خبير استراتيجي يوضح كيف تستفيد مصر من اتفاقياتها مع كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، واشتداد المنافسة على جذب الاستثمارات النوعية والتكنولوجيا المتقدمة، تتجه مصر إلى تعزيز شراكاتها الاقتصادية مع القوى الآسيوية، في إطار مساعٍ تستهدف تطوير القاعدة الإنتاجية، وتوسيع القدرات التصنيعية، وفتح أسواق جديدة أمام الصادرات المصرية.
ولم يعد التنافس الاقتصادي بين الدول يعتمد فقط على حجم رؤوس الأموال المتدفقة، بل أصبح يرتبط بمدى القدرة على توطين التكنولوجيا، ونقل المعرفة، وتطوير المهارات البشرية، ورفع كفاءة الإنتاج، بما يسمح بالاندماج بصورة أكثر فاعلية في سلاسل القيمة العالمية.
وتكتسب هذه التحركات أهمية خاصة في ضوء التحديات التي تواجه الاقتصادات الساعية إلى زيادة معدلات النمو وتعزيز مواردها من النقد الأجنبي، إذ يمثل الانتقال من الاعتماد على استيراد المنتجات مرتفعة القيمة المضافة إلى تصنيعها محليًا أحد المسارات المهمة لتحسين الميزان التجاري، وتوفير فرص العمل، وزيادة قدرة الصناعة الوطنية على المنافسة. كما أن تنويع الشراكات الاقتصادية يتيح فرصًا أوسع للاستفادة من الخبرات الدولية في مجالات الصناعة والتكنولوجيا والتحول الرقمي، بدلًا من الاعتماد على عدد محدود من الأسواق أو مصادر الإمداد.
وفي هذا السياق، تبرز الشراكات مع دول آسيوية مثل كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا باعتبارها فرصة لتعزيز التعاون في القطاعات الإنتاجية والتكنولوجية، والاستفادة من التجارب الصناعية المتقدمة، بما يدعم توجه مصر نحو بناء اقتصاد أكثر تنوعًا وقدرة على مواجهة التقلبات العالمية. غير أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب تجاوز مرحلة توقيع الاتفاقيات إلى التنفيذ الفعلي للمشروعات، وربط الاستثمارات باحتياجات الاقتصاد المحلي، وضمان انعكاسها على الإنتاج والتشغيل والصادرات ونسب المكون المحلي.
وأكد الدكتور أحمد يحيى، يحيى، الخبير الاستراتيجي، أن الجولة الأخيرة والاتفاقيات المبرمة مع القوى الاقتصادية الآسيوية تمثل خطوة استراتيجية لإعادة هيكلة النموذج الاقتصادي المصري، موضحًا أنها تستهدف إعادة تموضع مصر داخل سلاسل القيمة العالمية، وتحويلها من سوق مستورد للمنتجات التكنولوجية إلى قاعدة تصنيعية وتصديرية قادرة على المنافسة.
الشراكات الآسيوية
وأوضح يحيى، أن الانفتاح على دول مثل كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا يتيح لمصر تنويع مصادر التكنولوجيا والأسواق، بما يساعد على تقليل الاعتماد على النمط التقليدي القائم على استيراد السلع مرتفعة القيمة المضافة وتصدير منتجات أقل تعقيدًا من الناحية الصناعية والتكنولوجية.
وأشار إلى أن تنويع الشراكات الاقتصادية لا يقتصر على زيادة حجم التبادل التجاري، وإنما يمتد إلى بناء علاقات إنتاجية وصناعية تتيح نقل الخبرات وتطوير القدرات المحلية، بما يعزز موقع مصر في الأسواق الدولية.
ويعني إعادة تموضع الاقتصاد المصري داخل سلاسل القيمة العالمية التوسع في الأنشطة التي تضيف قيمة أكبر إلى المنتجات، بدءًا من التصنيع والتجميع المتقدم، وصولًا إلى تطوير المكونات والتقنيات والخدمات المرتبطة بالصناعة، ويساعد هذا التوجه على زيادة العائد الاقتصادي من الإنتاج المحلي، وفتح فرص أوسع أمام الشركات المصرية للمشاركة في الأسواق الإقليمية والدولية.
كما أن التعاون مع الاقتصادات الآسيوية يمكن أن يوفر فرصًا للاستفادة من خبراتها في تطوير المناطق الصناعية، وتحسين كفاءة الإنتاج، وتحديث خطوط التصنيع، شريطة أن تستند المشروعات المشتركة إلى خطط واضحة لنقل المعرفة وتطوير الموردين المحليين.
أكثر من 20 اتفاقية
وبين أن الاتفاقيات المبرمة، التي يتجاوز عددها 20 اتفاقية، تفتح آفاقًا جديدة لتوطين الصناعات المستقبلية، خاصة في مجالات التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، وهي قطاعات تزداد أهميتها مع تسارع التغيرات التكنولوجية وتأثيرها في أنماط الإنتاج والتجارة والخدمات.
وتتيح هذه المجالات فرصًا لتطوير القدرات الرقمية للشركات المصرية، وتحسين إدارة العمليات الصناعية، ورفع كفاءة سلاسل الإمداد، إلى جانب دعم الابتكار وتطوير المنتجات والخدمات ذات القيمة المضافة المرتفعة.
ويمثل توطين التكنولوجيا أحد العناصر المهمة في تطوير الاقتصاد، إذ لا يقتصر أثره على توفير منتجات محلية بديلة لبعض الواردات، وإنما يمتد إلى بناء قدرات فنية وهندسية تسمح بتطوير هذه المنتجات وصيانتها وتحسينها، بما يقلل الاعتماد على الخارج تدريجيًا في بعض المجالات.
ومع ذلك، فإن تحقيق هذه الأهداف يتطلب تحديد القطاعات ذات الأولوية، وتوفير البنية التحتية المناسبة، وتشجيع البحث والتطوير، وربط المؤسسات التعليمية والبحثية باحتياجات الشركات والمصانع، حتى تتحول الاتفاقيات إلى مشروعات إنتاجية قادرة على الاستمرار والتوسع.
نقل المعرفة والتكنولوجيا
وشدد يحيى على أن القيمة الحقيقية للاستثمار لا تكمن في جذب رؤوس الأموال فقط، وإنما في نقل المعرفة والتكنولوجيا، وتدريب العمالة الوطنية، وتطوير شبكات الموردين المحليين، مؤكدًا أن هذه العناصر تمثل أساسًا لتعظيم العائد الاقتصادي من الاستثمارات الأجنبية، فجذب الاستثمارات يمثل خطوة مهمة في توفير التمويل وتوسيع الطاقة الإنتاجية، لكن الأثر طويل الأجل يتوقف على ما تتركه هذه الاستثمارات من خبرات ومهارات وقدرات صناعية داخل الاقتصاد المحلي.
وعندما تتضمن المشروعات برامج تدريب وتأهيل للعاملين المصريين، وتعاونًا فنيًا مع الشركات المحلية، وخططًا لزيادة الاعتماد على الموردين المحليين، فإنها تسهم في بناء قاعدة إنتاجية أكثر قدرة على النمو والتطور، بدلًا من الاكتفاء بعمليات تجميع محدودة لا تترك أثرًا كافيًا في القدرات الصناعية الوطنية.
كما أن تطوير الموردين المحليين يساعد الشركات المصرية على تحسين جودة منتجاتها والالتزام بالمعايير الدولية، بما يعزز فرص مشاركتها في سلاسل الإمداد الخاصة بالشركات العالمية، ويتيح لها التوسع في التصدير.
الاستثمارات النوعية
وأشار إلى أن الاستثمارات النوعية يمكن أن تسهم بصورة مباشرة في زيادة الإنتاجية وتوليد النقد الأجنبي على المدى الطويل، من خلال توسيع الإنتاج المحلي، ورفع القدرة التنافسية للمنتجات المصرية، وزيادة فرص النفاذ إلى الأسواق الخارجية.
وتتضح أهمية هذه الاستثمارات عندما تؤدي إلى إنتاج سلع كانت تُستورد من الخارج، أو تطوير منتجات محلية قادرة على المنافسة في الأسواق الدولية، بما يساعد على تقليل فاتورة الواردات وزيادة حصيلة الصادرات.
كما أن دخول التكنولوجيا المتقدمة إلى القطاعات الإنتاجية يمكن أن يسهم في تقليل الهدر، وتحسين استخدام الموارد، ورفع كفاءة التشغيل، وهو ما ينعكس على تكلفة الإنتاج وجودة المنتجات وقدرة الشركات على التوسع.
لكن تحقيق عائد مستدام من هذه الاستثمارات يتطلب مراعاة احتياجات السوق، وضمان وجود طلب كافٍ على المنتجات، إلى جانب توفير التمويل والخدمات اللوجستية والعمالة المؤهلة. كما ينبغي تقييم أثر المشروعات على صافي تدفقات النقد الأجنبي، مع الأخذ في الاعتبار احتياجاتها من المكونات المستوردة وتكاليف التشغيل والتحويلات المالية المرتبطة بها.
استقرار بيئة الأعمال
وفيما يتعلق بالتحديات التي تواجه جذب الاستثمارات وتحقيق الاستفادة منها، أشار يحيى إلى أهمية معالجة التحديات الهيكلية، وفي مقدمتها استقرار بيئة الأعمال، وربط الاستثمار بالتعليم الفني، بما يضمن توافر الكفاءات اللازمة لتشغيل الصناعات الحديثة.
ويعد استقرار بيئة الأعمال عاملًا مؤثرًا في قرارات المستثمرين، إذ تحتاج المشروعات الصناعية والتكنولوجية إلى وضوح القواعد المنظمة، وإمكانية التنبؤ بالتكاليف والإجراءات، وسرعة الحصول على التراخيص والخدمات، فضلًا عن توافر بنية تحتية مناسبة.
كما يمثل تطوير التعليم الفني والتدريب المهني ضرورة لمواكبة متطلبات الصناعات الحديثة، خاصة في ظل التوسع في الأتمتة والأنظمة الرقمية والذكاء الاصطناعي. فالتكنولوجيا وحدها لا تكفي لتحقيق طفرة إنتاجية ما لم تتوافر كوادر قادرة على تشغيلها وصيانتها وتطوير استخدامها.
ومن هنا، تبرز أهمية إقامة شراكات بين المستثمرين والمؤسسات التعليمية ومراكز التدريب، لتحديد المهارات المطلوبة، وتطوير المناهج، وتوفير برامج تدريب عملي داخل المصانع، بما يقلل الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل.
مؤشر مهم لنجاح الاستثمارات
وأكد أن معيار النجاح الفعلي للاستثمارات لا ينبغي أن يقتصر على عدد الاتفاقيات الموقعة، وإنما يرتبط بحجم الاستثمارات التي جرى تنفيذها على أرض الواقع، ونسبة المكون المحلي في عمليات التصنيع.
ويعكس هذا المعيار أهمية الانتقال من المؤشرات المعلنة إلى النتائج الفعلية، إذ لا تتحقق الفائدة الاقتصادية الكاملة بمجرد توقيع اتفاق استثماري، بل تبدأ مع دخول المشروع حيز التنفيذ، وتوفير فرص العمل، وزيادة الإنتاج، وتطوير القدرات المحلية.
وتشير زيادة المكون المحلي إلى اتساع مشاركة الشركات المصرية في توفير الخامات والمكونات والخدمات اللازمة للإنتاج، بما يساعد على توزيع العائد الاقتصادي داخل السوق المحلية، ويعزز فرص نمو الصناعات المغذية والمكملة.
كما أن متابعة حجم الاستثمارات المنفذة، والطاقة الإنتاجية للمشروعات، وعدد الوظائف المستحدثة، وحجم الصادرات، ومستوى نقل التكنولوجيا، تتيح تقييمًا أكثر دقة لأثر الاتفاقيات في الاقتصاد المصري.
ويستلزم ذلك وجود آليات واضحة لمتابعة المشروعات، ورصد التحديات التي قد تعوق تنفيذها، والعمل على تذليلها، بما يضمن تحول الاتفاقيات من التزامات معلنة إلى أنشطة إنتاجية ذات مردود اقتصادي ملموس.
بناء قاعدة تصديرية منافسة
وتتطلب الاستفادة من الشراكات الآسيوية وضع رؤية متكاملة تربط الاستثمار بالتصدير، بحيث لا يقتصر الإنتاج المحلي على تلبية احتياجات السوق المصرية، بل يمتد إلى النفاذ للأسواق الخارجية، مستفيدًا من الموقع الجغرافي لمصر وشبكات النقل واللوجستيات والاتفاقيات التجارية المتاحة.
ويعتمد نجاح هذا التوجه على اختيار القطاعات التي تمتلك فيها مصر فرصًا تنافسية، وتطوير جودة المنتجات، والالتزام بالمواصفات الدولية، إلى جانب تحسين كفاءة النقل والتخزين والإجراءات المرتبطة بالتجارة الخارجية.
كما أن توطين الصناعات التكنولوجية يتطلب بناء منظومة متكاملة تشمل التصنيع والتدريب والبحث والتطوير وخدمات ما بعد البيع، بما يسمح بزيادة القيمة المضافة محليًا وتحقيق استفادة أوسع من الشراكات الدولية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض