لم تكن حرب أكتوبر مجرد معركة عسكرية انتصرت فيها مصر على عدو احتل الأرض، وإنما كانت لحظة فارقة استرد فيها المصريون ثقتهم بأنفسهم، واستعاد الجيش المصرى كرامة الوطن وكبرياءه. فى السادس من أكتوبر سقطت أسطورة الجيش الذى لا يُقهر، وسقط معها وهم أن مصر يمكن أن تُهزم أو تُفرض عليها إرادة الآخرين. كانت الساعات الأولى من المعركة كافية لتغيير معادلات المنطقة، لأن وراء الجندى المصرى شعبًا آمن بقدرة وطنه على العبور من الهزيمة إلى النصر.
ولأن روح أكتوبر ليست ذكرى تُستعاد فى المناسبات، فقد ظهرت من جديد عندما خرج ملايين المصريين فى الثلاثين من يونيو دفاعًا عن الدولة الوطنية ورفضًا لاختطاف مصر لحساب مشروع أيديولوجى أراد أن يعيد الوطن إلى الوراء. وحين استجابت القوات المسلحة لإرادة الشعب، كانت الرسالة واضحة: مصر ليست غنيمة، والدولة المصرية ليست مشروعًا قابلًا للاختطاف. ثم جاءت معركة الإرهاب، فوقف الجيش والشرطة فى سيناء وفى كل ربوع الوطن فى مواجهة تنظيمات وقوى أرادت تحويل مصر إلى ساحة للفوضى، ودفع رجال القوات المسلحة والشرطة ثمنًا غاليًا من دمائهم حتى بقيت سيناء مصرية، وبقيت الدولة واقفة على قدميها.
واليوم تبدو الحاجة إلى روح أكتوبر أكبر من أى وقت مضى، عالم مضطرب، حروب تشتعل، دول تتفكك، وتحالفات تتغير، وموازين قوى يعاد رسمها فى الإقليم والعالم. وفى قلب هذا المشهد تقف مصر، بما تملكه من جيش وطنى ومؤسسات دولة وشعب يعرف جيدًا معنى الحفاظ على وطنه، لقد أثبتت السنوات الماضية أن بقاء الدولة ليس أمرا مسلما به، وأن الدول التى لا تمتلك قوة تحمى قرارها الوطنى تصبح رهينة لمصالح الآخرين. ومن هنا فإن استدعاء روح أكتوبر اليوم يعنى أن نمتلك القدرة على مواجهة أزماتنا، وأن نرفض اليأس، وأن نؤمن بأن مصر تستطيع العبور مهما كانت صعوبة الطريق.
لكن العبور هذه المرة لن يكون بالدبابات والطائرات وحدها، وإنما بالعلم والإنتاج والعمل والتكنولوجيا. معركة المستقبل هى معركة الذكاء الاصطناعى والرقمنة والتكنولوجيا الحيوية والاقتصاد الحديث، وهى أيضا معركة مواجهة البيروقراطية والروتين والفساد وإهدار الوقت والموارد. وإذا كان جيل أكتوبر قد عبر قناة السويس تحت وابل النيران، فإن أجيال اليوم مطالبة بعبور أصعب: أن تجعل مصر دولة أكثر إنتاجًا، وأكثر كفاءة، وأكثر عدالة وأن تحول طاقة شبابها إلى قوة حقيقية فى بناء المستقبل.
إن مصر لا تحتاج إلى شعارات عن روح أكتوبر بقدر ما تحتاج إلى تحويل هذه الروح إلى سلوك يومى: مسئول يعمل، وموظف يؤدى واجبه، ومواطن يحترم القانون، ومؤسسة تحاسب المقصر، ودولة لا تتردد فى مواجهة الفساد أيا كان موقع مرتكبه. هكذا فقط يصبح النصر مدرسة، وتصبح تضحيات الشهداء طريقا للمستقبل لا مجرد ذكرى فى كتب التاريخ.
وفى ذكرى السادس من أكتوبر، تبقى التحية واجبة لأرواح شهدائنا الأبرار، الذين دفعوا حياتهم ثمنا لبقاء الوطن وكرامته، فى حرب أكتوبر وفى معركة مواجهة الإرهاب. وتبقى مصر، رغم كل العواصف، قادرة على العبور ما دامت تمتلك جيشا وطنيا، وشعبا يعرف قيمة وطنه، وإرادة سياسية تدرك أن الأوطان لا تُحمى بالتمنيات وإنما بالقوة والعمل والوعى.
رحم الله شهداء مصر.. وتحيا مصر قوية عزيزة، قادرة على العبور دائما.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض