رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

 

 

تفتح هاتفك فى الصباح، فتجد زميلًا يحتفل بترقية، وصديقًا يلوّح من شرفة فيلا صف أول فى شاطئ عجيبة، وكاتبًا أصغر منك يرفع كتابه الجديد. لم تغادر فراشك، لكنك تشعر بأنك تأخّرت عن الحياة. تضع قدميك على الأرض، وتحمل إلى يومك عبئًا لم يكن فيه بالأمس: لماذا سبقوني؟

من اليابان تأتينا حكمة قد تُرخى هذه القبضة على صدورنا: «أوبايتوري». يتألّف اسمها من أربعة مقاطع تشير إلى أزهار الكرز، والبرقوق، والخوخ، والمشمش. تتجاور هذه الأشجار، ولكلٍّ منها طبيعتها وموعد تفتّحها؛ فلا تطلب الحديقة من الخوخ أن يستعير وجه الكرز، ولا تُكره الأغصان على أن تزهر معًا.

فى هذه الصورة فهم رقيق لاختلاف البشر: لكل إنسان رحلته وإيقاع نموّه، ولكل موهبة موسمها. قد يتفتّح أحدنا مبكرًا، ويحتاج آخر إلى سنوات من التعلّم والتعثّر قبل أن يجد طريقه. وما يبدو سكونًا على السطح قد يخفى جذورًا تشقّ التراب بصبر. لذلك تدعونا «أوبايتوري» إلى احترام مسارنا، والكفّ عن اتخاذ حياة الآخرين ساعةً نحاسب بها أعمارنا.

وللفكرة قرابة مع الرواقية فى الغرب. يميّز الفيلسوف إبكتيتوس بين ما يدخل فى قدرتنا وما يفلت منها؛ نستطيع تهذيب أحكامنا وتوجيه أفعالنا، لكننا لا نملك مواقع الآخرين ولا توقيت نجاحهم.

وفى ثقافتنا المصرية نقول: «كل شيء بأوانه». تكتسب العبارة معناها حين تمنحنا صبرًا على السعي؛ أمّا الثمر فيحتاج إلى مَن يسقيه. وتفاوت الفرص يفرض علينا أن نسأل عن التربة أيضًا: فالشجرة المحرومة من الضوء تحتاج إلى نافذة، والإنسان يحتاج إلى فرصة تُنصف جهده.

تشتدّ حاجتنا إلى هذه النظرة حين تعرض الشاشات مواسم الآخرين الزاهية طوال العام. نرى صورة الجائزة، وتغيب الليالى أمام صفحة عصيّة. نرى مكتبًا جديدًا، وتغيب طلبات التوظيف التى عادت بلا جواب. نقارن يومنا كاملًا بلقطة منتقاة من يوم غيرنا، ثم نخرج من المقارنة مجروحين.

فلنبدأ بخطوات ملموسة: نقلّل متابعة الحسابات التى تستنزفنا، ونحدّد وقتًا للشاشة، ونفرح بنجاح صديق دون أن نحوّله إلى حكم على أنفسنا. وحين نشارك تجربتنا، نُظهر شيئًا من الطريق: المحاولة المتعثّرة، والتعديل، والانتظار. يحتاج مَن يقرأ إلى رؤية الجذور بقدر حاجته إلى رؤية الزهر.

وفى العمل، نستبدل بسؤال «أين وصل زملائي؟» أسئلة أقرب إلى حياتنا: ماذا تعلّمت هذا العام؟ أيّ عمل يمنحنى الحيوية والمعنى؟ وما الخطوة التى أستطيع إنجازها هذا الأسبوع؟ لن تمحو هذه الحكمة القلق كلّه، لكنها تخفّف ما نضيفه إليه من جلد الذات، وتمنحنا نَفَسًا يحتمل طول الطريق.

وأقول لمن أوجعه السباق: لا تجعل من ساعة غيرك قيدًا على عمرك، ولا تدفن بذرتك لأن حديقة جارك أزهرت. مدّ جذورك فى العتمة، وافتح للضوء نافذة، وامنح تعبك فرصة أن يثمر كما يوقظ الربيع فى الشجرة ما حفظته حيًّا طوال فصل الشتاء.