رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى


رحلت الدكتورة رتيبة الحفني في سبتمبر 2013، أي منذ ثلاثة عشر عامًا، لكن الذين يعرفون قيمة الرجل والمرأة الذين يتركون أثرًا حقيقيًا في الحياة يدركون أن بعض الناس لا يرحلون حين يغيبون، لأن أعمالهم تظل شاهدة عليهم، ولأن ما زرعوه يواصل النمو حتى بعد أن يغيب صاحب الزرع.
وهكذا هي الدكتورة رتيبة الحفني.
ثلاثة عشر عامًا مضت على رحيلها، وما زالت بصماتها حاضرة في مهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية، وما زالت أسماء من اختارتهم وقدمتهم تقف على مسرح المهرجان، وكأنها تقول لنا كل عام: أنا هنا.. لم أغب.
كانت رتيبة الحفني وراء تقديم أسماء أصبحت اليوم جزءًا من ذاكرة المهرجان وتاريخه، ومن بينهم محمد الحلو، وعلي الحجار، ونادية مصطفى، ومدحت صالح، وغادة رجب، والمطرب المغربي فؤاد زبادي، كما قدمت خالد سليم.
وأنا أذكر هذه الأسماء تحديدًا دون غيرها، لأنهم من المشاركين في دورة هذا العام، ولأن وجودهم اليوم على مسرح المهرجان يعيدنا بالضرورة إلى المرأة التي آمنت بهم وقدمتهم في وقت كان فيه تقديم الفنان الجديد يعني أن تمنحه فرصة حقيقية، لا مجرد مساحة عابرة على هامش برنامج.
ومن هنا أقولها بوضوح: هذه السيدة تستحق أن تُكرَّم في كل عام، في افتتاح المهرجان وختامه، وأن يُذكر اسمها بالخير أمام الفنانين والجمهور، لا باعتبارها صفحة من الماضي، وإنما باعتبارها واحدة من الذين صنعوا هذا الماضي الذي يعيش منه المهرجان حتى اليوم.
وأوجه كلامي هنا إلى الذين يديرون المهرجان:
ماذا قدمتم؟
أين الأفكار الجديدة؟
أين النجوم الذين اكتشفتموهم؟
وأين المشروع الذي يضيف إلى ما تركته رتيبة الحفني؟
وبصراحة شديدة، ودون مواربة، فإنني أرى أن الوحيدة التي سارت على دربها، وظلت الأمور في عهدها تسير بروح ما تعلمته منها، كانت تلميذتها جيهان مرسي.
وهذه ليست مجاملة، وإنما شهادة حق.
جيهان كانت الذراع اليمنى لرتيبة الحفني، وكانت قريبة منها لسنوات طويلة، تعلمت منها كل شيء، وعرفت كيف تدار الأمور، وكيف يُبنى المهرجان، وكيف يُفكر في الدورة القادمة قبل أن تنتهي الدورة الحالية.
واليوم تجلس جيهان مرسي في منزلها، بكل ما تحمله من خبرات وخيرات هذه الرحلة الطويلة.
ثم جاء هاني فرحات واجتهد، وجاء خالد داغر واجتهد، ولكل منهما تجربته واجتهاده، لكن جيهان كانت تمتلك شيئًا مهمًا للغاية؛ كانت تمتلك الخيوط كلها، لأنها كانت تلميذة صاحبة المشروع الأصلي، وكانت تعرف كيف تمسك بخيوط المهرجان من دون أن تقطعها.
وأتصور أن هناك أسماء أخرى عملت مع الدكتورة رتيبة الحفني، ولا أعرف على وجه الدقة من منهم ما زال موجودًا في إدارة المهرجان، ومن ابتعد، لكن المؤكد أن الاستفادة من هذه الخبرات أصبحت ضرورة، وليست رفاهية.
المهرجان القادم يحتاج إلى إدارة جديدة تمامًا.
وأقصد إدارة تبدأ العمل من أول ديسمبر المقبل، فور انتهاء الدورة الحالية للمهرجان والمؤتمر، وليس إدارة تنتظر حتى تقترب الدورة الجديدة، ثم تبدأ في البحث عن المتاح، وتقبل بالأمر الواقع، وتتعامل مع الوقت باعتباره خصمًا لا شريكًا.
تخيلوا أن الدكتورة رتيبة الحفني، التي كنت قريبًا منها لفترة طويلة، كانت تحصل على إجازة شهر واحد فقط بعد انتهاء المهرجان، ثم تبدأ فورًا في الإعداد للدورة الجديدة.
شهر واحد فقط!
وكانت تستفيد حتى من مشاركات الفنانين والعلماء في المؤتمر؛ فإذا وجدت بينهم فنانًا أو عالمًا ترى أن وجوده يمكن أن يضيف إلى المهرجان في دورته التالية، كانت تبدأ من اللحظة نفسها في التفكير والتواصل والترتيب.
كانت تعمل للمستقبل وهي ما زالت تعيش الحاضر.
أما الآن، وللأسف، يبدأ كل شيء متأخرًا، حتى يصبح المتاح هو الاختيار الوحيد، وحتى تصل الأمور أحيانًا إلى مرحلة يصبح فيها مجرد وجود الفنان مكسبًا، بدلًا من أن يكون وجوده جزءًا من رؤية فنية متكاملة.
وهنا يكمن الفارق بين إدارة مهرجان وإدارة مشروع ثقافي وفني له ذاكرة ومستقبل.
الدكتورة رتيبة الحفني لم تكن تدير مهرجانًا من دورة إلى دورة، وإنما كانت تبني مؤسسة تعيش بعد الأشخاص.
ولهذا بقيت هي بعد رحيلها.
وبقي الذين اكتشفتهم.
وبقيت أفكارها.
وبقيت طريقتها في العمل.
بل إن بعض الذين يديرون المهرجان اليوم يعيشون، من حيث يعلمون أو لا يعلمون، على ما وضعته هي من قواعد وأسست له من تقاليد.
وأذكر هنا واقعة شخصية ربما لا يعرفها كثيرون:
الشيء الوحيد الذي استطعت، وأنا في اللجنة التحضيرية، أن أنتزعه للدكتورة رتيبة الحفني، هو إطلاق اسمها على المسابقة الرسمية للمهرجان.
فعلت ذلك لأنني كنت أعرف قيمتها، وكنت أرى أن أقل ما يمكن أن نقدمه لامرأة أعطت عمرها للموسيقى العربية هو أن يحمل أحد أهم أوجه المهرجان اسمها.
لم أفعل ذلك بحثًا عن مجاملة، ولا عن تكريم عابر، وإنما لأنني كنت أعرف أن الأسماء الكبيرة لا ينبغي أن تتحول إلى صور معلقة على جدران الذاكرة.
الذين صنعوا المهرجان يستحقون أن تظل أسماؤهم حاضرة في قلبه.
ورتيبة الحفني واحدة من هؤلاء.
رحم الله الدكتورة رتيبة الحفني، التي رحلت منذ ثلاثة عشر عامًا، لكنها ما زالت حاضرة كلما وقف محمد الحلو، أو علي الحجار، أو نادية مصطفى، أو مدحت صالح، أو غادة رجب، أو فؤاد زبادي، أو خالد سليم على مسرح مهرجان الموسيقى العربية.
هؤلاء ليسوا مجرد أسماء في برنامج دورة جديدة، وإنما بعض من تركت رتيبة الحفني بصمتها في طريقهم.
ولذلك، فإن تكريمها لا ينبغي أن يكون مناسبة عابرة، ولا كلمة تقال مرة كل عدة سنوات.
لابد أن تُذكر في كل افتتاح، وفي كل ختام، لأن من لا يعرف فضل الذين صنعوا الأمس، لن يستطيع أن يصنع غدًا أفضل.
المهرجان لا يحتاج فقط إلى من يديره...
بل يحتاج إلى من يؤمن به، ويعرف تاريخه، ويحترم ذاكرته، ويملك شجاعة أن يبدأ صناعة المستقبل قبل أن ينتهي الحاضر.
وهذا، في ظني، هو الدرس الأخير الذي تركته لنا رتيبة الحفني.