الأنبا كاراس أسقف المحلة الكبرى.. رحل جسده وبقيت محبته أقوى من الغياب
تمر السنوات، وتبقى في ذاكرة الأقباط وجوه لا تستدعيها الأيام بوصفها أسماء عبرت، بل باعتبارها أشخاصًا تركزا في حياتهم أثرًا يصعب محوه، وفي حياة الكنيسة، لا تُقاس سنوات الخدمة بعدد الأيام التي عاشها صاحبها في موقع المسؤولية، وإنما تركه من محبة، وما زرعه من طمأنينة، وما بقى من كلماته في قلوب الذين عرفوه.
وفي ذكرى رحيل الأنبا كاراس أسقف المحلة الكبرى، تعود إلى الذاكرة سيرة راعي لم تمتد أسقفيته طويلًا، لكنها حملت ملامح سنوات من البذل والعمل الرعوي، انتهت برحيله في 13 أكتوبر 2021، بعد إصابته بفيروس كورونا، عن عمر ناهز الـ36 عامًا.
لم يكن رحيله مجرد غياب لأسقف عن إيبارشية تولى مسوؤليتها، بل كان لإنسان ارتبط اسمه بسنوات من الخدمة والمحبة، وترك في نفوس كثيرين ذكرى رجل اتسم بالبساطة والاتضاع، وجعل من الرعاية مسؤولية تتجاوز حدود المنصب إلى الاهتمام بالإنسان نفسه.
من حياة الرهبنة إلى مسؤولية الرعاية
ولد الأنبا كاراس في 10 ديسمبر 1958 بقرية الجزائر التابعة لمركز سمالوط بمحافظة المنيا، واتجه إلى الحياة الرهبانية في دير الأنبا صموئيل المعترف بجبل القلمون، قبل انتقاله إلى دير السيدة العذراء المحرق بأسيوط، حيث واصل مسيرته الرهبانية باسم الراهب سارافيم المحرقي.

ولم تكن سنوات الدير بعيدة عن الدراسة والتأمل، إذ حصل على بكالوريوس العلوم اللاهوتية ودرجة الماجستير في تاريخ الكنيسة من معهد الدراسات القبطية بالقاهرة، جامعًا بين الحياة الروحية والاهتمام بالمعرفة الكنسية.
وفي عام 1991، بدأت مرحلة جديدة في خدمته، حين تولى مسؤولية الوكيل العام لإيبارشية نقادة وقوص، وعمل إلى جوار الأنبا بيمن سنوات طويلة، امتدت حتى رسامته أسقفًا، وخلال تلك الفترة، اكتسب خبرة رعوية وإدارية مهدت له لتولي مسؤولية إيبارشية أخرى، بعد سنوات من العمل في تفاصيل الخدمنة اليومية واحتياجات أبنائها.
سنوات في المحلة..الرعاية قبل المنصب
في 16 نوفمبر 2013، رسمه قداسة البااب تواضروس الثاني بابا الإسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية،أسقفًا عامًا للمحلة الكبرى وتوابعها، لتبدأ مرحلة جديدة من حياته الكنسية، استمرت قرابة ثماني سنوات.
وفي صلوات، عبر البابا تواضروس عن خسارة الكنيسة أسقفًا راعيًا وخدامًا صالح لأنبا المسيح، وكانت الرعاية بحسب شهادة قداسة البابا، أبرز ملامح خدمته، فقد اهتم باحتياجات قطاعات مختلفىة من أبناء الإيبارشية، ولم تقتصر خدمته على التعليم والوعظ، بل امتدت إلى متابعة أحوال الناس، والتعامل مع المشكلات بروح هادئة،والسعي إلى الحفاظ على السلامك داخل المجتمع الكنسي.

وفي كلماته عن الأسقف الراحل،توقف البابا تواضروس عند صفات رآها جوهرية في خدمته، أبرزها الحب والاتضاع وصناعة السلام، وأشار إلى أن الانبا كاراس كان يهتم بالوصول إلى حلول للمشكلات التي تواجهه، واضعًا سلام الكنيسة والإيبارشية والرعية في مقدمة أولوياته.
ولم تنقطع صلته بإيبارشية نقادة وقوص بعد انتقاله إلى المحلة، فقد ظل يزورها ويشارك في خدمتها، محتفظًا بعلاقته بالمكان الذي قضى فيه سنوات طويلة من حياته، وكان هذا الارتباط شاهدًا على أن الانتقال إلى مسؤولية جديدة لم يكن يعنى التخلي عن علاقات صنعتها سنوات الرعاية والمحبة.
وإلى جانب مسؤوليته الرعوية، شارك في أعمال المجمع المقدس، وتولى مهام مرتبطة بلجنة العلاقات العامة ولجنة إدارة الأزمات، كما عرف باهتمامه بالقراءة والدراسة والوعظ، وكانت عظاته، وفق ما ورد في شهادة البابا عنه، تتناول موضوعات التوبة والاستعداد للحياة الأبدية والإيمان وخدمة الأخرين، بلغة بسيطة تصل إلى الإنسان العادي والقارئ المتخصص.
تجتمعت في مسيرته ثلاثة مسارات متكاملة، وتتمثل في حياة الراهب، وخبرة المسؤول عن العمل الكنسي، ومسؤولية الأسقف الذي يتابع شؤون رعيته ويحاولة أن يجعل من الخدمة مساحة للمحبة والسلام.

رحيل مبكر وذاكرة باقية
في أكتوبر 2021، توقفت هذه المسيرة على نحو لم يكن يتوقعه محبوه، فقد رحل الأنبا كاراس متأثرًا بإصابته بفيروس كورونا، بعد سنوات طويلة في الرهبنة وخدمة رعوية امتدت في المحلة إلى نحو ثماني سنوات.
وفي وداعه، عبر البابا تواضروس الثاني، عن تقديره لمسيرته مستعيدًا ما اتسمت به خدمته من حب واتضاع، وما تركته كلماته وعظاته من تأثير في نفوس أبنائه، ولم تكن تلك الكلمات مجرد تأبين لأسقف راحل، بل شهادة على قيمة الخدمة التي تتجاوز حدود المسؤولية الرسمية إلى ما تتركة من أثر في حياة الأخرين.
ومن هنا، تكتسب ذكرى الأنبا كاراس معناها الإنساني فالأشخاص الذين يتركون أثرًا حقيقًا لا يستدعون فقط في المناسبات السنوية، وإنما يعود حضورهم كلما تذكر أحدهم كلمة قالها، أو موقفًا جمعه بهم، أو معنى تعمله من سيرتهم.

امضى الانبا كاراس سنوات طويلة في الحياة الرهبانية، ثم انتقل إلى خدمه الإيبارشيات، حتى صار أسقفًا للمحلة الكبرى، وبين هذه المحطات لم تكن قيمة الرحلة في الرُتب الكنيسة التي شغلها وحدها، بل في طبيعة العلاقة التي سعى إلى بنائها مع الناس، وفي إصراره على أن تظل المحبة والاتضاع والسلام ملامح أساسية للعمل الرعوي.
وفي ذكرى رحيله، تبقى سيرة الأنبا كاراس تذكيرًا بأن الراعي لا يقاس حضوره فقط بالسنوات التي قضاها بين أبناء كنيسته، بل بما يتركه في قلوبهم بعد غيابه، فهناك من تنتهي مسؤولياتهم برحيلهم، وهناك من تظل معاني خدمتهم حاضرة في ذاكرة الناس، لأن المحبة التي عاشوا بها لا تنتهي بإنتهاء العمر، بل تظل تتجدد مع مرور التذكارات السنوية على رحيله.

تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض