الناصية
من بعد انتهاء حرب أكتوبر، وعاد من عاد من الضباط والجنود بالنصر العظيم إلى بيوتهم قبل ٥٣ عامًا، ونحن نستمع إلى حكايات وقصص رواها جنود وضباط فى لقاءات صحفية وتليفزيونية، على مهلٍ أحيانًا، وبصوتٍ تخونه الذاكرة أحيانًا أخرى عن الشجاعة والتضحية، وعن لحظات إنسانية عاشوها حين عبروا قناة السويس، واقتحموا خط بارليف، وواجهوا الموت وهم يؤدون واجبهم تجاه وطنهم.. ولكن كل عام تنقص حكاية من الحكايات برحيل بطل من أبطالها.. ولم ندرك حتى الآن أنه سيأتى يوم ستنتهى آخر حكاية برحيل آخر بطل من أبطال حرب أكتوبر!
وما زالت هناك شهادات حية وذاكرة لم تغلق أبوابها بعد لكن الوقت ليس فى صالحنا، فكل شاهد يرحل، قد يأخذ معه فيلمًا لم يُكتب، وحكاية لم تُروَ، وبطولة ربما لن يعرفها التاريخ إلا متأخرًا، خاصة أن أبطال أكتوبر استمروا فى رواية قصصهم البطولية.. رغم أن معظمهم لم تمنحهم الحياة بأعبائها الفرصة ولا الوقت لرواية كل حكاياتهم التى عاشوها وشاهدوها وحققوا من خلالها انتصارهم المعجزة.. رغم أنهم كانوا يخوضون حربًا أخرى أصعب وأقسى بعد انتهاء حرب أكتوبر بالجرى وراء لقمة العيش بعد أن أغرقتهم سياسات الانفتاح الاقتصادى وسط التجار والهباشين الذين ساوموهم على شرفهم وكرامتهم وحياتهم كلها للحصول من الجمعية على فرخة مجمدة؟
ومع ذلك كم قصة ما زالت باقية حبيسة ذاكرة صاحبها؟ وكم بطولة مركونة داخل أرواح صُناعها؟ وكم جنديا أو ضابطا عاش تجربة تصلح لأن تكون فيلمًا سينمائيًا متكاملًا، بما تحمله من صراع وخوف وشجاعة وفقد وانتصار؟!.. مئات القصص والحكايات والبطولات تنتظر من يرويها ومن يستمع إليها!
وربما تكمن المشكلة فى أننا تعاملنا مع حرب أكتوبر باعتبارها مناسبة للاحتفال أكثر من كونها كنزًا من القصص الإنسانية والتاريخية التى تحتاج إلى توثيق وإعادة تقديم للأجيال الجديدة!
ولو أن الدولة المصرية قررت، منذ عام 1973، إنتاج فيلم روائى واحد عن حرب أكتوبر، مستندًا إلى شهادات أبطالها، لكان لدينا اليوم ما لا يقل عن 52 فيلمًا عن أكتوبر، توثق زوايا مختلفة من الحرب، وتقدم أبطالًا مختلفين، وتحكى قصصًا لا يعرفها كثيرون!
إن توثيق أكتوبر لا يعنى تكرار مشاهد العبور والمعارك نفسها، وإنما البحث عن «الإنسان الذى صنع هذا الانتصار».. الضابط الذى اتخذ قرارًا مصيريًا بحياته، والطبيب الذى أنقذ عشرات الأرواح، والجندى الذى استشهد ولم يعرف أحد تفاصيل بطولته!
ولا محالة سيأتى عام ويختفون من حياتنا وتختفى معهم حكاياتهم.. يرحلون وترحل معهم الحكايات ولن يتبقى لنا من النصر.. ولا حكاية واحدة!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض