رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

قميص القطن طويل التيلة بـ400 يورو:

صناعة المنسوجات فرصة لإنقاذ اقتصاد

بوابة الوفد الإلكترونية

نزرع القطن ونصدر 90% منه خام.. وإحياء الكتان يفتح أبوابًا جديدة للاستثمار

خبراء: لابد من استراتيجية متكاملة تبدأ من الزراعة وتنتهى بالملابس الجاهزة 

5,4 مليار دولار صادرات مصر من المنسوجات مقابل 35 مليارًا لبنجلاديش

على مدار آلاف السنين، ارتبط اسم مصر بصناعة الكتان والقطن، وامتلكت البلاد تاريخًا بارزًا فى إنتاج وتصنيع المنسوجات، إلا أن هذه المكانة تراجعت تدريجيًا، بالتزامن مع انخفاض المساحات المزروعة بالقطن طويل التيلة وتراجع صناعة الكتان، لتصبح الفجوة واضحة بين ما تمتلكه مصر من خامات ذات قيمة مرتفعة وما تحققه من قيمة مضافة بعد التصنيع. وبينما يتجه جانب كبير من القطن طويل التيلة إلى التصدير فى صورته الخام، لا تزال صناعة الكتان تبحث عن استعادة حضورها داخل السوق المحلية.

ويفتح هذا الواقع تساؤلات حول أسباب تراجع الصناعات القائمة على القطن والكتان، ومدى قدرة مصر على تحويل مزاياها الزراعية والتاريخية إلى صناعة نسيجية متكاملة تبدأ من المحصول وتنتهى بالمنتج النهائى، بما يعزز الصادرات ويوفر العملة الصعبة. 

خالد البحيرى، المدير التنفيذى لغرفة الصناعات النسيجية
خالد البحيرى، المدير التنفيذى لغرفة الصناعات النسيجية

وتعليقا على ذلك قال خالد البحيرى، المدير التنفيذى لغرفة الصناعات النسيجية، إن صناعة الكتان تراجعت تدريجيًا على مدار السنوات الماضية، حتى وصلت إلى مستويات محدودة للغاية، موضحًا أن إعادة إحياء هذه الصناعة ودمجها بصورة أكبر مع منظومة الصناعات النسيجية يمكن أن يمثل خطوة مهمة نحو دعم الإنتاج المحلى وتعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة.

وأضاف البحيرى فى حديثه لـ«الوفد»، أن صناعة الكتان تمتلك فرصًا كبيرة للمساهمة فى توفير العملة الصعبة، سواء من خلال زيادة الإنتاج المحلى أو التوسع فى التصدير.

وأوضح أن مصر تمتلك ميزة مهمة فى مجال القطن طويل التيلة، الذى يتمتع بسمعة جيدة فى الأسواق العالمية، إلا أن الاستفادة المحلية منه لا تزال محدودة، فى ظل توجيه النسبة الأكبر من إنتاجه إلى التصدير فى صورته الخام، بينما يتم تصنيع المنتجات النهائية فى الخارج.

وأشار إلى أن مصر تصدر القطن طويل التيلة إلى الأسواق الأوروبية، فى الوقت الذى لا تستفيد فيه بصورة كافية من القيمة المضافة الناتجة عن تحويل هذا القطن إلى منتجات نهائية، مستشهدًا بأن القميص المصنوع من القطن المصرى قد يصل سعره إلى نحو 300 أو 400 يورو، وهو ما يعكس الفارق الكبير بين قيمة تصدير الخام وقيمة المنتج النهائى بعد التصنيع.

وأكد «البحيرى» أن تعظيم القيمة المضافة للقطن المصرى يتطلب التوسع فى عمليات التصنيع المحلية، وتوفير الآلات والمعدات اللازمة للتعامل مع القطن طويل التيلة وإنتاج الخيوط والأقمشة والملابس الجاهزة منه، بدلًا من اقتصار الاستفادة منه على تصديره خامًا.

وفى المقابل، أوضح أن صناعة الملابس والمنسوجات فى مصر تعتمد بدرجة كبيرة على القطن قصير ومتوسط التيلة، نظرًا لانخفاض تكلفته مقارنة بالقطن طويل التيلة، فضلًا عن اتساع نطاق استخدامه فى العديد من الصناعات، ومن بينها صناعة الملابس والجينز.

ولفت إلى أن وزارة الزراعة سبق أن رفضت مقترحات لزراعة القطن قصير التيلة فى مصر، خشية اختلاط تقاويه بأصناف القطن طويل التيلة، بما قد يؤدى إلى حدوث خلط فى الأصناف ويؤثر على جودة المنتج المصرى وسمعة القطن طويل التيلة.

وأوضح أن هناك اختلافًا فى إنتاجية أصناف القطن، مشيرًا إلى أن بذور القطن قصير التيلة يمكن أن تحقق، على سبيل المثال، إنتاجية تصل إلى نحو 18 قنطارًا، فى حين تكون إنتاجية القطن طويل التيلة أقل، وهو ما قد يدفع بعض المزارعين إلى تفضيل زراعة الأصناف الأعلى إنتاجية، الأمر الذى قد يؤثر بدوره على المساحات المخصصة للقطن طويل التيلة.

وأشار إلى أن مقترحات سابقة طرحت إمكانية زراعة القطن قصير التيلة فى بعض محافظات صعيد مصر، بهدف الفصل الجغرافى بين الأصناف وتقليل فرص اختلاطها، إلا أن الفكرة لم تحظ بالموافقة، فى ظل مخاوف تتعلق بإمكانية انتقال التقاوى أو تهريبها وتسريبها إلى مناطق أخرى.

وأكد «البحيرى» أن نحو 90% من إنتاج القطن طويل التيلة يتم توجيهه إلى التصدير، معتبرًا أن الاستفادة المحلية منه لا تزال محدودة، خاصة فى ظل عدم توافر الآلات والمعدات اللازمة للتوسع فى تصنيع المنتجات القائمة على القطن طويل التيلة.

وشدد على أن تطوير قطاع الغزل والنسيج لا يتوقف فقط على زيادة إنتاج القطن، وإنما يرتبط بضرورة بناء سلسلة متكاملة تبدأ من الزراعة مرورًا بالغزل والنسيج وصولًا إلى تصنيع الملابس والمنتجات النهائية، بما يسمح بتحويل الخامات المحلية إلى منتجات ذات قيمة مضافة مرتفعة، وزيادة قدرة الصناعة المصرية على المنافسة فى الأسواق الخارجية.

وأشار إلى أن إعادة إحياء صناعة الكتان، إلى جانب التوسع فى تصنيع القطن المصرى بدلًا من تصديره خامًا، يمكن أن يساهما فى تعزيز قدرات الصناعة المحلية وفتح مجالات جديدة أمام الاستثمار والتصدير، فضلًا عن تقليل الاعتماد على استيراد بعض المنتجات والخامات، ودعم موارد الدولة من العملة الأجنبية.

وأكد أن التكامل بين مختلف حلقات الصناعات النسيجية يمثل أحد العوامل الرئيسية لتعظيم العائد الاقتصادى من المحاصيل والخامات المحلية، مشيرًا إلى أن انتقال مصر من تصدير المواد الخام إلى تصنيع المنتجات النهائية من شأنه أن يرفع القيمة الاقتصادية للصادرات ويخلق فرص عمل جديدة ويدعم نمو القطاع الصناعى.

مجدى طلبة، نائب رئيس المجلس الأعلى للصناعات النسيجية سابقًا
مجدى طلبة، نائب رئيس المجلس الأعلى للصناعات النسيجية سابقًا

صناعة تاريخية

 

واتفق معه فى الرأى مجدى طلبة، نائب رئيس المجلس الأعلى للصناعات النسيجية سابقًا، مشيرا إلى أن مصر تعد من أوائل الدول التى عرفت واستخدمت الكتان فى صناعة الملابس والمنسوجات منذ آلاف السنين، مشيرًا إلى أن المصريين القدماء اعتمدوا عليه فى صناعة الملابس، وهو ما يعكس عمق ارتباط مصر بهذه الصناعة تاريخيًا.

وأضاف «طلبة» لـ«الوفد»، أن الكتان يمثل أحد المنتجات التى لم تحظَ بالاهتمام الكافى خلال السنوات الماضية، رغم امتلاكه قيمة مضافة مرتفعة وقدرة على دعم الصناعات النسيجية وزيادة القيمة الاقتصادية للمنتجات المحلية، إلى جانب ما يتمتع به القطن المصرى طويل التيلة من إمكانات كبيرة فى هذا المجال.

وأوضح أن مصر كانت قبل عقود قليلة من أبرز الدول المنتجة للقطن طويل التيلة على مستوى العالم، حيث كانت المساحات المزروعة به تصل إلى نحو مليونى فدان، وكانت مصر تحتل مكانة متقدمة بين أكبر 7 دول عالميًا فى هذا المجال، إلا أن المساحات تراجعت بصورة كبيرة لتصل إلى نحو 180 ألف فدان قبل عام 2011.

وأشار إلى أن ملف إحياء الصناعات النسيجية عاد إلى الواجهة بقوة فى عام 2018، من خلال مناقشات قادها المجلس الأعلى للصناعات النسيجية بهدف وضع رؤية جديدة للنهوض بالقطاع وإعادة بناء حلقاته الإنتاجية، موضحًا أن الجهود التى بذلت آنذاك ساهمت فى زيادة المساحات المزروعة بالقطن إلى نحو 350 ألف فدان خلال عامين.

وأضاف أن تلك المرحلة شهدت أيضًا إعداد استراتيجية تستهدف الربط بين المحصول والصناعة، بما يسمح بتوجيه الإنتاج الزراعى لخدمة احتياجات قطاع الغزل والنسيج، إلى جانب تعزيز القدرات التصديرية، إلا أن هذا المشروع لم يستمر.

وشدد «طلبة» على ضرورة العمل على استعادة مكانة مصر فى صناعة القطن والكتان، مؤكدًا أن امتلاك مصر لتاريخ طويل وإمكانات إنتاجية فى هذه المجالات يجب أن ينعكس على حجم صادراتها من المنتجات النسيجية، وليس فقط على تصدير الخامات الزراعية.

وأشار إلى أن صادرات مصر من المنتجات النسيجية لا تتجاوز، نحو 5,4 مليار دولار، فى الوقت الذى تمكنت فيه دول، مثل بنجلاديش، من الوصول إلى صادرات نسيجية تقدر بنحو 35 مليار دولار. موضحا أن المقارنة تكشف أهمية إعادة النظر فى منظومة الصناعات النسيجية المصرية، والتركيز على زيادة القيمة المضافة للمنتجات بدلًا من الاعتماد على تصدير الخامات، مؤكدا أن تطوير صناعة القطن طويل التيلة يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من استراتيجية النهوض بالقطاع، بالتوازى مع تطوير صناعة الكتان وإدماجها فى منظومة الإنتاج.

وأكد «طلبة» إن مصر كانت تمتلك تاريخًا صناعيًا بارزًا فى صناعة الغزل والنسيج، حيث كانت ثانى دولة فى العالم بعد إنجلترا فى الصناعات القطنية، مشيرا إلى أن استعادة هذه المكانة ليست أمرًا مستحيلًا، وإنما تحتاج إلى استراتيجية متكاملة تربط بين الزراعة والتصنيع والتصدير. مشيرا إلى أن دمج القطن والكتان ضمن رؤية واحدة لتطوير الصناعات النسيجية يمكن أن يساهم فى استعادة قوة القطاع وتعظيم القيمة المضافة للخامات المصرية.

وأشار إلى أن وضع الصادرات النسيجية المصرية يحتاج إلى إعادة تقييم، فى ظل الفارق الكبير بين الإمكانات التاريخية للقطاع وحجم صادراته الحالية، معتبرًا أن ضعف القيمة المضافة للمنتجات المصرية ينعكس على الميزان التجارى ويحد من قدرة القطاع على توفير موارد إضافية من العملة الأجنبية.

واختتم «طلبة» حديثه بالتحذير من تكرار تجربة القطن طويل التيلة مع الكتان، قائلًا إن مصر لا يجب أن تكتفى بزراعة الكتان ثم تصديره أو استخدامه فى صورة خام، بينما تتم عمليات التصنيع ذات القيمة المضافة المرتفعة فى دول أخرى. مشددا على ضرورة أن تتزامن عودة زراعة الكتان مع بناء وتطوير الصناعات القائمة عليه، حتى تتحول مصر من مجرد منتج للخامة إلى مركز متكامل للإنتاج والتصنيع والتصدير، بما يعزز مكانتها فى صناعة الغزل والنسيج ويدعم مواردها من العملة الأجنبية.

الدكتور السيد خضر، الخبير الاقتصادى
الدكتور السيد خضر، الخبير الاقتصادى

فرصة

 

والتقط أطراف الحديث الدكتور السيد خضر، الخبير الاقتصادى، مشيرا إلى إن عودة الصناعات التى كانت مصر تتميز بها، وعلى رأسها صناعتا الكتان والقطن طويل التيلة، تمثل فرصة لتعظيم الاستفادة من الموارد المحلية واستعادة جزء من مكانة مصر فى الصناعات النسيجية، مشيرًا إلى أن البلاد تمتلك المواد الخام والعمالة والخبرات اللازمة، إلا أن عدم الاستغلال الأمثل للموارد وتراجع تطوير الصناعات القائمة عليها أضعفا قدرتها على المنافسة.

وأوضح «خضر» فى حديثه لـ«الوفد»، أن صناعة الغزل والنسيج، خاصة فى المحلة الكبرى، كانت من الصناعات القوية، إلا أن تراجع كفاءة الإدارة وعدم تطوير المصانع والاستغلال الأمثل للخامات المحلية، أدى إلى اتجاه متزايد نحو تصدير المواد الخام بدلًا من تصنيعها، ثم استيراد المنتجات النهائية، وهو ما يحرم الاقتصاد من القيمة المضافة وزاد من أعباء الواردات والطلب على العملة الأجنبية، فضلًا عن تأثيره فى الأسعار المحلية والقدرة التنافسية للمنتجات.

وأكد على ضرورة العودة إلى التصنيع المتكامل، بحيث تمتد الاستفادة من الكتان والقطن طويل التيلة إلى إنتاج منتجات نهائية قادرة على المنافسة والتصدير، بما يرفع الطاقة الإنتاجية ويعزز حصيلة الدولة من العملات الأجنبية. موضحا أن ذلك يتطلب تشجيع القطاع الخاص والمستثمرين الأجانب من خلال حوافز ضريبية وتسهيل الإجراءات وإزالة المعوقات أمام إنشاء المصانع والتوسع فى الصناعات التكميلية، إلى جانب دعم المزارعين وتشجيعهم على زراعة الكتان والقطن وتوفير الأسمدة ومستلزمات الإنتاج وضمان أسعار عادلة للمحاصيل.

وشدد «خضر» على أهمية بناء سلسلة متكاملة تبدأ من الزراعة، مرورًا بشراء المحصول والتصنيع، وصولًا إلى المنتج النهائى والتصدير، مؤكدًا أن هذا التكامل يسهم فى زيادة الإنتاج والصادرات، وخلق فرص عمل، والحد من الاعتماد على الواردات، وتقليل العجز فى الميزان التجارى.

ولفت إلى أن تعميق التصنيع لا ينبغى أن يقتصر على الكتان والقطن، وإنما يمتد إلى مختلف القطاعات التى تمتلك مصر فيها مزايا إنتاجية، بما يدعم المنتج المحلى، ويزيد القيمة المضافة داخل الاقتصاد، ويحسن معدلات النمو، ويعزز قدرة الاقتصاد المصرى على مواجهة التقلبات الخارجية.