كان يوم السادس من أكتوبر مخاضا لسلسلة طويلة من التكتيك العسكرى والخداع الاستراتيجى الذى أبهر العالم وأدهش الخبراء العسكريين وذلك بفضل قراءة القيادة لسيكولوجية العدو بدقة واستغلال ثقته المفرطة وغروره العسكرى ولقد أدى هذا الخداع الاستراتيجى الى شلل كامل فى مراكز القيادة والسيطرة الإسرائيلية وعجزها عن استيعاب الموقف أو اتخاذ قرارات مضادة فى الساعات الأولى الحاسمة فلقد كانت سياسة الخداع الاستراتيجى بالغة الدقة وتنوع الرؤية وتعدد الموضوعات، فلقد أعلن السادات فى عام ١٩٧١ان هذا العام هو عام الحسم ولم يشن الحرب لترسيخ قناعة لدى مخابرات العدو بأن القيادة المصرية مترددة وعاجزه عن اتخاذ هذا القرار وعمدت المخابرات المصرية تسريب معلومات مغلوطة لجهات أجنبية تفيد بوجود نقص حاد فى قطع غيار الأسلحة السوفيتية وتذمر داخل صفوف الجيش ونشر مقالات صحفية تتحدث عن أزمات اقتصادية طاحنة واحتجاجات طلابية لإيصال رسالة واضحة للغرب بأن الجبهة الداخلية المصرية منهارة تماماً ولا تتحمل أى قرار عسكرى كما نجحت مصر وسوريا فى إيهام العدو والعالم أجمع بعدم وجود نية للحرب وذلك بتسريح دفعات من المجندين والإعلان عن رحلات عمرة للضباط وإظهار حالة من الاسترخاء التام على الجبهة واستيراد معدات حفر تحت غطاء مدنى مما جعل الضربة الأولى مفاجأة صاعقة ومربكة تماماً وقد أوهمت القيادة السياسية المجتمع الدولى بضعف الخيارات العسكرية والبحث عن مخرج سلمى فتم إرسال مبعوثين للقاء وزير الخارجية الأمريكى هنرى كيسنجر كما أُعلن عن جولة أوروبية للمشير احمد اسماعيل وزير الحربية المصرى وسافر بالفعل إلى رومانيا فى زيارة رسمية للتمويه قبل أن يعود سراً لإدارة المعركة كما نفذت القيادة العسكرية أكثر من ٢٠ مشروعا تدريبيا وتعبئة عامة على خط المواجهة فى كل مره كانت دولة العدو تعلن حالة التأهب القصوى وتستدعى قوات الاحتياط ومع تكرار هذه التدريبات توقفت دولة الاحتلال عن أخذها بجدية وقد قامت القيادة بتسريب شائعات عن اكتشاف تلوث بكتيرى وحالات تيتانوس فى عدد من المستشفيات العسكرية والمدنية وتم إخلاء أجنحة كاملة واستيراد كميات هائلة من أكياس الدم والمعدات الجراحية ونقلها إلى الجبهة وقد تم منح إجازات اعتيادية مفتوحة لعدد من الخبراء الأجانب والضباط، بل ونشرت أخبار عن فتح باب التسجيل لضباط الجيش للالتحاق بالجامعات والمعاهد المدنية لاستكمال دراستهم وهو ما يتنافى تماماً مع أى منطق عسكرى يسبق إعلان حالة الحرب وامعانا فى السرية كان التدرج الصارم فى كشف ساعة الصفر لضمان سرية توقيت الهجوم تم حجب الموعد عن قادة الجيوش حتى قبل الهجوم بـ 48 ساعة فقط وعلم قادة الفرق بالموعد قبل 24 ساعة وقادة الألوية والكتائب صباح يوم المعركة بينما لم يكتشف الجنود أنهم بصدد حرب حقيقية إلا قبل انطلاق الضربة الجوية والمدافع بساعات قليلة وكان الاسترخاء التكتيكى على خط المواجهة فى صبيحة يوم السادس من أكتوبر فقبل ساعات من الهجوم صدرت الأوامر للجنود على الضفة الغربية للقناة بممارسة أنشطة روتينية أمام نقاط المراقبة الإسرائيلية كغسيل الملابس ولعب كرة القدم واصطياد الأسماك مما جعل تقارير الاستطلاع الصباحية للعدو تؤكد الخمول التام للجبهة وعادة فى العرف العسكرى تبدأ الهجومات عند الفجر لكن اختيار الساعة الثانية ظهراً كان غير متوقع تماماً فقد جعلت الشمس فى مواجهة أعين قوات العدو ومنحت قواتنا المسلحة فرصة عبور المشاة وإنشاء الكبارى فى ضوء النهار لتبدأ المدرعات فى العبور تحت ستار الليل المظلم واختيار تنفيذ الهجوم فى يوم عيد الغفران وهو أقدس الأعياد اليهودية حيث تتوقف الحياة وتزامن ذلك مع العاشر من رمضان والجنود صائمون مما جعل فكرة شن حرب فى هذا التوقيت مستبعدة تماماً فى العقيدة الاستخباراتية للعدو والفكرة العبقرية باستخدام مضخات مياه عالية الضغط لفتح ثغرات فى الساتر الترابى فى وقت قياسى وبأقل تكلفة وهو ما لم يخطر على بال الخبراء العسكريين و تتجلى أكثر الجوانب إدهاشاً فى انتصار حرب 6 أكتوبر 1973 فى الابتكارات العسكرية غير التقليدية والقدرة الفائقة على الخداع الاستراتيجى الذى شل تفكير استخبارات العدو وقد أحدثت خطة الخداع الاستراتيجى لحرب أكتوبر صدمة مدوية فى الأوساط العسكرية والسياسية العالمية وتحولت إلى مادة تدرس فى الأكاديميات العسكرية الكبرى، وقد عكست تصريحات الساسة والمفكرين وقادة العدو حجم الذهول و المفاجأة ودقة التخطيط فوصف موشى ديان وزير دفاع العدو الحرب بـالزلزال وقال فى مذكراته لقد كانت حرب أكتوبر زلزالاً تعرضت له دولتنا فلم نملك القوة الكافية لصد الهجوم ولم نكن نتوقع هذا المستوى من الكفاءة والتخطيط ولقد أثبت المصريون قدرتهم على استخدام الأسلحة المعقدة والتخطيط الاستراتيجى البارع الذى أفقدنا توازننا وقالت جولدا مائير رئيسة وزراء العدو ليس هناك شيء أقسى على نفسى من كتابة ما حدث فى أكتوبر لقد انهار عالمنا فجأة وانتهى الوهم الذى كنا نعيش فيه بأن العرب لن يجرؤوا على الهجوم لقد كنا نائمين ونجح المصريون فى خداعنا تماما ووصف حاييم هرتسوج رئيس دولة العدو الأسبق والمدير الأسبق للمخابرات العسكرية فى كتابه حرب كبيور تلك الحرب بقوله لقد كان الخداع الاستراتيجى المصرى من أنجح العمليات فى تاريخ الحروب الحديثة لقد نجحوا فى تنويمنا مغناطيسياً وجعلونا نرى ما يريدون هم أن نراه ونتجاهل الحقائق الصارخة على الأرض وقد اعترف هنرى كيسنجر وزير الخارجية الأمريكى الأسبق بوقوع المخابرات الأمريكية فى فخ الخداع قائلا لقد فاجأنا السادات جميعاً كان الخداع الاستراتيجى المصرى متقنا لدرجة أن المخابرات الأمريكية والإسرائيلية عجزت تماماً عن قراءة النوايا الحقيقية ولم يكن الفشل فى جمع المعلومات بل الفشل كان فى تفسيرها فلقد قدم لنا السادات المعلومات التى تجعلنا نطمئن إلى أنه لن يحارب وقد وصف المؤرخ العسكرى البريطانى بيتر الين ذكاء القيادة المصرية قائلا بينما كان الإسرائيليون يتطلعون إلى قمة الجبل بحثاً عن نوايا السادات كان السادات يحفر نفقاً تحت أقدامهم الخداع لم يكن مجرد إخفاء للأسلحة بل كان إعادة برمجة لعقل العدو والحقيقة التى لا يختلف عليها احد وهى ما تدعونا للفخر بنصر اكتوبر المجيد هى ان التخطيط والخداع الاستراتيجى قد اذهل العالم وفاق كافة التوقعات وحطم اسطورة خط بارليف المنيع واكذوبة الجيش الذى لا يقهر وبمناسبة ذكرى يوم الكرامة والتحرير نهنئ قواتنا المسلحة الباسلة والمجد للشهداء من ضحواء بدمائهم الطاهرة فى سبيل تحرير التراب الوطنى الغالى وعلى رأسهم الشهيد البطل السادات رجل الحرب والسلام.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض