عاجل
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
علاء العطار
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
علاء العطار

توارث مهمته عن عائلته وحكم على ابنه

أشهر قاضي عُرفي بالجيزة: نحتاج قانونًا ينظم عمل المجالس العُرفية ويمنحنا صلاحيات (حلقة 3)

لقطة من إحدى المجالس
لقطة من إحدى المجالس العُرفية

في ظل لجوء أطراف النزاعات إلى المجالس العُرفية؛ كوسيلة لإنهاء الخلافات وتسوية الخصومات بعيدًا عن ساحات القضاء الرسمية، تتردد تساؤلات عدة حول طبيعة هذه المجالس، وحدود عملها واختصاصاتها، وصلاحيات القائمين عليها، ومدى حجية ما يصدر عنها من أحكام، وآليات التنفيذ.

 

وفي هذا الحوار، يكشف القاضي العُرفي حسن عبدالمنعم عبدالدايم، الذي ينتمي إلى عائلة توارثت هذا الدور لأكثر من 200 عام، لـ "الوفد"، تفاصيل عمل المجالس العُرفية، بدءًا من سبب اختيار رئيس المجلس وأعضائه، مرورًا بالمداولة وإصدار الأحكام وتحديد الغرامات، وصولًا إلى طبيعة العلاقة مع أجهزة الشرطة ودورها تجاه هذه الجلسات.

 

إلى نص الحوار..
 

في البداية، عرفنا بنفسك؟

اسمي حسن عبدالمنعم عبدالدايم، أنا قاضي عرُفي، أعيش بإحدى قرى الجيزة، توليت هذه المهمة أبًا عن جد، فـ منذ أكثر من 200 عامًا توجت عائلتنا بهذه المهمة، والمعروفة بعائلة "العمدة سعودي"،  فأكثر من ثلاثة أجيال في العائلة تولت أدوارًا مرتبطة بهذا العمل، جدي كان مأذونًا شرعيًا لمدة 36 عامًا، ووالدي استمر بعده وكان يشارك في المجالس العرفية.

وكانت المجالس العرفية تُعقد قديمًا بدعوة من المركز أو نقطة الشرطة، وكان والدي يذهب للمشاركة فيها، وبعد وفاته اختارني الناس لتولي هذا الدور والقيام به.

 

من هو القاضي العرفي؟ وما طبيعة عمله؟

القاضي العرفي هو شخص يلجأ إليه طرفان بينهما خلاف أو نزاع، بهدف حل المشكلة قبل وصولها إلى المحاكم أو تحرير محاضر رسمية، لمنع تفاقم الخلافات وحقنًا للدماء، وذلك بإنهاء النزاع بالتراضي، ويتكون المجلس العرفي من قاضيًا وعدد من الأعضاء، يسمعون جميع الأطراف ثم يشرعون في التداول فيما بينهم ثم إصدار الحكم بما يروه محققًا للعدل، وذلك بهدف منع العداوة بين العائلات، وتتميز الجلسات العُرفية بأنها تتسب في نشر التسامح والعفو بين المتشاحنين.
 

إذن اختيارك كـ قاضٍ عُرفي هو امتداد عائلي؟

لا، بغض النظر عن كونه امتداد عائلي، فالناس أيضًا اختاروني، والشرطة في المركز والنقطة يعرفونني ويعرفون دوري، وفي بعض الحالات، عندما يذهب شخص يرى نفسه متضرر إلى النقطة لتحرير محضر ضد طرف آخر، يقولون له: "اذهب إلى الحاج حسن الأول ولو فشلتم في الصلح تعالوا عندنا".

هل هناك مقابل يحصل عليه القاضي العُرفي؟

أبدًا.. أنا أحكم بما يرضي الله، وأكون حريص على أن أحكم بالفضل لا بالعدل في بعض القضايا، ولم يسبق لي أبدًا أنني آخذت أي أموال من أحد مقابل الحكم.


هل سبق لك أن حكمت ضد شخص قريب منك؟

نعم.. فقد حكمت ضد ابن أخي، وصدر الحكم بتغريمه بمبلغ 300 ألف جنيه، واعتذرت لأسرة الطرف المُتضرر في المسجد وأمام جميع الحضور، وأنا من أعطيتهم المبلغ الذي حكمت به.

وأيضًا حكمت على ابني، فكان يعمل في توزيع أسطوانات الغاز ضمن لجنة شعبية، وكان هناك تنظيم للصفوف للرجال والنساء حتى لا تحدث مشكلات.


دخل شخص بدراجته النارية وكان يريد تجاوز الصف، فطلب منه أحد الموجودين الانتظار، لكنه تعدى عليه بالضرب، وكان ابني هو المسؤول عن التوزيع، وعندما عرفت الواقعة حكمت على ابني أيضًا، لأنه خالف ما طلبته منه وذهب إلى المكان رغم أنني قلت له ألا يذهب.

 


على أي أساس تُحدد العقوبة أو الغرامة في القضايا المنظورة خلال المجلس العُرفي؟

 

الأمر يختلف بحسب طبيعة الإصابة أو الواقعة، فالإصابة في الوجه تختلف عن الإصابة في الرأس أو الجسم، والإصابات الظاهرة تختلف عن الإصابات الداخلية.

فالوجه تكون عقوبته كبيرة، فهو مُكرم من الله ورسوله، لذا فإن الإصابة التي تترك أثرًا ظاهرًا في الوجه مثلًا تكون قيمتها أكبر، من أي إصابة داخل الجسم ومستورة.

 

بعد النطق بالحكم الصادر عن المجلس العُرفي.. هل يتم توثيقه؟

بعد انتهاء المجلس، يتم تحرير محضر بما تم الاتفاق عليه خلال الجلسة، ولضمان الالتزام بتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، يُجبر الطرفان المتنازعان بالتوقيع على شرط جزائي، ويتم تحديد قيمة الشرط الجزائي وفقًا للخلاف وطبيعة القضية محل الفصل.

وأنا شخصيًا أحب أن يكون الشرط الجزائي كبيرًا حتى يلتزم الطرفان بالحكم الصادر، ومنع  أي تجاوز قد يصدر من طرف تجاه الآخر، والهدف من ذلك ضمان تنفيذ الحكم.

 

في حال رفض أيٍ من أطراف النزاع الحكم الصادر عن المجلس.. ماذا يحدث؟

 

المتضرر الذي يأتي إلى المجلس وكذلك الجاني يكون قد وافق في البداية على أن نكون نحن هيئة الحكم، ويكون راضيًا بالحكم أيًا كان طبيعته. وأنا أشرح له قبل أن يبدأ في الحديث طبيعة المجلس وآلية عمله، وأسأله قبل البدء هل أنت راضٍ عني كحَكَم وقاضي وعن اللجنة الموجودة معي أم لا، وإذا وافق يكون ملتزمًا بالحكم الذي يصدر عنه، وإذا تخلف فهناك شرط جزائي.

ويوقع الطرفان على محضر للمجلس العرفي، كما يتم التوقيع على إيصال أمانة، وذلك في إطار ما يتم الاتفاق عليه لضمان الالتزام بالحكم.
 

هل توجد حماية أمنية أثناء انعقاد المجالس العرفية؟

يحدث ذلك فقط في القضايا الكبيرة التي تتضمن قتل أو قضايا تمس الشرف، فيكون ذلك بعلم الشرطة، ويكون هناك تأمين، منعًا لحدوث أي عنف على هامش المجلس. إلا أن قضايا الخلافات الصغيرة والبسيطة لا تحتاج إلى ذلك.

برأيك.. هل نحتاج إلى قانون خاص ينظم عمل المجالس العرفية؟

نعم.. أرى أنه لابد من وجود  قانون لتنظيم المجالس العُرفية ينظم عملها،  ويضمن وجود صلاحيات للقاضي العُرفي ويحدد أيضًا كيفية تنفيذ الأحكام.

 

لماذا ترى أن وجود صلاحيات لرئيس المجلس العرفي أمر ضروري؟

رئيس المجلس العرفي بحاجة لصلاحيات، لأنه يقوم بدور مهم وحيوي في حل المشكلات والقضايا ومنع تطورها، فيجب أن تكون هناك آلية واضحة لتنفيذ الأحكام، وأن تكون هناك صلاحيات للقاضي، تمكنه من مباشرة عمله بقوة وحزم.

حدثنا عن أغرب القضايا التي نظرتها؟

قد حدث في إحدى القضايا أنني حكمت على أحد الأشخاص بشرط جزائي قيمته مليون جنيه، ولكنه تعنت ورفض التنفيذ، وعندما لم يلتزم، حصل الطرف الآخر على صورة من محضر المجلس العرفي وقدمها إلى القاضي، وقام القاضي  بالحكم للمتضرر بالحكم نفسه، وهذا يوضح أن وجود آلية قانونية واضحة يمكن أن يسهل الأمر على الجميع.

 

ما أصعب وأقسى حُكم صدر من مجلسك العُرفي؟

حكمت بطرد  ثلاث حالات من القرية بأكملها قبل طلوع نهار ذات اليوم الذي أصدرت فيه الحكم، وبالفعل تم التنفيذ. وكان ذلك بسبب وقائع رأيت أنها تمس الشرف.

في رأيك.. مثل هذه الأحكام تحتاج إلى إطار قانوني واضح؟


نعم، فيجب أن تكون هناك صلاحيات واضحة لرئيس المجلس العرفي، وأن يكون هناك قانون يحدد هذه الصلاحيات، إلى جانب وجود حماية شرطية في الجلسات الكبيرة، خاصة عندما تكون القضية متعلقة بالقتل أو الشرف أو نزاعات قد تتطور.

 

لماذا تحديدًا تطالب بالحماية الشرطية؟

منعًا لأي عنف قد يحدث على هامش الجلسات، لأن المجلس العرفي يهدف لحقن الدماء خاصة في قضايا الثأر والقتل والشرف، ولذلك يجب تأمين الجلسات التي تتناول قضايا كبيرة. فوجود الشرطة يضمن عدم دخول أي شخص إلى الجلسة بسلاح، ويمنع تطور الأمور.

 

قلت في حديثك أن الشرطة يجب أن تتولى تنفيذ الأحكام الصادرة عن المجلس العرفي.. لماذا؟

أرى أننا بحاجة إلى وجود آلية تنفيذ واضحة. فرئيس المجلس العرفي يصدر الحكم وفق الصلاحيات التي يمنحها له القانون، والجهات المختصة تتولى متابعة التنفيذ. وهذا من شأنه أن يخفف العبء عن الشرطة والمراكز، بدلًا من تحرير محاضر جديدة في كل مشكلة.

 

هل سبق أن وقعت مشاجرات أو عُنف على هامش المجلس العُرفي؟

لا، بفضل الله.

 

شهدت بعض المجالس العرفية في أماكن أخرى مشاجرات انتهت أحيانًا إلى وقوع قتلى.. كيف تفسر ذلك؟

رئيس المجلس العرفي يجب أن يكون قادرًا على السيطرة على الجلسة. وأنا معروف بالشدة داخل المجلس، والناس التي تأتي إليّ تعرف ذلك ومتقبلة؛ لأنها توقن أن الهدف في النهاية هو الحصول على الحق، فعلى سبيل المثال لا أسمح بالصوت العالي أو بالتجاوز، وأحرص على أن يلتزم الجميع بالهدوء حتى نستطيع الوصول إلى حل.


هل الحكم يصدر بقرار منفرد من رئيس المجلس أم بعد التشاور؟

الحكم ليس منفردًا، بل يكون هناك تشاور بين أعضاء المجلس العُرفي، فنجتمع جميعًا داخل غرفة للمداولة بعيدة عن المجلس، واسمع آراء الجميع وأنا أترك رأيي للنهاية، وبعد ذلك أشرح لهم لماذا وصلت إلى الحكم الذي أصدرته، وأقم بالتصويت عليه، ثم نخرج ونصدره.

 

هل ترى أن هناك حدود لا يمكن للمجلس العرفي تجاوزها؟

نعم.. فجرائم القتل والقضايا الكبيرة والخطيرة يجب أن تكون الجهات الأمنية على علم بها، لأن هذه مسؤولية الأمن.

 

إذ كنا بصدد تشريع قانون لتنظيم المجالس العرفية، فما أهم البنود التي تطالب بإدراجها؟

أطالب بمنح رئيس المجلس العرفي صلاحيات واضحة، ووضع آلية لتنفيذ الأحكام التي يصدرها. فإذا أعطيت رئيس المجلس صلاحيات واضحة، فإن ذلك يسهل عمله، ويساعد على إنجاز القضايا، ويقلل من حجم المحاضر والمشكلات، ويخفف العبء عن الشرطة والمراكز.

 

ما الرسالة الأخيرة التي توجهها بشأن دور المجالس العرفية؟

المجلس العرفي في الأساس هدفه حل المشكلة ومنع تطورها وحقن الدماء. لذلك يجب أن يكون هناك تنظيم واضح للعمل، وصلاحيات محددة، وآلية قانونية لتنفيذ الأحكام، مع توفير الحماية الأمنية للجلسات الكبيرة التي تحتاج إلى ذلك.