هل يتجه القرن الأفريقي إلى مواجهة إقليمية واسعة؟.. خبير يكشف
في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية التي تشهدها القارة الأفريقية، وتزايد حدة الصراعات والتنافس على النفوذ والممرات البحرية الاستراتيجية، تبرز منطقة القرن الأفريقي باعتبارها واحدة من أكثر المناطق حساسية في معادلات الأمن الإقليمي والدولي، نظرًا لموقعها الجغرافي الذي يربط بين البحر الأحمر والمحيط الهندي، وأهميتها في حركة التجارة العالمية وأمن الطاقة.
ومع تداخل الأزمات الداخلية في عدد من دول المنطقة مع التدخلات الخارجية وتضارب المصالح الإقليمية، تتزايد المخاوف من اتساع نطاق المواجهات وتحولها إلى صراعات ممتدة تهدد استقرار الدول ووحدة أراضيها، خاصة في ظل الأوضاع المعقدة التي يشهدها السودان، والتوترات المتصاعدة بين إثيوبيا وإريتريا، إلى جانب الخلافات المرتبطة بالوصول إلى البحر الأحمر والسيطرة على المنافذ البحرية.
تكتسب التحركات الدبلوماسية المصرية أهمية متزايدة، باعتبارها جزءًا من الجهود الرامية إلى تعزيز التنسيق بين دول المنطقة، والحفاظ على استقرار القرن الأفريقي ومنع اتساع دائرة الصراعات.
ويأتي الاجتماع الرباعي الذي استضافته مدينة العلمين برئاسة الرئيس عبد الفتاح السيسي، وبمشاركة مصر والصومال وإريتريا والسودان، في توقيت بالغ الحساسية، إذ يطرح تساؤلات بشأن مستقبل التوازنات الإقليمية، وحدود تأثير التحركات الإثيوبية على أمن الدول المجاورة، فضلًا عن سبل حماية وحدة السودان والحيلولة دون تفاقم الأزمات التي تهدد استقرار المنطقة.
ولا تنفصل هذه التطورات عن التحديات الداخلية التي تواجه إثيوبيا، في ظل الخلافات بين الأقاليم والمكونات العرقية والإثنية، وما يرتبط بها من تعقيدات سياسية وأمنية، بالتزامن مع تصاعد الحديث عن ضرورة حصول أديس أبابا على منفذ بحري.
توسيع النفوذ الإقليمي
وتثير هذه القضية مخاوف لدى دول الجوار من احتمال توظيفها في توسيع النفوذ الإقليمي أو تصعيد التوترات العسكرية، خاصة مع استمرار الخلافات الإثيوبية الإريترية، وتعقيدات المشهد في إقليم تيجراي، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات تتجاوز حدود البلدين إلى مجمل منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وفي الوقت نفسه، تمثل الأزمة السودانية أحد أبرز الملفات المرتبطة بهذه المعادلات، في ظل استمرار الحرب وتفاقم الأوضاع الإنسانية والأمنية، وسط تقارير إعلامية وتحقيقات تحدثت عن أدوار خارجية محتملة في دعم أطراف الصراع.
وتزداد خطورة هذه التطورات مع تصاعد المخاوف من اتساع نطاق التدخلات الإقليمية، بما قد يهدد وحدة السودان وسلامة أراضيه، ويزيد من صعوبة الوصول إلى تسوية سياسية تنهي الحرب وتحافظ على مؤسسات الدولة.
ومن جانبه، قال العميد خالد عكاشة، مدير المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، إن الاجتماع الرباعي الذي استضافته مدينة العلمين برئاسة الرئيس عبد الفتاح السيسي، وبمشاركة مصر والصومال وإريتريا والسودان، يعد من أبرز الاجتماعات الإقليمية الأخيرة، في ظل تصاعد الاضطرابات واتساع نطاق الأزمات التي تواجه دول القرن الأفريقي.
وأوضح عكاشة، أن أهمية الاجتماع تنبع من تناوله مفهوم القرن الأفريقي الكبير، الذي لا يقتصر على الصومال وجيبوتي وإريتريا وإثيوبيا وكينيا، بل يمتد ليشمل السودان وجنوب السودان، بما يجعل المنطقة الممتدة على الخاصرة الشرقية للقارة الأفريقية ساحة لتفاعلات سياسية وأمنية شديدة التعقيد.
تحديات أمنية متصاعدة
وأشار مدير المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية إلى أن الأزمات المتصاعدة في المنطقة ترتبط، وفق تقديره، بالتحركات الإثيوبية وتأثيرها على معادلات الأمن لدى دول الجوار، لافتًا إلى أن الخلافات بين أديس أبابا ومحيطها الإقليمي شهدت تصاعدًا خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع هشاشة الأوضاع الأمنية وتعقد الملفات السياسية والعسكرية في المنطقة.
وأضاف أن إثيوبيا تواجه تحديات داخلية عميقة تتعلق بالعلاقات بين الأقاليم المختلفة، والخلافات العرقية والإثنية، وطبيعة النظام الفيدرالي، معتبرًا أن هذه الأزمات الداخلية تلقي بظلالها على توجهات السياسة الخارجية الإثيوبية، وتؤثر على طبيعة علاقاتها مع الدول المجاورة.
وأوضح عكاشة أن نظام حزب الازدهار، برئاسة آبي أحمد، يتعامل مع عدد من الملفات الخارجية باعتبارها أدوات لحشد الرأي العام الداخلي، مشيرًا إلى أن قضية الوصول إلى البحر الأحمر أصبحت من أبرز القضايا المطروحة في الخطاب السياسي الإثيوبي، وسط مخاوف من أن تتحول إلى مصدر جديد للتوتر والصدام الإقليمي.
محور التنافس على النفوذ الإقليمي
وتطرق عكاشة إلى ملف سد النهضة والعلاقات المصرية الإثيوبية، معتبرًا أن اختزال الخلاف بين القاهرة وأديس أبابا في قضايا التنمية وتوليد الكهرباء لا يعكس، من وجهة نظره، جميع أبعاد الأزمة، مشيرًا إلى وجود اعتبارات أوسع ترتبط بالنفوذ الإقليمي وإدارة العلاقات مع دول الجوار.
وأضاف أن التحركات الإثيوبية المتعلقة بالوصول إلى البحر الأحمر تثير تساؤلات بشأن الأهداف الاستراتيجية التي تسعى أديس أبابا إلى تحقيقها، خاصة في ظل أهمية المنافذ البحرية بالنسبة إلى التجارة الدولية والتوازنات الأمنية في المنطقة.
وأشار إلى أن ميناء عصب الإريتري يمثل أحد المواقع الاستراتيجية المرتبطة بهذه الحسابات، موضحًا أن موقعه الجغرافي يضعه في قلب التوترات القائمة بين إثيوبيا وإريتريا، ويثير مخاوف من احتمال تصاعد المواجهة بين البلدين إذا جرى التعامل مع قضية الوصول إلى البحر الأحمر من خلال التحركات العسكرية بدلًا من المسارات السياسية والدبلوماسية.
ولفت إلى أن التوترات المرتبطة بإقليم تيجراي قد تزيد من تعقيدات المشهد، في ظل موقع الإقليم بين إثيوبيا وإريتريا، وما يرتبط به من خلافات سياسية وعسكرية، محذرًا من أن توظيف هذه الخلافات في تصعيد المواجهة قد يفتح المجال أمام اتساع نطاق الصراع.
السودان في قلب الحسابات الإقليمية
وفيما يتعلق بالأزمة السودانية، أكد عكاشة أن التدخلات الخارجية تمثل عاملًا مؤثرًا في مسار الحرب، محذرًا من أن دعم أطراف الصراع أو توفير السلاح والتدريب لها قد يؤدي إلى إطالة أمد المواجهات، ويزيد من الأضرار التي يتعرض لها السودان على المستويين الإنساني والأمني.
وأشار إلى تقارير استخباراتية وتحقيقات إعلامية دولية تحدثت عن وجود معسكرات داخل الأراضي الإثيوبية يُشتبه في استخدامها لاستضافة عناصر مرتبطة بقوات الدعم السريع وتوفير التدريب والسلاح لها قبل انتقالها إلى داخل السودان. واعتبر أن ما ورد في هذه التقارير، إذا تأكدت تفاصيله، يعكس خطورة امتداد الصراع السوداني إلى دول الجوار، ويطرح تساؤلات بشأن تداعيات التدخلات الخارجية على وحدة البلاد واستقرارها.
وأضاف أن استمرار الحرب وتداخل المصالح الإقليمية يضاعفان المخاطر التي تواجه الدولة السودانية، خاصة مع تراجع الأوضاع الإنسانية واتساع نطاق النزوح والدمار، مؤكدًا أن الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه يمثل ضرورة أساسية لاستقرار المنطقة بأكملها.
وأوضح أن الموقف المصري يركز على رفض أي مخططات تستهدف تقسيم السودان أو المساس بوحدة أراضيه، مشيرًا إلى أن الرئيس عبد الفتاح السيسي سبق أن أكد وجود خطوط حمراء تتعلق بأمن السودان واستقراره، في ضوء الروابط الجغرافية والأمنية والاقتصادية التي تجمعه بمصر ودول المنطقة.
مخاوف من مواجهة عسكرية جديدة
وتناول عكاشة التوترات بين إثيوبيا وإريتريا، موضحًا أن الخلافات المرتبطة بالوصول إلى البحر الأحمر وميناء عصب تمثل أحد أبرز مصادر القلق في المنطقة، خاصة في ظل التاريخ المعقد للعلاقات بين البلدين والتطورات العسكرية والسياسية المحيطة بإقليم تيجراي.
وأشار إلى أن أديس أبابا قد تسعى، وفق تقديره، إلى استغلال الصراعات الداخلية والخلافات القائمة لتبرير تحركات عسكرية عبر الحدود، بما قد يفتح الباب أمام مواجهة أوسع مع إريتريا، ويزيد من احتمالات زعزعة الاستقرار في القرن الأفريقي.
وأضاف أن إريتريا تدرك طبيعة هذه المخاوف، وهو ما يدفعها إلى تعزيز استعداداتها الدفاعية داخل أراضيها تحسبًا لاحتمالات التصعيد، معتبرًا أن استمرار التوترات بين الجانبين يعكس حجم التعقيدات التي تحيط بالمنطقة، في ظل التنافس على النفوذ والمنافذ البحرية.
وأكد أن استغلال الأزمات الداخلية لتوسيع النفوذ الخارجي يمثل، بحسب تحليله، أحد العوامل التي تعرقل استقرار القرن الأفريقي، وتزيد من احتمالات انتقال الصراعات من دولة إلى أخرى، بما يهدد أمن المنطقة ويضاعف التحديات أمام جهود التسوية السياسية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض

