رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

مصانع تنتج بضائع مخصوصة.. وشبكة توزيع متكاملة:

«اﻟﻮﻓﺪ» ﺗﺨﺘﺮق اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻟﺨﻔﻰ ﻟﺒﻴﺰﻧﺲ ﻣﺘﺮو اﻷﻧﻔﺎق

بوابة الوفد الإلكترونية

ظاهرة قديمة أصبحت أكبر وأعمق وأكثر تنظيمًا 

«السريحة» ينافسون الركاب فى العدد .. والمشاحنات ظاهرة يومية 

خبراء: لا بد من ضمهم للاقتصاد الرسمى وضعف العقوبات يغريهم بالاستمرار

 

فى تمام الثامنة صباحًا، يشق أحد قطارات مترو الأنفاق طريقه فى قلب القاهرة، وتُغلق الأبواب على مشهد يومى متكرر، بينما تتعالى فجأة صيحة مألوفة بإيقاع محفوظ: «الـ3 بـ10 يا مدام» عندها، يتراجع مفهوم مرفق النقل الذكى أمام مشهد آخر، تعلن فيه «سويقة المترو» عن افتتاح ورديتها الجديدة، لتتحول عربات القطارات إلى أسواق متحركة.
هنا، داخل الأنفاق الممتدة تحت الأرض، تأسست «إمبراطورية خفية» لها ملوكها وقوانينها وخطوط إمدادها، تتحرك بين المحطات والعربات، وتفرض حضورها على الركاب فى رحلة يومية لا تخلو من الضجيج والمشاحنات، ورغم التصريحات الرسمية المتكررة من مسئولى الشركة المصرية لإدارة وتشغيل المترو وحملات شرطة النقل والمواصلات المستمرة، فإن المشهد الذى يتكرر داخل القطارات يطرح تساؤلات حول مدى فاعلية هذه الحملات وقدرتها على إنهاء الظاهرة.
جهاز العروسة فى عربة السيدات
إذا انتقلت إلى عربة السيدات، فستكتشف سريعًا أنك لست داخل وسيلة مواصلات فحسب، بل أمام «مول متحرك» لبيع جهاز العروسة، تتنقل فيه البضائع من مقعد إلى آخر، ومن راكبة إلى أخرى. تقتحم العربة فتيات وسيدات يحملن حقائب ضخمة تفوق أحجامهن، وتبدأ النمرة اليومية بعرض المفروشات وأطقم الملابس وأدوات المطبخ، وصولًا إلى مستحضرات التجميل مجهولة المصدر.
وتقول سمر، 32 عامًا، موظفة تتردد يوميًا على الخط الأول للمترو، إن عربة السيدات تحولت إلى كابوس يومى بسبب إصرار البائعات على عرض البضائع بصورة تفرض نفسها على الراكبات، وإذا رفضت إحداهن المرور أو طلبت إفساح الطريق، تبدأ المشاحنات والألفاظ النابية.
من يدير الشبكة؟
اللافت للانتباه فى «جيش الباعة الجائلين» داخل المترو لا يقتصر على أعدادهم، بل يمتد إلى مظهرهم وسلوكهم المتشابه فتيات وأولاد فى مقتبل العمر، يرتدون ملابس متقاربة، ويحملون بضائع تنتج خصيصا لهم، تشمل الجوارب وإكسسوارات الهواتف والأدوات المكتبية، ويتحدثون بنبرات وإيقاعات صوتية متشابهة، ويتحركون وفق جداول زمنية تبدو منظمة.
وخلال معايشة استمرت ثلاثة أيام، رصدنا آلية عمل هؤلاء الباعة، حيث يظهر نمط منظم لتوزيع البضائع وتحديد أماكن البيع، بما يوحى بأنهم ليسوا مستقلين، وأن وراءهم أشخاصًا يسيطرون على نشاط البيع داخل المترو.
وفى محطات رئيسية مثل العتبة والشهداء وأنور السادات، يقف أشخاص يرتدون الجلباب أو الملابس الكاجوال، وتبدو مهمتهم، وفق ما رصدناه، مرتبطة بتنظيم حركة الباعة وتوزيع البضائع قبل دخولهم المحطات ويُحدد لكل بائع نطاق عمله والعربات التى يتحرك داخلها، بما يضمن عدم تضارب أماكن البيع.
كما رصدنا تحركات توحى بوجود متابعة لحركة أفراد الأمن، فبمجرد ظهور سترة عسكرية أو شرطية على الرصيف، تصدر إشارات سريعة، من بينها صفير أو كلمات مقتضبة، ليختفى الباعة فى ثوانٍ داخل العربات أو خلف الجدران 
تجارة موازية
الأمر يتجاوز المحلات التجارية والأكشاك الرسمية المرخصة التى تملأ ممرات المحطات وتدفع إيجارات للدولة، فالحديث هنا يدور حول نشاط تجارى موازٍ داخل العربات، تُباع فيه بضائع دون أن تتوافر معلومات واضحة عن مصادرها أو مدى مطابقتها للمواصفات، بينما يظل حجم الإيرادات وطبيعة التنظيم المالى لهذا النشاط مجهولة.
اتجار بالبشر
ولا تقف خطورة المشهد عند ذلك فقط بل تتضاعف عندما يتعلق الأمر بالأطفال الذين يظهرون فى مواقع البيع، وما يثيره ذلك من مخاوف بشأن ظروف تشغيلهم، والجهات التى تقف وراءهم، ومدى تعرضهم للاستغلال أو المخاطر داخل مرفق حيوى مزدحم
وتعليقا على ذلك أكدت المستشارة القانونية نهى الجندى أن العقوبات المقررة لمواجهة البيع الجائل داخل مترو الأنفاق لم تعد كافية لتحقيق الردع المطلوب، فى ظل انخفاض قيمة الغرامات مقارنة بالعائد الذى يمكن أن يحققه البائع من ممارسة نشاطه.
وأوضحت أن خطورة الظاهرة تتجاوز مجرد مخالفة قواعد البيع داخل المترو، خاصة عندما يتعلق الأمر بوجود شبكات منظمة تستغل الأطفال وتدفع بهم إلى المحطات والقطارات لممارسة البيع أو التسول، مشيرة إلى أن هذه الوقائع تستوجب فحص طبيعتها القانونية بدقة، وعدم الاكتفاء بتوصيفها باعتبارها مخالفات إدارية أو مخالفات بيع جائل.
وأضافت أن استغلال الأطفال فى أنشطة البيع أو التسول قد يندرج، بحسب ظروف الواقعة والأدلة المتوافرة، ضمن جرائم الاتجار بالبشر المنصوص عليها فى القانون رقم 64 لسنة 2010، إذا توافرت الأركان والشروط القانونية اللازمة، وهو ما يستوجب التعامل مع الواقعة باعتبارها جريمة تستلزم التحقيق فى أبعادها، وتحديد المسئولين عن استغلال الأطفال، وليس الاقتصار على ضبط الطفل أو تحرير مخالفة للبائع الموجود بالمحطة.
وأكدت "الجندى" أن قانون مكافحة الاتجار بالبشر يتضمن عقوبات مشددة، تصل إلى السجن المؤبد فى الحالات التى حددها القانون، ومن بينها بعض صور ارتكاب الجريمة ضد طفل أو من خلال جماعة إجرامية منظمة، مؤكدة أن تحديد العقوبة يتوقف على ظروف الواقعة ومدى توافر الأركان القانونية لها.
وأشارت إلى أن قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996 يوفر بدوره حماية للأطفال المعرضين للخطر، ومن بينهم الأطفال الذين يتعرضون للاستغلال أو الإهمال أو العنف، لافتة إلى أن التعامل مع هذه الوقائع يجب ألا يتوقف عند ضبط الطفل الذى يمارس البيع، بل يمتد إلى البحث عن الأشخاص الذين يقفون وراء تشغيله، والكشف عن طبيعة العلاقة بينهم وبينه، وما إذا كانوا يستغلونه أو يحصلون على حصيلة نشاطه.
اقتصاد موازٍ 
وفى قراءة اقتصادية للظاهرة، أكد الدكتور ياسر حسين سالم، الخبير الاقتصادى والمالى الدولى والمحاضر بالجامعات الخاصة والدولية، أن الباعة الجائلين فى محيط محطات مترو الأنفاق وداخل القطارات يمثلون أحد فروع الاقتصاد الموازى وشبكات التجارة غير الرسمية فى مصر، مشيرًا إلى أن هذه الظاهرة، التى يُطلق على ممارسيها مصطلح «السرّيحة»، أصبحت واسعة الانتشار، وتتطلب معالجة اقتصادية واجتماعية متكاملة لا تقتصر على المواجهة الأمنية.
وأوضح «سالم» أن الباعة الجائلين يعتمدون فى نشاطهم على بيع سلع خفيفة الوزن وصغيرة الحجم، يسهل حملها وتداولها والبيع المباشر للجمهور، مشيرا إلى أن أعداد الباعة الجائلين فى مصر تُقدَّر بالملايين، وينتشر الآلاف منهم فى محطات المترو ومحيطها وداخل القطارات، لافتًا إلى أن الظاهرة أصبحت مشهدًا متكررًا فى مختلف الخطوط، سواء من خلال البيع داخل العربات أو عبر «فرش البيع» و«باكيات البيع» المنتشرة أمام مداخل المحطات.
وأوضح الخبير الاقتصادى أن انتشار هذه الظاهرة يرتبط بمجموعة من الأسباب، فى مقدمتها البيروقراطية وتعقيد الإجراءات اللازمة لتأسيس المشروعات الصغيرة، فضلًا عن ارتفاع رسوم استخراج الأوراق والمستندات، وما قد يواجهه أصحاب هذه الأنشطة من ممارسات فساد تعوق دخولهم إلى الاقتصاد الرسمى.
ولفت إلى أن الباعة الجائلين يمثلون أحد مظاهر التشوه فى النشاط الاقتصادى، نظرًا إلى أن البيع خارج المنظومة الرسمية يتيح لهم تقديم السلع بأسعار أقل من مثيلاتها فى المحال المرخصة، نتيجة عدم تحملهم الأعباء المرتبطة بالضرائب والسجل التجارى والتأمينات والمرافق وغيرها من تكاليف التشغيل.
وأكد أن المنافسة السعرية الناتجة عن اختلاف الأعباء لا تعكس بالضرورة اختلافًا فى كفاءة النشاط التجارى، وإنما ترتبط فى جانب كبير منها بتفاوت الالتزامات والتكاليف بين النشاط الرسمى وغير الرسمى، وهو ما ينعكس على أصحاب المحال المرخصة الذين يتحملون هذه الأعباء بصورة منتظمة.
وأشار «سالم» إلى أن انتشار البيع الجائل داخل عربات المترو ومحيط المحطات لا تقتصر آثاره على الجانب الاقتصادى، بل يمتد إلى المظهر العام وحقوق الركاب، موضحًا أن تكدس الباعة وبضائعهم يسبب تلوثًا بصريًا، بينما تؤدى الأصوات المرتفعة والمناداة المتكررة على السلع إلى التلوث السمعى.
وأضاف أن هناك جانبًا اجتماعيًا آخر للظاهرة، يتمثل فى تعاطف بعض المواطنين مع الباعة وحرصهم على شراء السلع منخفضة السعر، باعتبارها فرصة للحصول على احتياجاتهم بتكلفة أقل، وهو ما يسهم فى استمرار الطلب على هذه الأنشطة واتساع نطاقها.
وطرح الخبير الاقتصادى مجموعة من المقترحات للتعامل مع الظاهرة، فى مقدمتها إجراء حصر شامل للباعة الجائلين، وتسجيل بياناتهم الأساسية، وتحديد طبيعة النشاط الذى يمارسه كل منهم، وإنشاء قاعدة بيانات تتضمن اسم كل بائع ورقم هاتفه ومجال عمله لتنظيم هذا النشاط، ووضع آليات واضحة لدمجه فى الاقتصاد الرسمى، بدلًا من استمرار عمله بصورة عشوائية خارج المنظومة القانونية.
وأكد أن الدولة مطالبة بتوفير مسار مبسط وواضح أمام أصحاب المشروعات متناهية الصغر، يسمح لهم بتقنين أوضاعهم دون تحميلهم أعباء مالية وإدارية تفوق قدراتهم، مع تبنى سياسة ضريبية واضحة للمشروعات متناهية الصغر، تتضمن إعفاءات مناسبة لطبيعتها وحجم نشاطها.
وطالب بتبسيط إجراءات استخراج التراخيص والمستندات، وتقليل الرسوم إلى أدنى مستوى ممكن، بما يتناسب مع حجم المشروع ورأس ماله، مشيرا إلى ضرورة وجود إجراءات واضحة وميسرة، مع إتاحة إمكانية استخراج الترخيص من خلال جهة واحدة أو منظومة مبسطة، بما يقلل الوقت والتكلفة ويشجع أصحاب الأنشطة على الانضمام إلى الاقتصاد الرسمى.
وطالب «سالم» الدولة بالتوسع فى إنشاء أسواق صغيرة تضم باكيات وأماكن بيع تتناسب مع طبيعة السلع التى يتداولها الباعة الجائلون، مع إتاحة الفرصة لهم لممارسة أنشطتهم بصورة قانونية ومنظمة، مشددا على أهمية إشراكهم فى تخطيط هذه الأسواق وتصميمها، باعتبارهم الأكثر معرفة بطبيعة نشاطهم واحتياجاته.
واستشهد بتجربة سوق باب الحديد بميدان رمسيس، معتبرًا أن عدم مراعاة احتياجات الباعة فى التصميم الهندسى، وضيق المداخل والمخارج، وطبيعة توزيع المساحات، من العوامل التى يرى أنها أسهمت فى عدم تحقيق السوق للغرض المطلوب منه.
وأضاف أن نجاح الأسواق البديلة لا يتوقف على إنشائها فقط، بل يتطلب اختيار مواقع مناسبة، وتوفير مساحات ملائمة، وضمان سهولة الوصول إليها، مع مراعاة طبيعة السلع التى يبيعها أصحاب المشروعات متناهية الصغر، حتى تصبح هذه الأسواق بديلًا عمليًا وجاذبًا للعمل داخل المنظومة الرسمية.
واختتم «سالم» حديثه مؤكدا أن تطبيق هذه الإجراءات من شأنه أن يفتح المجال أمام دمج أصحاب المشروعات متناهية الصغر فى الاقتصاد الرسمى، ويحد من انتشار التجارة العشوائية، ويحافظ على حقوق الركاب والمظهر الحضارى للمحطات، ويقلل من التلوث البصرى والسمعى.
وأكد أن تنظيم هذا النشاط بصورة قانونية يحقق فوائد اقتصادية واجتماعية متعددة، من بينها توسيع قاعدة الأنشطة المسجلة، وتحسين بيئة المنافسة بين المشروعات، وتوفير فرص عمل منظمة، إلى جانب الحفاظ على الصورة الحضارية والسياحية لمصر أمام زائريها، مشددًا على أن نجاح هذه المعالجة يرتبط بقدرة الدولة على توفير بديل واقعى ومستدام للباعة، يضمن لهم ممارسة النشاط بصورة مشروعة، ويحقق فى الوقت نفسه الانضباط داخل مرافق النقل العام.