الدكتورة ليلى شعراوى تكتب: النفسية لا تصنع السرطان لكنها جزء من رحلة الوقاية والعلاج
في أكتوبر الوردي، نتحدث كثيرًا عن سرطان الثدي، لكن هناك جملة تتكرر وتحتاج إلى تصحيح: «الحزن والضغط النفسي يسببان السرطان».
هذه العبارة تبدو مقنعة، لكنها ليست بهذه البساطة علميًا، وقد تكون قاسية جدًا على المرأة التي أصيبت بالفعل.
فالمرأة لم تُصب بالسرطان لأنها حزنت أكثر مما ينبغي، ولا لأنها لم تكن إيجابية بما يكفي.
حتى الآن، لا توجد أدلة علمية ثابتة تسمح لنا باعتبار الضغط النفسي وحده سببًا مباشرًا للإصابة بسرطان الثدي. وتشمل عوامل الخطر المعروفة العمر، والعوامل الوراثية والتاريخ العائلي، والسمنة، والكحول، والتدخين، وبعض العوامل الإنجابية والهرمونية والتعرض السابق للإشعاع. كما تؤكد منظمة الصحة العالمية أن كثيرًا من النساء المصابات لا يكون لديهن عامل خطر قابل للتعديل واضح سوى الجنس والعمر.
إذن، هل معنى ذلك أن الحالة النفسية لا تهم؟
على العكس.
الضغط النفسي المزمن يستطيع أن يؤثر في النوم والتركيز والمزاج، وقد يرتبط بصورة غير مباشرة بسلوكيات صحية أقل جودة، مثل قلة الحركة أو التدخين أو الإفراط في الطعام أو الكحول. وبعض هذه العوامل يرتبط بالفعل بخطر الإصابة بأنواع من السرطان. لكن هذا يختلف علميًا تمامًا عن القول إن «الحزن صنع الورم».
وهذا التفريق مهم؛ لأننا لا نريد أن نضيف إلى خوف المرأة شعورًا بالذنب.
بعد تشخيص سرطان الثدي، يصبح الجانب النفسي أكثر وضوحًا. فالمرأة لا تواجه ورمًا فقط؛ قد تواجه خوفًا من العلاج، ومن تغير شكل الجسد، ومن فقدان الشعر أو الثدي، ومن الألم، ومن المستقبل، ومن عودة المرض بعد انتهاء العلاج.
وقد تجد نفسها أمام نصائح من نوع: «لازم تكوني قوية»، «متفكريش»، «خليكي إيجابية».
لكن الدعم النفسي الحقيقي لا يطلب من المريضة أن تبتسم طوال الوقت.
الخوف بعد التشخيص ليس فشلًا نفسيًا، والحزن لا يعني أن المرأة ضعيفة.
هنا يأتي دور العلاج المعرفي السلوكي CBT كجزء داعم من الرعاية النفسية المصاحبة للعلاج الطبي، وليس بديلًا عنه. وتوصي إرشادات الجمعية الأمريكية لعلم الأورام السريري بالعلاج المعرفي السلوكي ضمن التدخلات المبنية على الدليل للتعامل مع أعراض القلق والاكتئاب لدى البالغين المصابين بالسرطان أو الناجين منه.
يساعد CBT المرأة على ملاحظة الأفكار التي تضاعف معاناتها، مثل: «أكيد النهاية سيئة»، أو «لن أعود كما كنت»، أو «إذا شعرت بالخوف فهذا يعني أنني لا أقاوم المرض جيدًا».
والهدف ليس استبدال هذه الأفكار بتفاؤل مصطنع، وإنما اختبارها بصورة أكثر واقعية: ما الذي أعرفه طبيًا بالفعل؟ وما الذي أخاف حدوثه؟ وما الشيء الذي أستطيع فعله اليوم؟
ثلاثة أسئلة بسيطة تفصل بين الحقيقة الطبية وبين السيناريو الذي يصنعه الخوف.
ويمكن استخدام المبدأ نفسه قبل الفحص. بعض النساء يؤجلن زيارة الطبيب لأن فكرة اكتشاف شيء مخيف تصبح أكثر احتمالًا نفسيًا من فكرة الفحص نفسها. التجنب يخفف القلق مؤقتًا، لكنه لا يوفر حماية.
لذلك قد تكون الخطوة السلوكية الأهم في أكتوبر الوردي بسيطة جدًا: لا تجعلي الخوف يقرر موعد فحصك. ناقشي مع طبيبك الفحوص المناسبة لعمرك وتاريخك الشخصي والعائلي، ولا تؤجلي تقييم أي تغير مقلق في الثدي بسبب الخوف من النتيجة.
فالاهتمام بالصحة النفسية لا يعني أننا نستطيع التفكير بطريقة تمنع السرطان، كما أن الإصابة لا تعني أن المرأة أخفقت في حماية نفسها نفسيًا.
العقل والجسد يتفاعلان، نعم، لكن احترام هذا التفاعل يقتضي ألا نحوله إلى خرافة طبية أو لوم للمريضة.
في أكتوبر الوردي، رسالتنا للمرأة يجب أن تكون أكثر رحمة وأكثر علمًا:
اعتني بنفسك النفسية لأنها تستحق العناية، وافحصي صحتك لأن الاكتشاف المبكر مهم، وإذا جاء المرض فلا تحملي نفسك ذنبًا لم يثبته العلم.
العلاج الطبي يعالج السرطان، والدعم النفسي يساعد المرأة على عبور الرحلة بقدرة أفضل على التعامل مع الخوف والقلق والتغيرات التي فرضها المرض.
فالقوة ليست أن تقولي لنفسك «لن أخاف»… القوة أن تعرفي ماذا تفعلين عندما يأتي الخوف، وألا تسمحي له بأن يمنعك من طلب الفحص أو العلاج أو الدعم الذي تحتاجينه.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض