تأملات
إذا كانت الحرب الأمريكية ضد إيران فى مرحلة أشبه بالتوقف فى الوقت الحالي، وإذا كان جانب من هذا الوضع يعود إلى صمود إيران فى مواجهة الضربات الأمريكية، فإن الجانب الآخر يعود إلى ما هو عليه الطرف الأمريكى فيما يتعلق بامتلاك الذخائر. فقد كشفت الأنباء المختلفة عن تراجع كبير فى مخزون الذخائر الأمريكية، وهو ما أثر على الأهداف ورؤية القائمين على السياسة هناك بشأن مواصلة الحرب التى تبدو فى النهاية وكأنها بلا هدف واضح ومحدد يستحق كل هذه الخسائر الممثلة فى تكلفة الأسلحة فى الضربات الأمريكية ضد إيران ومدى الجاهزية من تلك الأسلحة. صحيح أن تراجع المخزون يعود، حسبما تدفق من أنباء، إلى مجموعة من العوامل العسكرية، وليست حرب إيران فقط إلا أن الأخيرة هى التى كشفت هذا النقص وربما تعد سببًا رئيسيًا فى هذا التطور.
ما يهمنا هنا هو الإشارة إلى دلالة هذا الأمر من وجهة نظرنا على الصورة النمطية بشأن القوة الأمريكية. تخيل قوة عالمية عظمى تكاد تنفرد بالهيمنة على النظام الدولي، إن لم تكن تنفرد بالفعل، تئن وتشكو من مجرد دخولها فى حرب مع دولة فى عرف القوة العسكرية ليست بالدولة المتفردة – على شاكلة أوكرانيا فى مواجهة روسيا مثلًا. خطورة هذا التطور، هو أنه أصبح أحد المحددات للتعاطى الأمريكى مع العالم بشكل يؤثر معه على توجهات البيت الأبيض بشأن إدارة الصراعات الحالية وإمكانيات خوض أى مواجهات مستقبلية.
ويتضح حجم المأزق من الحقائق التى تشير إليها الأنباء التى تسربت بشأن هذا العجز ، فمن ناحية فإن واشنطن ستصبح فى حال لا تحسد عليه حال احتمال اندلاع صراع آخر مع الصين أو روسيا أو كوريا الشمالية وهذا وارد وهو ما سيضعها أمام أزمة كبرى فى تلبية متطلبات الدخول فى مثل هذا الصراع. من ناحية ثانية فإن المشكلة لا تتعلق بإنتاج الذخائر وإنما بالوقت الذى يمكن إنتاجه فيها، حيث يستغرق ما بين عامين إلى أربعة أعوام وهو ما يعنى حسبما نشر من أخبار «أن الولايات المتحدة ستبقى خلال السنوات المقبلة أمام فترة من الهشاشة العسكرية إلى حين استعادة مخزونها وبناء قدرة انتاجية قادرة على تلبية متطلبات أى صراع واسع النطاق».
وسط كل ذلك وتأكيدًا لفكرة التخبط على مستوى الإدارة الأمريكية يتم تبادل الإتهامات بشأن أسباب الوصول إلى هذا الوضع المنكشف، رغم أن السبب واضح وهو كما كشف تقرير مركز الدراسات الإستراتيجية السيولة فى اللجوء إلى العمل العسكرى كوسيلة للتعامل مع القضايا السياسية، حيث خاضت الولايات المتحدة مجموعة من الحروب خلال الخمس سنوات الماضية أسهمت فى استنزاف المخزون سواء كان ذلك خلال إدارة الرئيس السابق بايدن أو ادارة ترامب خلال العمليات ضد الحوثيين أو فى المواجهات المرتبطة بالحرب بين إسرائيل وحماس ثم التصعيد مع إيران.
ورغم ذلك وفى إطار ما يبدو من ثار من قبل ترامب فى مواجهة بايدن فإن الأول يصر على أن ذلك الوضع إنما تم الوصول اليه بسبب سوء إدارة مواقف بايدن وقيامها بتزويد أوكرانيا بكميات كبيرة من الذخائر رغم أن مركز الدراسات الإستراتيجية يشير إلى أن ذلك ليس السبب الرئيسى فى الأزمة.
فى كل الأحوال يبدو هذا الجانب المتعلق بنقص الذخائر والمأزق الذى تجد الولايات المتحدة نفسها مواجهة به، مجرد مؤشر من بين مؤشرات عديدة على التداعى الذى يلحق بقوتها ليحولها فى النهاية إلى مجرد قوة من بين قوى عديدة وليست قوة عظمى وحيدة على رأس النظام الدولي.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض