يمثل الأمن المائي إحدى القضايا التي تكشف بوضوح العلاقة بين القانون والحياة، فالماء ليس موردًا طبيعيًا عاديًا، وإنما شرط أساسي لاستمرار الإنسان، واستقرار المجتمع، وقدرة الدولة على الوفاء باحتياجاتها الحيوية.
وعندما يكون المورد المائي ممتدًا عبر حدود أكثر من دولة، فإن إدارته تخرج من نطاق القرار الداخلي الخالص إلى نطاق المسؤولية القانونية المشتركة، لأن أثر التصرف في المياه قد يتجاوز مكان اتخاذه، ويمتد إلى الزراعة، والغذاء، والصحة العامة، والبيئة، والاستقرار الاجتماعي.
ومن هنا يكتسب القانون الدولي للمجاري المائية المشتركة أهميته. فهو يضع إطارًا قانونيًا يوازن بين حق الدول في التنمية، وحق الشعوب في الأمن المائي. والتنمية المائية تظل مشروعة متى جرت في إطار من الإنصاف، والتعاون، وتبادل البيانات، والإخطار، وعدم الإضرار، وحسن النية، فالمعيار الحاكم في الموارد المشتركة يتمثل في كيفية استعمال الحق، ومدى مراعاة هذا الاستعمال لحقوق الدول الأخرى ومصالح شعوبها الحيوية.
يقصد بالأمن المائي قدرة الدولة على توفير مياه كافية وآمنة ومستدامة لسكانها وقطاعاتها الأساسية، مع حماية هذا التوافر من المخاطر الجسيمة، سواء نشأت عن ظروف طبيعية أو عن تدابير منفردة ذات أثر عابر للحدود.
وبهذا المعنى، يرتبط الأمن المائي بمياه الشرب، والغذاء، والصحة، والزراعة، والطاقة، والبيئة، والاستقرار الداخلي.
أما المجرى المائي الدولي، فهو مجموعة المياه السطحية والجوفية المرتبطة طبيعيًا، والتي تمتد أجزاؤها أو آثارها إلى أكثر من دولة. ويترتب على ذلك أن النهر أو الحوض المائي لا يُفهم قانونيًا كمقاطع منفصلة، بل كنظام واحد تتفاعل أجزاؤه.
والتخزين أو التحويل أو تغيير نمط التشغيل في موضع من المجرى قد يترك أثره في مواضع أخرى، ولو كانت بعيدة جغرافيًا.
ويقصد بالضرر البالغ والمعتبر قانونًا ذلك الضرر الذي يتجاوز الأثر البسيط أو العادي، ويمس مصلحة حيوية أو استخدامًا مشروعًا لدولة أخرى، مثل مياه الشرب، أو الزراعة، أو الصحة العامة، أو سلامة المنشآت، أو النظم البيئية، أو القدرة على التخطيط المستقر للموارد.
وهذا هو المقصود في اتفاقية الأمم المتحدة لعام ١٩٩٧ بشأن استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية بعبارة «ضرر ذي شأن»، أما العناية الواجبة، فهي التزام الدولة باتخاذ التدابير المعقولة والمتاحة لمنع هذا الضرر أو الحد منه، من خلال الدراسة الفنية، والإخطار، والتشاور، وتبادل البيانات، والتشغيل المأمون.
تقرر قواعد القانون الدولي حق الدولة في الانتفاع بمواردها الطبيعية داخل إقليمها. غير أن هذا الحق يأخذ مضمونًا خاصًا عندما يتعلق بمورد مائي مشترك؛ لأن آثار استخدامه لا تقف بالضرورة عند الحدود السياسية، ومن ثم، فإن السيادة في هذا المجال تمارس باعتبارها سيادة مسؤولة، مرتبطة بحقوق دول المجرى الأخرى وبواجبات التعاون وحسن الجوار.
وعليه، فإن مشروعية أي مشروع مائي كبير لا تستند إلى موقعه الجغرافي وحده، بل إلى أثره الفعلي أو المحتمل، وطريقة تشغيله، ومدى احترامه للاستخدامات القائمة، ودرجة التزامه بالإخطار والتشاور وتبادل المعلومات ووضع قواعد مأمونة للتشغيل.
وهذا الفهم القانوني يدعم التنمية ولا يضعفها؛ لأنه يمنحها استقرارًا وشرعية، ويحول دون تحول المورد المشترك إلى مصدر دائم للقلق أو النزاع.
المبادئ القانونية الحاكمة
تقوم حماية الأمن المائي في القانون الدولي على مجموعة من المبادئ المستقرة، وقد وردت أبرز هذه المبادئ في اتفاقية الأمم المتحدة لعام ١٩٩٧، كما دعمتها الممارسة الدولية وأحكام القضاء الدولي.
أولًا: الانتفاع المنصف والمعقول. تنص المادة الخامسة من اتفاقية ١٩٩٧ على أن تستخدم دول المجرى المائي الدولي هذا المجرى بطريقة منصفة ومعقولة، وأن تشارك في استخدامه وتنميته وحمايته على هذا الأساس.
وتبين المادة السادسة أن تقدير الإنصاف يتم في ضوء عوامل متعددة، منها الظروف الجغرافية والهيدرولوجية والمناخية، والاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية، وعدد السكان المعتمدين على المجرى، وآثار الاستخدام في الدول الأخرى، والاستخدامات القائمة والمحتملة، وحماية المورد، ومدى توافر بدائل عملية.
وهذا يعني أن الإنصاف في المياه لا يقوم على تقسيم حسابي مجرد، بل على موازنة قانونية بين الاحتياجات، والاعتماد، والآثار، والبدائل، فالدولة التي يعتمد شعبها اعتمادًا جوهريًا على مورد مائي دولي تتمتع بمصلحة حيوية لا يجوز إغفالها، كما أن الدولة التي تسعى إلى التنمية تملك حقًا مشروعًا في الانتفاع.
ومن ثم، فإن الطريق القانوني الرشيد يتمثل في تنظيم الاستخدام بما يحقق التنمية دون تعريض الأمن المائي للغير للخطر.
ثانيًا: عدم الإضرار. تقرر المادة السابعة من اتفاقية ١٩٩٧ التزام دول المجرى المائي باتخاذ كل التدابير المناسبة لمنع التسبب في ضرر بالغ ومعتبر قانونًا لدول أخرى، وهذا المبدأ يتعامل مع الأثر الجسيم الذي كان ممكنًا توقعه أو تفاديه أو تخفيفه، ولا يجعل النية وحدها معيارًا كافيًا للحكم على السلوك.
لذلك يظل السؤال القانوني متعلقًا بما إذا كانت الدراسات قد أُجريت، والبيانات قد تبودلت، والإخطار قد تم، والتشاور قد جرى بحسن نية، وقواعد الجفاف والطوارئ قد وُضعت على نحو واضح.
ثالثًا: التعاون وتبادل البيانات. تنص المادة الثامنة من الاتفاقية على تعاون دول المجرى المائي على أساس المساواة في السيادة، والسلامة الإقليمية، والمنفعة المتبادلة، وحسن النية.
كما تقرر المادة التاسعة الالتزام بالتبادل المنتظم للبيانات والمعلومات المتاحة عن حالة المجرى، وبخاصة البيانات الهيدرولوجية والمناخية والبيئية ونوعية المياه، وهذا يجعل التعاون التزامًا قانونيًا عمليًا، لأن التخطيط للزراعة والطاقة ومياه الشرب والطوارئ يحتاج إلى بيانات منتظمة، دقيقة، وقابلة للفحص.
رابعًا: الإخطار المسبق والتشاور. تقرر المادة الحادية عشرة من اتفاقية ١٩٩٧ تبادل المعلومات والتشاور والتفاوض عند الاقتضاء بشأن الآثار المحتملة للتدابير المزمع اتخاذها. كما تلزم المادة الثانية عشرة الدولة التي تخطط لتدابير قد يكون لها أثر ضار محتمل وبالغ بإخطار الدول الأخرى مسبقًا وتزويدها بالبيانات الفنية المتاحة، وتمنح المادة الثالثة عشرة الدولة المخطرة مدة ستة أشهر لدراسة الآثار المحتملة والرد.
وتكشف هذه القواعد أن الإخطار والتشاور ضمانتان قانونيتان لحماية الثقة ومنع المفاجأة، فالدولة المحتمل تأثرها تحتاج إلى فرصة حقيقية لدراسة المشروع وتقدير أثره وتقديم ملاحظاتها على أساس فني وقانوني، قبل أن يصبح الخطر المحتمل أمرًا واقعًا.
خامسًا: تقييم الأثر البيئي والاجتماعي.
أكدت محكمة العدل الدولية، في حكمها في قضية مصانع اللب على نهر أوروجواي عام ٢٠١٠، أن تقييم الأثر البيئي يصبح واجبًا عندما يكون هناك خطر لضرر عابر للحدود، وتكمن وظيفة هذا التقييم في الكشف المبكر عن المخاطر، واقتراح وسائل الوقاية والتخفيف، وبناء الثقة الفنية بين الدول المعنية، لا في تعطيل المشروعات أو مصادرة حق التنمية.
تظهر أهمية المبادئ السابقة بوضوح في المشروعات الكبرى التي تؤثر في التخزين أو التشغيل أو انتظام التدفق، ففي هذه الحالات، يحتاج القانون إلى الانتقال من المبادئ العامة إلى ترتيبات تنفيذية واضحة وملزمة، تحدد قواعد الملء والتشغيل، وتنظم التعامل مع الجفاف والجفاف الممتد والطوارئ، وتنشئ آلية منتظمة لتبادل البيانات، وتوفر طريقًا لتسوية الخلافات الفنية والقانونية، والاتفاق الملزم يمنح التنمية سندًا أقوى، لأنه يحول الالتزامات العامة إلى قواعد قابلة للمتابعة.
كما يحمي جميع الأطراف: يحمي دولة المشروع من اتهامات التعسف، ويحمي الدول المتأثرة من الضرر البالغ والمعتبر قانونًا، ويحمي المورد ذاته من الإدارة المتقطعة أو غير المنسقة، وبوجود قواعد معلومة، تستطيع الدول أن تخطط لمرافقها، وزراعتها، واحتياجات سكانها على أساس أكثر استقرارًا.
البعد الإنساني للأمن المائي
اعترفت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في القرار رقم ٦٤/٢٩٢ لعام ٢٠١٠، بالحق في مياه شرب مأمونة ونظيفة وخدمات صرف صحي بوصفه حقًا إنسانيًا لازمًا للتمتع الكامل بالحياة وسائر حقوق الإنسان، وهذا الاعتراف يضع الأمن المائي في إطاره الأوسع: فهو قضية إنسان وكرامة وحياة مستقرة، قبل أن يكون مسألة منشآت أو حسابات فنية.
المياه التي يعتمد عليها شعب في الشرب والغذاء والعمل تمثل شرطًا للحياة الكريمة، وعنصرًا من عناصر استقرار المجتمع، وجزءًا من واجب الدولة في حماية مواطنيها، ولذلك تتقاطع قواعد القانون الدولي للمياه مع حقوق الإنسان والتنمية المستدامة، وبخاصة الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة المتعلق بضمان توافر المياه وإدارتها إدارة مستدامة للجميع.
أولًا: الموارد المائية العابرة للحدود تخضع لقواعد قانونية تضبط استعمال السيادة وتمنع الإدارة المنفردة التي قد تحدث ضررًا بالغًا ومعتبرًا قانونًا.
ثانيًا: الانتفاع المنصف والمعقول يحقق التوازن بين حق التنمية وحق الأمن المائي، مع مراعاة درجة الاعتماد على المورد ومدى توافر البدائل العملية.
ثالثًا: منع الضرر البالغ والمعتبر قانونًا يفرض التزامًا بالعناية الواجبة، والدراسة، والوقاية، والتخفيف، والتشاور.
رابعًا: الإخطار المسبق، وتبادل البيانات، وتقييم الأثر، أدوات قانونية جوهرية لحماية الثقة ومنع الضرر قبل وقوعه.
خامسًا: المشروعات الكبرى ذات الأثر العابر للحدود تحتاج إلى ترتيبات ملزمة بشأن الملء، والتشغيل، والجفاف، والطوارئ، وتسوية الخلافات
سادسًا: الأمن المائي يرتبط بحقوق الإنسان والتنمية والاستقرار، ولا يصح اختزاله في اعتبارات فنية أو اقتصادية مجردة.
وفي الختام، فإن القانون الدولي للأمن المائي يقوم على فكرة عادلة وبسيطة: المورد المشترك يحتاج إلى إدارة تراعي أثره المشترك، فالماء لا يتحرك وفق الحدود التي ترسمها الخرائط، وآثار استخدامه قد تنتقل من القرار الفني إلى حياة البشر. وكلما التزمت الدول بالإنصاف، والعناية الواجبة، والإخطار، والتعاون، والاتفاقات الملزمة، أصبح المورد المشترك أساسًا للاستقرار بدلًا من أن يكون مصدرًا للقلق. ومن هنا فإن حماية الأمن المائي مطالبة قانونية راسخة بأن تبقى التنمية منسجمة مع الحق، وأن يظل الماء موردًا للحياة والكرامة وحسن الجوار وسيادة القانون.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض