رئيس جامعة الأزهر السابق يكشف دروس النصر في ذكرى حرب أكتوبر
أكد الدكتور سلامة داوود، رئيس جامعة الأزهر السابق، أن نصر أكتوبر المجيد يحمل العديد من الدروس والعبر التي ينبغي أن تستلهمها الأجيال، وفي مقدمتها الثقة في الله، والأخذ بالأسباب، والصبر على الشدائد، والتكاتف من أجل تحقيق الأهداف، مشددًا على أن النصر لا ينبغي أن يقود إلى الغرور أو التكبر، وإنما يدفع إلى شكر الله والتواضع، والعمل على وحدة الصف ونبذ الخلافات.
جاء ذلك خلال خطبة الجمعة التي ألقاها الدكتور سلامة داوود بالجامع الأزهر، تحت عنوان «نصر أكتوبر.. دروس وعبر»، حيث استعرض عددًا من الدلالات الدينية والوطنية المرتبطة بذكرى انتصارات أكتوبر عام 1973، مؤكدًا أهمية استحضار هذه التجربة التاريخية وتعريف الأجيال الجديدة بما تحمله من معانٍ في الصبر والإرادة والتضحية.
بشائر النصر من منبر الجامع الأزهر
وأوضح الدكتور سلامة داوود أن بشائر النصر انطلقت من منبر الجامع الأزهر عام 1973، عندما تحدث الإمام الأكبر الراحل الشيخ عبد الحليم محمود عن رؤيا نقلها إليه أحد الصالحين، قال إنه لا يشك في صدقه، وتضمنت رؤية النبي صلى الله عليه وسلم وهو يعبر قناة السويس وخلفه علماء المسلمين، ثم توجيه نداء إلى الرئيس الراحل محمد أنور السادات بالسير على بركة الله، وبشارة النصر بإذن الله.
وأشار إلى أن هذه الرؤيا عُدّت بشارة بالنصر في ذلك الوقت، مستعرضًا ما ارتبط بها من مشاعر الأمل والثقة بالله، في مرحلة كانت مصر تستعد فيها لاستعادة أرضها بعد هزيمة عام 1967.
نصر أكتوبر درس في الصبر والأخذ بالأسباب
وبيّن رئيس جامعة الأزهر السابق أن نصر أكتوبر جاء بعد أن ذاق المصريون مرارة الهزيمة والانكسار، لكنهم لم يستسلموا للأمر الواقع، بل اعتمدوا على الله، وأخذوا بالأسباب، وخاضوا رحلة طويلة من الإعداد والجهاد والكفاح حتى تحقق النصر.
وأكد أن من حق الشعب المصري أن يفرح بنصر الله، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾، موضحًا أن الفرح بالنصر يعبر عن الاعتزاز بما تحقق من استعادة للأرض، وما بذله الجنود من تضحيات في سبيل الوطن.
ولفت إلى أن القرآن الكريم أفرد سورة باسم «النصر»، وأن السيدة عائشة رضي الله عنها ذكرت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر من التسبيح والاستغفار والتوبة عندما نزلت سورة النصر، وهو ما يحمل دلالة على أهمية مقابلة النعم بالطاعة والشكر، وعدم الاكتفاء بالفرح الظاهر دون مراجعة النفس والتقرب إلى الله.
لماذا حذر سلامة داوود من الغرور بعد الانتصار؟
وشدد الدكتور سلامة داوود على أن النصر لا ينبغي أن يكون مدخلًا للغرور أو التكبر بما أنعم الله به على عباده، وإنما يجب أن يقود إلى التواضع وشكر الله، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
وضرب مثالًا بموقف النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة، عندما دخلها منتصرًا، وأعلن العفو عن أهلها الذين آذوه وأخرجوه من بلده، في موقف يعكس التواضع عند القدرة، والعفو عند المقدرة، وعدم تحويل الانتصار إلى وسيلة للانتقام.
وأوضح أن استحضار هذه المعاني يساعد على فهم الدرس الأخلاقي للنصر؛ فالقوة لا تتعارض مع الرحمة، والقدرة لا تبرر الظلم، بل ينبغي أن تقترن بالعدل والتواضع وحسن التعامل مع الآخرين.
مدن مصر تخلد ذكرى الانتصارات للأجيال الجديدة
وأكد رئيس جامعة الأزهر السابق أهمية الحفاظ على روح النصر في وجدان المصريين، ونقل معانيه إلى الأجيال التي لم تشهد حرب أكتوبر ولم تعش ظروفها، مشيرًا إلى أن تسمية عدد من المدن المصرية بأسماء مرتبطة بالانتصارات، مثل العاشر من رمضان والسادس من أكتوبر والعبور، تسهم في إبقاء هذه الذكرى حاضرة في الوعي العام.
وأوضح أن استحضار تاريخ الانتصارات لا يقتصر على الاحتفال بالمناسبات الوطنية، بل يشمل التعرف على ما تتضمنه من دروس في التخطيط والصبر والتضحية والعمل الجماعي، حتى تدرك الأجيال الجديدة أن استعادة الحقوق تحتاج إلى إعداد وإرادة وتكاتف.
الإعداد والقوة من دروس حرب أكتوبر
وأشار الدكتور سلامة داوود إلى أن مواجهة العدو تتطلب الاستعداد والأخذ بأسباب القوة، مستشهدًا بقول الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾.
وأوضح أن حرب أكتوبر قدمت نموذجًا لما يمكن أن يحققه الإعداد الجيد والإصرار على استعادة الحقوق، مشيرًا إلى ما أظهره الجنود المصريون من قدرة على التحمل وبذل الجهد في ظروف بالغة الصعوبة، خلال عبور قناة السويس واقتحام خط بارليف.
وأضاف أن هذه التضحيات تعكس أهمية الجمع بين الإيمان والعمل، فالتوكل على الله لا يعني ترك الأسباب، بل يقتضي بذل الجهد والاستعداد وتحمل المسؤولية، مع الثقة في الله تعالى.
سلامة داوود يدعو إلى وحدة الصف ونبذ الخلافات
واختتم الدكتور سلامة داوود خطبته بالتأكيد على حاجة الأمة الإسلامية إلى تجاوز الخلافات ونبذ الفرقة، داعيًا إلى التضامن وتوحيد الصفوف، محذرًا من أن الانقسام والنزاع يضعفان المجتمعات ويجعلانها أكثر عرضة للمخاطر والتحديات.
وأشار إلى أن نصر أكتوبر لا ينبغي أن يُستحضر باعتباره ذكرى عسكرية فقط، بل بوصفه تجربة تحمل دروسًا في التكاتف وتحمل المسؤولية والإعداد الجاد، مؤكدًا أن الحفاظ على المكتسبات يتطلب استمرار العمل والتعاون، وتغليب المصالح المشتركة على الخلافات.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض
