الحرب الأمريكية الإيرانية تضاعف الضغوط على ترامب.. ومأزق يهدد حسابات واشنطن
في ظل تصاعد المواجهة الأمريكية الإيرانية وتزايد تداعياتها على الأوضاع الاقتصادية والسياسية، تواجه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحديات متشابكة تضعها أمام اختبارات صعبة على المستويين الداخلي والخارجي، مع استمرار الحرب وما تفرضه من أعباء اقتصادية، وتصاعد المخاوف بشأن انعكاساتها على أسعار الطاقة ومعدلات التضخم، فضلًا عن تراجع التأييد الشعبي للعمليات العسكرية.
وتأتي هذه التطورات في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة إلى الإدارة الأمريكية، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، التي تمثل محطة مهمة في تحديد موازين القوى داخل الكونجرس، وقدرة الحزب الجمهوري على الحفاظ على نفوذه السياسي، الأمر الذي يجعل استمرار الصراع عاملًا مؤثرًا في حسابات البيت الأبيض، ويزيد من صعوبة اتخاذ قرارات حاسمة بشأن مستقبل المواجهة مع طهران.
ولا تقتصر تداعيات الحرب على الخسائر المادية أو التطورات العسكرية في المنطقة، بل تمتد لتشمل الداخل الأمريكي، حيث تفرض الضغوط الاقتصادية وتزايد الاعتراضات الشعبية تحديات إضافية على الرئيس الأمريكي، في وقت تتزايد فيه التساؤلات بشأن الأهداف التي تسعى واشنطن إلى تحقيقها من استمرار العمليات العسكرية، ومدى قدرتها على فرض شروطها على إيران دون الانزلاق إلى مواجهة طويلة الأمد.
صورة القوة الأمريكية
وبين الضغوط الداخلية والرغبة في الحفاظ على صورة القوة الأمريكية، يجد ترامب نفسه أمام معادلة معقدة، تتطلب الموازنة بين الاعتبارات العسكرية والسياسية والاقتصادية، خاصة مع تنامي المخاوف من أن تتحول الحرب إلى عبء على الحزب الجمهوري في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
وفي المقابل، تسعى إيران إلى الاستفادة من طبيعة المواجهة لتعزيز أوراق الضغط التي تمتلكها، مستندة إلى قدراتها الصاروخية وبرامج الطائرات المسيرة وموقعها الاستراتيجي في منطقة الخليج، فضلًا عن الأهمية الحيوية لمضيق هرمز بالنسبة إلى حركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة.
وتمنح هذه العوامل طهران أدوات متعددة للتأثير في مسار الصراع، ليس فقط على المستوى العسكري، وإنما أيضًا على المستويين الاقتصادي والدبلوماسي، إذ يمكن للتطورات المرتبطة بحرية الملاحة أن تزيد من حجم الضغوط الدولية، وتدفع الأطراف المعنية إلى إعادة تقييم خياراتها بشأن استمرار الحرب أو الانتقال إلى مسار تفاوضي يحد من التصعيد.
كما يثير الملف النووي الإيراني مزيدًا من التساؤلات بشأن طبيعة المرحلة المقبلة، في ظل صعوبة تحديد الوضع الفعلي للبرنامج النووي مع غياب المعلومات الكافية عن أنشطته، وهو ما يزيد من تعقيد الحسابات الأمريكية ويجعل الوصول إلى تقييم دقيق لقدرات طهران أمرًا بالغ الصعوبة.
وفي ظل هذه المعطيات، لم تعد المواجهة محصورة في محاولة الحد من البرنامج النووي الإيراني، بل باتت تشمل ملفات استراتيجية أخرى، من بينها أمن الملاحة البحرية والقدرات الصاروخية والطائرات المسيرة، وهي ملفات تتداخل فيما بينها وتؤثر بصورة مباشرة في فرص التوصل إلى تسوية سياسية شاملة.
انتخابات التجديد النصفي الأمريكية
ومن جانبه، قال الدكتور إريك لوب، أستاذ العلوم السياسية، إن الحرب الأمريكية الإيرانية تسببت في ضغوط متزايدة على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في ظل تداعياتها الاقتصادية وتصاعد الرفض الشعبي لها، بالتزامن مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، وهو ما يضع الإدارة الأمريكية أمام خيارات صعبة للخروج من الصراع، في ظل صعوبة الاستمرار في العمليات العسكرية دون تحمل المزيد من التكاليف السياسية والاقتصادية.
وأوضح لوب، أن الحرب انعكست على الأوضاع الاقتصادية داخل الولايات المتحدة، مشيرًا إلى ارتفاع التضخم إلى أكثر من 3.7% خلال سبتمبر، فضلًا عن أن نحو 60% إلى 70% من الأمريكيين يرفضون الحرب، وفقًا لما ذكره.
وأضاف أن هذه المؤشرات تعكس حجم الضغوط التي تواجه الإدارة الأمريكية، خاصة مع ارتباط الأوضاع الاقتصادية بمستوى رضا الناخبين وتقييمهم لأداء الرئيس قبل انتخابات التجديد النصفي.
وأشار أستاذ العلوم السياسية إلى أن تداعيات الصراع انعكست كذلك على شعبية ترامب، التي قال إنها تراجعت إلى نحو 20%، لافتًا إلى أن بعض الجمهوريين بدأوا في الابتعاد عن سياساته، في ظل تزايد الانتقادات المرتبطة بالحرب وتداعياتها الداخلية. واعتبر أن استمرار هذا الاتجاه قد يزيد من صعوبة الموقف السياسي للرئيس الأمريكي، مع تزايد الحاجة إلى احتواء الغضب الشعبي وتقديم مبررات واضحة لاستمرار المواجهة.
سوء تقدير الموقف الإيراني
وأرجع لوب دخول ترامب في الحرب إلى ما وصفه بالمبالغة في تقدير الذات وسوء تقدير الموقف الإيراني، موضحًا أن الرئيس الأمريكي ربما اعتقد أنه يستطيع إخضاع طهران بالطريقة نفسها التي تعامل بها مع فنزويلا، دون إدراك كافٍ لقدرات الردع الإيرانية وأهمية المواقع الاستراتيجية التي تمتلكها. وأشار إلى أن اختلاف طبيعة الحالة الإيرانية وتعقيداتها الإقليمية والاستراتيجية يجعل التعامل معها أكثر صعوبة، في ظل امتلاك طهران أدوات متعددة يمكن توظيفها للرد على الضغوط العسكرية الأمريكية.
ولفت إلى وجود غموض وتناقض في الاستراتيجية الأمريكية، موضحًا أن ترامب يهدد إيران بتوجيه ضربة قاسية، بينما يتحدث في الوقت نفسه عن عدم مهاجمتها قبل الانتخابات، بالتزامن مع استمرار حشد القوات وحاملات الطائرات في المنطقة. ويرى لوب أن هذا التباين في التصريحات والتحركات يعكس تعقيد الحسابات الأمريكية، ويطرح تساؤلات بشأن الأهداف النهائية للحرب، وما إذا كانت واشنطن تسعى إلى تحقيق حسم عسكري أم تهيئة الظروف للانتقال إلى مفاوضات سياسية.
مضيق هرمز والصواريخ أدوات ضغط إيرانية
وفيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، قال لوب إنه يصعب تقييم وضعه بدقة منذ يونيو 2025، بسبب توقف عمليات التفتيش والمراقبة الدولية، مرجحًا استمرار مستوى من النشاط النووي. ويعكس غياب المعلومات الدقيقة، وفقًا لتقديره، صعوبة بناء تصور واضح بشأن التطورات المرتبطة بالبرنامج، وهو ما يزيد من التحديات التي تواجه صانعي القرار في الولايات المتحدة عند تحديد خياراتهم المقبلة تجاه طهران.
وأضاف أن مضيق هرمز وبرامج الصواريخ والطائرات المسيرة أصبحت أدوات ضغط إيرانية أكثر أهمية في المرحلة الحالية من الملف النووي نفسه، في ظل قدرة طهران على توظيف هذه الأوراق للتأثير في مسار الصراع والمفاوضات. وتبرز أهمية مضيق هرمز على وجه الخصوص من ارتباطه بحركة التجارة وإمدادات الطاقة العالمية، ما يجعل أي اضطراب في الملاحة عبره مصدر قلق يتجاوز حدود المنطقة، ويزيد من الضغوط الدولية الرامية إلى احتواء التصعيد.
شروط التفاوض تزيد مأزق ترامب
واعتبر لوب أن ترامب وضع نفسه في «زاوية ضيقة»، إذ تتسبب الحرب في ضغوط اقتصادية على الولايات المتحدة، بينما يتطلب المسار الدبلوماسي التعامل مع مطالب إيرانية، من بينها حل قضية مضيق هرمز أولًا، وهي شروط لا يبدو أن الرئيس الأمريكي مستعد لقبولها. وأوضح أن هذا الوضع يحد من الخيارات المتاحة أمام واشنطن، في ظل صعوبة تحقيق أهدافها المعلنة عسكريًا، وفي الوقت نفسه عدم استعدادها لتقديم تنازلات قد تمنح طهران مكاسب سياسية أو استراتيجية.
وأشار أستاذ العلوم السياسية إلى أن الإدارة الأمريكية تواجه مأزقًا سياسيًا واستراتيجيًا، مع صعوبة مواصلة الحرب دون تحمل المزيد من التداعيات، مقابل تعثر الوصول إلى تسوية دبلوماسية بشروط مقبولة للطرفين. ويضع هذا المشهد ترامب أمام اختبار بالغ الحساسية، يتمثل في تحديد المسار الذي يمكن أن يحقق المصالح الأمريكية ويحد من الخسائر الداخلية، دون أن يؤدي التراجع عن المواجهة إلى إضعاف موقف واشنطن أمام إيران.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو المرحلة المقبلة مرهونة بمدى قدرة الولايات المتحدة وإيران على تجاوز الخلافات القائمة والانتقال إلى تفاهمات تقلص احتمالات التصعيد، خاصة في الملفات المرتبطة بمضيق هرمز والبرنامج النووي والقدرات العسكرية الإيرانية. وبين الحسابات الانتخابية الأمريكية وأوراق الضغط التي تمتلكها طهران، يظل مستقبل الحرب مرتبطًا بتوازن دقيق بين الخيارات العسكرية والضغوط الاقتصادية ومتطلبات التفاوض، في وقت تواجه فيه إدارة ترامب تحديًا متزايدًا يتمثل في إنهاء الصراع دون تحمل تكلفة سياسية قد تنعكس على مستقبل الحزب الجمهوري داخل الولايات المتحدة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض