة، ومراقبة الإنفاق، ومساءلة الوزراء عن نتائج أعمالهم.
فالحكومة التي تعمل تحت رقابة برلمانية فعالة لا تصبح أضعف، بل تكون أكثر قدرة على تصحيح أخطائها وتفسير قراراتها للرأي العام. والبرلمان الذي يتيح مساحة حقيقية للاختلاف لا يهدد استقرار الدولة، وإنما يمنحها فرصة لسماع أصوات متنوعة قبل اتخاذ القرارات المصيرية.
ومن هنا، فإن المطلوب هو تفعيل أدوات الرقابة البرلمانية، وتوسيع النقاش حول الموازنة العامة، وإخضاع نتائج المشروعات الكبرى للتقييم، وربط الوعود الحكومية بمؤشرات واضحة يمكن للمواطن أن يحكم من خلالها على الأداء.
إن المواطن الذي يواجه أعباء اقتصادية متزايدة لا يريد خطابا سياسيا منفصلا عن حياته اليومية؛ يريد أن يعرف لماذا اتخذ القرار، وما تكلفته، ومن المسؤول عن نتائجه، وما البدائل المتاحة لتخفيف أعبائه.
ومن الصعب بناء ثقة عامة مستقرة إذا شعر المواطن بأن مساحة التعبير عن رأيه محدودة، أو أن النقد قد يعامل باعتباره خصومة، أو أن المعلومات الموثوقة لا تصل إليه بالقدر الكافي.
وتحتاج المرحلة المقبلة إلى تعزيز الضمانات القانونية لحرية الصحافة والتعبير والعمل المدني، وتوسيع إتاحة المعلومات، ومراجعة التشريعات والممارسات التي تثير مخاوف بشأن ممارسة الحقوق السياسية والمدنية.
ولا يعني ذلك إغفال التحديات الأمنية أو التساهل مع التحريض على العنف أو مخالفة القانون؛ وإنما يعني وضع حدود واضحة وعادلة بين حماية الدولة وبين ضمان الحقوق، بحيث لا تختلط المعارضة السلمية بالفوضى، ولا يتحول الحفاظ على الاستقرار إلى سبب دائم لتأجيل الإصلاح.
فالدولة الواثقة من مؤسساتها لا تخشى النقد المنضبط، والإعلام المهني لا يكتفي بنقل البيانات الرسمية، بل يختبر المعلومات، ويطرح الأسئلة، ويمنح الرأي العام حق المعرفة
وإذا كان الاتجاه هو الالتزام بالدستور القائم، فإن السنوات المتبقية حتى عام 2030 تتيح فرصة لترسيخ قواعد واضحة للمستقبل، وإعداد حياة سياسية للتعامل مع الاستحقاقات المقبلة باعتبارها جزءا طبيعيا من عمل الدولة.
ولا يتعلق الأمر بالتنبؤ بمن سيتولى المسؤولية بعد انتهاء الولاية الحالية، ولا باستباق اختيار المواطنين، وإنما بضمان أن تكون قواعد المنافسة واضحة، وأن تتوافر فرص عادلة للمرشحين، وأن تؤدي المؤسسات المعنية بالانتخابات اختصاصاتها وفق القانون، وأن يظل احترام المدد الدستورية قاعدة مستقرة لا تتغير بتغير الأشخاص.
إن قوة الدولة لا تقاس بقدرتها على تجنب الحديث عن المستقبل، بل بقدرتها على تنظيمه. وكلما كانت القواعد واضحة، والمؤسسات مستقرة، والمنافسة منضبطة وعادلة، ازدادت فرص استمرار الدولة بعيدا عن الاضطراب والصراعات.
لا يمكن فصل السياسة عن الاقتصاد، ولا يمكن مطالبة المواطنين بالصبر على الأعباء من دون أن يشعروا بأن القرارات تتخذ بشفافية، وأن المسؤولين يخضعون للمحاسبة، وأن أعباء الإصلاح موزعة بعدالة.
إن نشر المعلومات، وشرح القرارات، والإعلان عن نتائج الأداء الحكومي، ومحاسبة المقصرين، ليست تفاصيل إدارية؛ بل عناصر أساسية في بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
والحكومة التي تعترف بالخطأ وتصححه لا تفقد هيبتها، بل تقدم دليلا على أن مؤسساتها قادرة على التعلم والمراجعة. أما غياب المحاسبة، فيترك مساحة للشك، ويضاعف المسافة بين المواطن وصانع القرار.
ومن هنا، فإن الإصلاح السياسي ليس ملفا منفصلا عن معيشة الناس، بل هو أحد الشروط التي تساعد على تحسين إدارة الموارد العامة، وتقليل الهدر، ورفع كفاءة المؤسسات، وتصحيح السياسات الاقتصادية.
إن تأكيد عدم تعديل الدستور، إذا ترجم إلى التزام مؤسسي مستقر، يمكن أن يكون مدخلا لمرحلة جديدة من العمل السياسي، عنوانها احترام القواعد، وتوسيع المشاركة، وتفعيل الرقابة، وإعادة الاعتبار للأحزاب والإعلام والمجالس المنتخبة.
لكن قيمة هذا الالتزام لن تحسم بالتصريحات وحدها، بل بما سيترتب عليه من ممارسات وإجراءات ملموسة.
إن السنوات المتبقية حتى 2030 ليست مجرد فترة زمنية تنتهي بانتهاء ولاية رئاسية؛ إنها فرصة لاختبار قدرة الدولة على الانتقال من إدارة التحديات إلى بناء قواعد أكثر رسوخا للمستقبل.
والسؤال الذي يستحق أن يكون في صدارة النقاش الوطني اليوم ليس فقط: هل سيعدل الدستور؟ بل: ماذا ستفعل مصر بالدستور القائم؟ وكيف يمكن تحويل الالتزام به إلى حياة سياسية أكثر حيوية، وبرلمان أكثر فاعلية، وأحزاب أكثر قدرة على التعبير عن المواطنين، ودولة يزداد استقرارها كلما اتسعت مساحة الثقة والمشاركة والمساءلة؟
من هناتحديدا، يبدأ الإصلاح السياسي الحقيقي.
[email protected]
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض