«يا خبر!»
تزامنا مع الاحتفال بالذكرى الـ53 لانتصارات السادس من أكتوبر 1973، المعركة التى كسرت أنف العدو الصهيونى وأذلته أمام العالم ووضعته فى حجمه الحقيقى وأثبتت فشل الدعاية الزائفة روج لها بأنه يملك الجيش الذى لا يقهر، خرج علينا وزير المالية الصهيونى المتطرف بتسلئيل سموتريتش، كمن يحسس على الجرح أو«البطحة» التى فى رأسه وفى أماكن كثيرة فى الجسد الصهيوني، وأطلق تصريحات عنترية هدد فيها بأنه «لن تكون هناك سيناء إذا هاجمت مصر إسرائيل».
بعيدًا عن كون سيموتريتش شخص أخرق، يحاول الصيد فى موسم انتخابات تأكد له أنه صفرى لليمين المتطرف قبل أيام من بدايته، وبعيدا أيضا عن كون سيموتريتش اعتاد على مثل هذه التصريحات المستفزة التى يقتات عليها هو وأمثاله من اليمين الإسرائيلى المتطرف لتصدير أزماته الداخلية، يبدو أن الدرس لا يزال موجعًا حتى بعد 53 سنة، ويبدو أن ما فعله المصريون فى السادس من أكتوبر 1973 عصى على النسيان، فجيل رحل وجيل تسلم فى إسرائيل لكن حبل الوجيعة متصل بينهم بل وما زال ملتفًّا حول أعناقهم، فسيموتريتش مثلا ربما لم يكن ولد عندما قامت هذه المعركة أو ربما كان عمره شهورا، لكنه ورث ألم الدرس القاسى الذى لقنه المصريون لأبويه وأعمامه، يكفى مثلا فى مثل هذه الأيام أن يشاهد فيديو إعادة الأسرى من بنى جلدته وقد ألبسهم الرئيس السادات بيجامات كستور المحللة المخططة بالطول.
لم تكن هذه التهديدات الجوفاء، التى أطلقها الوزير المتطرف، سوى محاولة مكشوفة لمخاطبة اليمين الأكثر راديكالية فى وقت تعانى فيه الحكومة الإسرائيلية انسدادًا فى الأفق السياسى وتقلصًا فى فرص البقاء بالسلطة، لكن التصريحات هذه المرة تجاوزت حدود الاستعراض لتصطدم بـصخرة الأمن القومى المصرى وعبثية الجهل بحقائق التاريخ والجغرافيا وموازين القوى فى المنطقة، إن محاولة سيموتريتش الترويج لمعادلات ردع وهمية من خلال فرض سيناريوهات افتراضية ما هى إلا رغبة منه فى إطالة عمر حكومته عبر افتعال جبهات وهمية وتصدير الأزمات إلى دول الجوار.. وهو يعلم جيدا أن المصريين لو قرروا إطلاق «زفير» مشترك بنفس 120 مليون مصرى لن تكون هناك إسرائيل فى الوجود، لكن العبث الإسرائيلى فى قراءة المشهد الإقليمى جعل سيموتريتش وأمثاله يتجاهلون حقيقة راسخة هى أن مصر ليست ساحة مستباحة للتصريحات الانتخابية.
التاريخ القريب يحمل تفاصيل دقيقة لكيفية تحطم أوهام التوسع ومشاريع الاحتلال فوق رمال سيناء، إن الأرض التى رُويت بدماء ملايين المصريين وعادت بالسيادة الكاملة عبر مزيج من تضحيات حرب أكتوبر 1973 والدبلوماسية الصلبة، ليست مجرد مساحة جغرافية للمزايدة، بل هى مسألة كرامة وطنية تمثل خطاً أحمر لا يقبل المساس به أو الالتفاف عليه.
من يتوهم فى تل أبيب أن التمسك المصرى بالسلام الإقليمى يُعبر عن ضعف أو تساهل، فهو يرتكب خطأً استراتيجيًّا فادحًا، فالسلام المصرى لطالما استند إلى قوة عسكرية رادعة وأجهزة أمنية على أهبة الاستعداد لحماية كل شبر من حدودها تحت أى ظرف، ومصر التى تُعد دعامة الاستقرار فى الشرق الأوسط، قادرة تماماً على إعادة الصاع صاعين لمن يفكر فى اختبار صبرها.
تتعامل الدولة المصرية مع مثل هذه التصريحات الفردية من منطلق القوة والترفع عن الانجرار وراء رغبات اليمين الصهيونى المتطرف فى تفجير المنطقة، فالردود لا تُصاغ بالانفعال، بل بالتحركات القانونية والدبلوماسية، مع التأكيد المستمر على الجاهزية العسكرية الكاملة لردع أى حماقة.
على قادة الاحتلال الإسرائيلى، وعلى رأسهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، أن يدركوا أن تصريحات وزرائهم الهوجاء تشكل تحرشًا سياسيًّا خطيرًا بالأمن القومى المصري، وأن غض الطرف عن مثل هذه الترهات ليس معناه أننا لا نستطيع الرد، فهم أول من يعلم أننا نرد، وردنا موجع وهم يعلمون، فإذا كان سيموتريتش يتساءل بجهل: «ما الذى سيجعل مصر لا تهاجمنا؟»، فإن الإجابة الواضحة تكمن فى احترام المواثيق الدولية والالتزام بحدود السيادة، لأن أى تجاوز لها لن يعنى سوى نهاية الغطرسة والتهور الإسرائيلى.
ستبقى سيناء درة التاج المصرى، شامخة وعصية على أوهام «الصهيونية الدينية» والتوسعية، والأجدر بقادة إسرائيل الالتفات إلى أزماتهم المتلاحقة بدلًا من إطلاق تهديدات ستنقلب وبالًا عليهم، فجيش مصر وشعبها خلف خطوطها الحمراء قوة هادرة لا تُخيفها التصريحات، والتاريخ دائمًا لمن يملك الأرض والحق، لا لمن يعيش فى أوهام التوسع والغطرسة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض