يمكن تناول تصريح وزير مالية الكيان المحتل «بتسلئيل سموتريتش» الذى قال فيه: «إذا هاجمتنا مصر فلن تكون هناك سيناء» بطريقتين، الأولى جادة لا تقبل الهزل، والثانية ساخرة تناسب مستوى التصريح، فى الطريقة الأولى يجب العودة إلى أصول هذا الصهيونى المتطرف ونشأته لفهم تلك العقلية، فهو يهودى من أصول أوكرانية، ولد وتربى داخل المستوطنات، حيث ولد فى مستوطنة «حسبين» جنوب هضبة الجولان المحتلة عندما تم تعيين والده «حاييم يروحام» حاخامًا هناك، ثم انتقل إلى مستوطنة «بيت إيل» شمال رام الله، ثم مستوطنة «بيت يتير» فى جبل الخليل عندما عمل والده حاخامًا هناك، ويعيش الآن فى مستوطنة «كدوميم» على أطراف جنوب غرب نابلس، وهذا يفسر ببساطة ووضوح المشروع الاستيطانى الذى يؤمن به «سموتريتش»، القائم على طرد العرب والقضاء على فلسطين؛ لتحقيق الوعد التوراتى بإقامة أرض الميعاد «إسرائيل الكبرى».
الخطورة إذن ليست فى التصريح بل فى تلك العقلية المتطرفة التى تؤمن بالأفعال وليس الأقوال، هذا العدو شديد التطرف الذى وصفه «عبد الله معروف» مدير مركز دراسات القدس بجامعة إسطنبول، عام 2024، محذرًا بأنه الرجل الأخطر فى إسرائيل، فقد تحول «سموتريتش» من متطرف مغمور إلى الزعيم الأقوى بين أقطاب أقصى اليمين المتطرف، وتزداد تلك الخطورة وجدية التعامل مع تلك التصريحات بازدياد فرصة جلوس «سموتريتش» على رأس حكومة الاحتلال فى يوم من الأيام.
فى هذا الاتجاه الجاد يمكن تذكير «سموتريتش» بأن مركز «هراف» الذى أسّسه الحاخام أبراهام إسحاق كوك 1924 وألحقه والده فيه؛ ليتشبع بأفكاره الدينية المتطرفة، كتب أجداده فى جريدة «العالم الإسرائيلى» لصاحبها «سليم إلياهو» الخميس 25 كانون الثاني/ يناير من نفس العام، قصة قصيرة تحت عنوان «العرب واليهود»، تقول: إن «على أفندى» أحد أغنياء يافا عقد مقاولة مع جمعية العمال الإسرائيلية فى فلسطين لأجل بناء 11 مخزنًا من الحجارة، وأن عدد العمال الذين يشتغلون فى هذا المشروع 75 عاملًا من الإسرائيليين، وقد صرح «على أفندى» بأنه سيحمل أصدقاءه على عقد المقاولات مع الجمعية المذكورة، ثم تنوه الجريدة بأن المقصود من نشر هذه القصة هو لفت نظر أولئك الذين يقولون بأن الاتحاد بين الإسرائيليين والعرب فى فلسطين غير ممكن، مستشهدة بأن صاحب المشروع من المسلمين، وأن الذين يقومون بالتنفيذ من الإسرائيليين والعرب؟ ثم تقول أفلا يتقى الله كل من يزرع بذور الشقاق فى شعب يريد أن يعيش عيشة وئام واتحاد!.
تؤكد لنا تلك القصة بعد قرن من الزمان أن أجداد «سموتريتش» كذبوا كما يكذبون هم اليوم، ولم تنفع معهم النوايا الطيبة، فصار أحفاد «على أفندى» تحت الرماد والركام فى حرب إبادة جماعية، وأصبح هو يعيش على أنقاض هذا الركام وزيرًا فى عصابة إسرائيل!.
الاتجاه الثانى: هو طريق السخرية الذى سلكه المصريون للرد على تلك التصريحات الحمقاء، فقد ألبسوا وزير مالية الاحتلال من الكستور الفائض لدينا بعد حرب السادس من أكتوبر المجيدة؛ بما يكفى لتذكيره بما حدث لأجداده، وهنا وجب علينا أيضًا تذكير «سموتريتش» بأن أجداده ربما قد قرأوا عن دواء «الزمبوك» فى نفس العام الذى تأسس فيه مركز «هراف» وتخرّج فيه وأقرانه من رموز اليمين المتطرف، فقد انتشرت إعلانات هذا الدواء بكثافة فى الصحف المصرية فى عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضى، مثل «اللطائف المصورة وآخر ساعة ومجلة الفكاهة»، وجاء فيه بأن لا شىء يضاهى «الزمبوك» لمعالجة الأمراض والإصابات الجلدية فهو يشفى من الإكزيما والبثور والحكة والقروح، وإذا وضعته على الحروق فإنها تشفى سريعًا، لأن هذا الدهان العشبى العجيب يخترق الجلد ويمتص السموم فيزيل الآلام والأورام والأوجاع كأنه السحر، ويشفى من دون أن يترك أى أثر، فدهان «الزمبوك» مركب بواسطة كيميائيين حاذقين، ويستعمل لعلاج أى أمراض شديدة الخطورة مثل القوباء والبواسير والقرحة والتقيحات.
فى النهاية: جاء الرد المصري شافيًا قاطعًا، بأن مصر ترفض الزج باسم «سيناء» فى أى مزايدات سياسية، مع التأكيد بأن القاهرة ليست فى حاجة إلى الحديث بشأن قدرتها على حماية أراضيها.
.. والخلاصة: إذا كانت «سيناء» تشكل لك أرقًا وألمًا يشبه أرق البواسير وألم الجروح، فعليك بدهان «الزمبوك» ربما يخفف عنك تلك الآلام.
حفظ الله مصر وشعبها من كل سوء.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض