من الكعبة إلى العالم: « أنا القبلة.. فأقبلوا»
مكة.. ليست ساحة حرب
القوات السعودية تستعين بخبرة تقنية من عناصر فرنسية متخصصة
الشيخ عبدالعزيز بن باز يجيز استخدام القوة لاستعادة الحرم
«العتيبى» و«القحطانى».. وعشرون يومًا من الحصار
«الجنابى» ألقى بجثث المسلمين فى بئر زمزم وحوله لبركة من الدم
فى مكة؛ لا تبدو الأخبار مثلما تبدو فى المدن الأخرى، حين تعلن السلطات السعودية اعتراض طائرة مسيّرة جنوب المدينة قبل دخولها المجال الجوى المحظور، لا يكون الخبر مجرد واقعة عسكرية فى منطقة مشتعلة من الشرق الأوسط. ثمة مكان اسمه مكة فى قلب الحكاية؛ مكان لا يحتاج إلى أن يكون فى قلب الحرب حتى يصبح خبرًا يهز وجدان المسلمين فى أنحاء العالم.
منذ أيام؛ أُعلنت حالة تحذير أمنى فى مكة، فى ظل تصعيد عسكرى إقليمى. وفى اليوم التالى أعلنت السعودية اعتراض مسيّرة وتدميرها قبل دخولها المجال الجوى المحظور للمدينة. وفى المقابل، نفى الحوثيون أن يكونوا قد استهدفوا مكة أو أيًا من المواقع المقدسة. وبين الروايتين تبقى حقيقة واحدة لا تحتاج إلى بيان عسكرى، أن مجرد اقتراب قول الخطر من مكة يكفى لأن يتغير الأمر كله، فمكة ليست مدينة ككل المدن.. فهى المدينة التى تتجه إليها الوجوه والقلوب خمس مرات كل يوم، من مدن لا يعرف بعضها بعضًا، ومن قارات لا يجمع بينها شيء سوى تلك النقطة التى تستقر فيها الكعبة. مدينة يستطيع إنسان فى أقصى آسيا أو أفريقيا أو أدنى أوروبا أو أمريكا أن يعرف طريقه إليها دون أن يكون قد زارها قط؛ لأن الطريق إليها بدأ فى قلبه.
فى المدن، قد تكون الساحات أوسع من ذاكرتها. أما مكة فذاكرتها أوسع من شوارعها، فيها تتجاور طبقات من الزمن لا يمكن فصلها. إبراهيم وإسماعيل وهاجر، وبنو جرهم وزمزم، والمسافة بين جبلين، و«واد غير ذى زرع»، وقوافل حجيج. ثم تأتى مكة الحديثة التى تشيّد حول المسجد الحرام منظومة متقدمة من الخدمة. لكن وسط كل هذا وذاك تبقى الكعبة ثابتة، ولعل هذه المفارقة هى التى تجعلها عصية على الاختزال. فتبدو وكأنها تنتمى إلى عالم آخر. أناس يأتون إليها من كل اتجاه، يحملون لغاتهم ولهجاتهم وألوانًا وثقافات مختلفة، ثم يخلعون كل ذلك عند أبواب المدينة المقدسة. فيصبح الأبيض لونًا عابرًا للحدود، وتصير حركة الكون كله هى الطواف فقط. ملايين البشر يأتون إلى نقطة واحدة لأداء الدَين والفرض. ولهذا فإن الخوف الذى يقترب من مكة لا يُقرأ بوصفه خطرًا على مدينة سعودية. إنه يُقرأ بوصفه اقترابًا من الأصل والفرع فى آن. وقد شهدت الأيام نفسها مشاهد أخرى أقل صخبًا وأكثر شبهًا بمكة؛ أمطار وعواصف مرت فوق الكعبة، بينما كان المصلون يؤدون شعائر العمرة فى المسجد الحرام. لكن مكة؛ وهى وسط أخبار الصواريخ والمسيّرات والحدود والتحالفات وتقلبات السحب، ستظل دائمًا تستعيد تعريفها القديم لنفسها وتردد للعالم: «لستُ ساحة حرب.. إنما أنا القبلة.. فأقبلوا».
فالمدينة التى تتوسط وجدان أكثر من مليارى مسلم لا يمكن أن تُقرأ فقط من خلال موقعها على الخريطة. فموقعها فى الوعى أكبر من إحداثياتها الجغرافية. ورغم لحظة التوتر الراهنة، ستظل مكة تقف خارج الضجيج، حتى حين يصل هذا الضجيج إلى تخومها. ومع كل ذلك، فلا أحد منا يملك أن يغير التاريخ، وسوف يظل ما حدث للكعبة عبر الأزمنة هو ما حدث.
«البيت الأول»، ذلك البناء الذى وقف فى موضعه، شاهدًا على الأمم وهى تمر، وعلى الممالك وهى تصعد ثم تهوى، وعلى الجيوش وهى تأتى ثم ترحل، وكأن التاريخ كله، كلما ظن أنه يستطيع أن يكتب نهايته، اكتشف أن للبيت حكايات أخرى، ولكى نفهم خوف الناس على مكة اليوم، ربما علينا أن نعود قليلًا إلى الوراء، بضع عقود فقط، إلى صباح دامٍ من عام 1979.
فى الساعة الخامسة والخمس والعشرين دقيقة من صباح الثلاثين من نوفمبر عام 1979، بينما كانت أصوات التكبير لصلاة الفجر لا تزال تتردد بين أروقة المسجد الحرام، وبينما كان آلاف المصلين فى صفوفهم، كانت مكة تستعد، دون أن تدرى، لأطول أزمة أمنية ستعيشها فى تاريخها الحديث، كان ذلك أول أيام شهر محرم عام 1400 هجريًا، بداية قرن هجرى جديد، توقيت اختاره رجل يُدعى جهيمان بن محمد العتيبى، ليكون موعدًا لخطة أعدها بعناية على مدى أشهر طويلة. فكان أمرًا بيّت بليل.
لم يكن أحد يتخيل أن التوابيت التى أُدخلت إلى الحرم فى الأيام السابقة على الواقعة، والتى بدت كأنها جزء من طقوس العزاء المعتادة، كانت تحمل فى داخلها بنادق وذخائر بدلًا من الموتى. استغل «جهيمان» ومن معه حرمة المكان وحرية الدخول إليه، فتسللوا بالسلاح إلى قلب الحرم، وانتظروا الليلة المحددة.
وما إن انتهت صلاة الفجر، حتى دوى صوت الرصاص فى كل مكان من الحرم. أغلق المسلحون، الذين قُدر عددهم بالمئات من جنسيات عربية وإسلامية متعددة، أبواب الحرم الكبرى، واحتجزوا آلاف المصلين رهائن، وتحصنوا فى الأروقة والسراديب والمآذن التى طالما كانت رمزًا للتكبيرات.
لم تكن العملية مجرد استيلاء عسكرى، بل كانت تحمل بعدًا عقائديًا؛ إذ أعلن «جهيمان» أن رفيقه محمد بن عبدالله القحطانى هو «المهدى المنتظر» الذى بشرت به الروايات، وطالب المصلين المحتجزين بمبايعته. لكن هذا الادعاء، الذى صُدم به العالم الإسلامى بأسره، لم يجد له صدى يُذكر لا وقتها وفيما بعد.
ووجدت الدولة السعودية نفسها أمام معضلة لم تواجهها من قبل، كيف تُواجه بالسلاح من يحتل القبلة الحرام فى الشهر الحرام، فى مكان تحرم فيه إراقة الدماء؟ وعلى ذلك فلم تتحرك القوات السعودية من فورها، بل استصدرت أولًا فتوى من هيئة كبار العلماء برئاسة الشيخ عبدالعزيز بن باز، أجازت استخدام القوة لاستعادة الحرم من المسلحين، بعدما تأكد للعلماء أن هؤلاء بغاة خرجوا على جماعة المسلمين وانتهكوا حرمة البيت العتيق.
عندها فقط؛ بدأت عملية التحرير، بمشاركة قوات سعودية استعانت بخبرة تقنية من عناصر فرنسية متخصصة، فيما ظل تنفيذ العملية ميدانيًا بأيدٍ سعودية خالصة، احترامًا لحرمة الأرض التى لا يجوز لغير المسلمين دخولها. امتد القتال أكثر من أسبوعين، معركة صامتة ومريرة خاضتها القوات داخل ممرات وأقبية لم تكن مصممة أصلًا لتكون ساحة حرب. وبين محاولات اقتحام وتراجع، وبين تفاوض ووعود لم تُثمر، ظل المسجد الحرام حبيس الرصاص حتى الرابع من ديسمبر 1979، حين سقطت آخر معاقل المسلحين، وقُتل القحطانى، «المهدي» الذى لم يُكتب له أن ينتظره أحد، فيما أُلقى القبض على جهيمان حيًا مع عدد من أتباعه. خلّفت الأزمة، بحسب التقديرات المتداولة، ما يزيد على 250 قتيلًا، توزعوا بين جنود ومصلين ومسلحين، إضافة إلى مئات الجرحى، فى مشهد لم تعرفه مكة، وترك أثرًا غائرًا فى الذاكرة السعودية والإسلامية. لم تنتظر الدولة طويلًا لتصدر حكمها؛ ففى التاسع من يناير 1980، أُعدم جهيمان العتيبى و67 من أتباعه، فى تنفيذ علنى وُزع على ساحات عدة مدن سعودية كبرى، فى رسالة أرادت الدولة من خلالها أن تقول إن حرمة البيت العتيق خط أحمر لا يُسمح لأحد بتجاوزه، مهما كانت دوافعه أو ادعاءاته.
لكن قصة الاعتداء على حرمة مكة لم تبدأ فى القرن العشرين، لنعد قرونًا أخرى إلى الوراء، إلى القرن العاشر الميلادى مثلًا. ففى اليوم الثامن من ذى الحجة، عام 317 للهجرة، وبينما كانت مكة المكرمة تعيش أجواء موسم الحج، وبينما كان الحجاج يستعدون للتوجه إلى «منى» فى أولى الشعائر، كانت مكة وضيوفها على موعد مع أحلك الأيام، لم يكن أحد من الحجاج المتوافدين من أقطار العالم الإسلامى يعلم أن جيشًا سيقتحم عليهم سكينة العبادة بحد السيف. فقد دخل أبوطاهر الجنابى، زعيم القرامطة، على رأس قوة مسلحة إلى مكة، فى مشهد لم تعرفه المدينة من قبل ولا بعد. وانهال القرامطة بسيوفهم على الحجاج العُزل، فسقط من سقط وهو ساجد، وسقط من سقط وهو يطوف حول الكعبة، حتى اختلط دم القتلى بأستار البيت الحرام، وامتلأت ساحات الحرم بجثث من جاؤوا حجاجًا فعادوا شهداء، وفى مشهد يعجز الوصف عن الإحاطة بفظاعته، ألقى القرامطة بجثث القتلى فى بئر زمزم، لتتحول العين إلى مقبرة جماعية. لم يكتفِ الغزاة بسفك الدماء، بل امتدت أيديهم إلى كسوة الكعبة فسلبوها، ونهبوا كل ما وقع تحت أيديهم من محتويات البيت الحرام، فى مشهد جنونى غير مسبوق. وكان الأعظم وقعًا على الذاكرة الإسلامية، أن اقتلع أبوطاهر الجنابى الحجر الأسود من ركنه الذى وُضع فيه منذ عهد إبراهيم، وحمله بعيدًا عن الكعبة إلى معقله فى «هجر» بالإحساء، تاركًا فراغًا فى جدار الكعبة ظل شاهدًا على تلك الفاجعة سنوات طويلة. ظل الحجر الأسود، الذى وصفه النبى بأنه نزل من الجنة أشد بياضًا من اللبن قبل أن تسوده خطايا بنى آدم، بعيدًا عن موطنه أكثر من عشرين عامًا، عطلت خلالها فريضة الحج فى مواسم عدة، وذاق المسلمون خلالها مرارة فقدان أحد أعز مقدساتهم. ولم تُعِد قوة السيف الحجر الأسود إلى مكانه، بل أعادته مفاوضات طويلة وفدية ضخمة دفعتها الخلافة العباسية، لينتهى عام 339 هجريًا فصل من أحلك فصول تاريخ البيت العتيق، ويعود الحجر إلى ركنه، لكن أثر تلك المجزرة ظل محفورًا فى الذاكرة الإسلامية كأسوأ اعتداء عرفته مكة المكرمة على مر العصور.
ولذلك، فإن الحديث عن مكة اليوم ليس حديثًا عن مدينة تخشى الخطر فحسب، لكنه عن مدينة لا يملكها خبرعاجل، ولا تختصرها أزمة، ولا تستطيع المسيّرات والصواريخ أن تغيير عليها. فمكة ستظل مكة.. يأتى إليها الخائفون طالبين الاطمئنان، والمذنبون طالبين المغفرة، ويأتى إليها العابرون من قاراتهم البعيدة وهم يحملون أمنية؛ أن يشخصوا أمام البيت الذى ظلوا طوال حياتهم يتجهون إليه من هناك، وحين يعودون لمنازلهم، تظل مكة فيهم، ربما لهذا، عندما يقترب منها الخطر، لا يشعر المسلمون بأن مدينة بعيدة مهددة، بل يشعرون بأن شيئًا من ذاكرتهم ووجدانهم قد اقترب منه الخطر، تلك هى مكة التى لا تشبه المدن، مدينة من وعى وفى وعى. ومهما ارتفع ضجيج العالم من حولها، سيبقى فى قلبها ذلك الصمت القديم؛ بيت يتجه إليه الناس، وسماء مفتوحة فوقه، ومدينة عبرت عبر القرون، فكانت أكثر من مدينة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض