هوامش
لم يكن اجتماع الرئيس عبدالفتاح السيسي، أمس الأول، بالحكومة بكامل هيئتها، والمحافظين، والعُمد والمشايخ، وكبار المسئولين، وقادة القوات المسلحة والشرطة المدنية، فى مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الجديدة، اجتماعًا تقليديًا من اجتماعات متابعة الأداء الحكومي، وإنما حمل فى توقيته ومكانه وطبيعة الحضور رسائل متعددة بشأن ما تواجهه الدولة المصرية من تحديات، وضرورة رفع درجة اليقظة والحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية.
ومن قلب مقر صُمم لمتابعة الأزمات وإدارة التحديات وربط مؤسسات الدولة بمستوياتها المختلفة، جاءت كلمات الرئيس لتضع المسئولية فى مكانها الصحيح، الدولة لا تُحمى بالقوة وحدها، وإنما بوعى شعبها، وكفاءة مؤسساتها، وثقة المواطنين فيها، وقدرة المسئول على القيام بواجبه تجاه الناس.
الرئيس تحدث بوضوح عن أهمية تأمين الجبهة الداخلية، فى ظل ما وصفه بتنوع وتعدد أساليب محاولات الإضرار بالدولة المصرية والإلحاح فى ذلك، مؤكدًا ضرورة تطوير أدوات الدولة المختلفة للحفاظ على مقدراتها.
وهنا تحديدًا تكمن الرسالة الأهم فى الاجتماع: الجبهة الداخلية ليست ملفًا أمنيًا فقط، وإنما مسئولية سياسية ومجتمعية وخدمية.
فالمواطن الذى يحصل على خدمة محترمة، ويجد مسئولًا يستمع إليه، وموظفًا يؤدى عمله دون تعقيد أو تعالٍ، ويشعر بأن مؤسسات الدولة موجودة إلى جواره، هو مواطن أكثر ثقة فى دولته وأكثر قدرة على مواجهة الشائعات ومحاولات التشكيك والإرباك.
ولذلك لم يفصل الرئيس بين حماية الدولة وحُسن معاملة المواطنين، بل وضع الأمرين فى سياق واحد، عندما شدد على ضرورة بذل أقصى جهد، ووجود عمل مؤسسى يحرك كل طاقات الدولة، إلى جانب التأكيد على حسن معاملة المواطنين أثناء حصولهم على الخدمات.
ما قاله الرئيس ليس مجرد توجيه إدارى، بل ينطوى على هدف أعمق بكثير من ظاهر الكلام، فطريقة تعامل الدولة مع المواطن يمكن أن تصنع فارقًا كبيرًا فى العلاقة بين الطرفين. الدولة القوية لا تُقاس فقط بما تمتلكه من مؤسسات وأجهزة وقدرات، وإنما أيضًا بقدرتها على احترام المواطن وتيسير حياته وحماية حقوقه وتقديم الخدمة له بكفاءة.
ولعل اللافت فى حديث الرئيس أنه راهن بصورة مباشرة على وعى المصريين باعتباره حائط الصد الأول فى مواجهة محاولات ضرب الاستقرار. فقد أشار إلى أن من أقل الوسائل تكلفة لتدمير أى دولة محاولة استدراج شعبها للقيام بهذه المهمة.
والمعنى هنا شديد الوضوح، فحين تتسع الفجوة بين المواطن ومؤسسات دولته، يصبح المجتمع أكثر قابلية للشائعات والاستقطاب والفوضى، أما حين تكون هناك ثقة متبادلة ومعلومات واضحة وأداء حكومى جاد، تصبح محاولات العبث بالجبهة الداخلية أكثر صعوبة.
لكن الرهان على وعى المواطن لا يمكن أن يكون رهانًا من طرف واحد.
فإذا كان مطلوبًا من المواطن أن يكون واعيًا، فإن المطلوب من الحكومة أيضًا أن تكون أكثر وعيًا بمشكلات الناس. وإذا كان المواطن مطالبًا بمواجهة الشائعة، فإن أفضل وسيلة لمواجهتها هى المعلومة الصحيحة والسريعة. وإذا كان مطلوبًا منه أن يثق فى مؤسسات الدولة، فإن هذه الثقة تُبنى بالأداء والإنجاز والشفافية، لا بالشعارات وحدها.
وهنا جاءت توجيهات الرئيس بشأن الخدمات وتكاليف تراخيص السيارات وحسن معاملة المواطنين لتؤكد أن تفاصيل الحياة اليومية للمصريين جزء من معركة الحفاظ على الدولة، وليست هامشًا بعيدًا عن قضايا الأمن والاستقرار.
وفى الوقت نفسه، لم يغفل الاجتماع تحديًا من نوع جديد وهو الذكاء الاصطناعى والتحول التكنولوجى المتسارع. فقد شدد الرئيس على أن جودة التعليم تمثل الأساس لإعداد أجيال قادرة على التعامل مع التطورات التكنولوجية، داعيًا إلى التركيز على الجوانب الإيجابية للذكاء الاصطناعى، مع التحسب لجوانبه السلبية.
إن اجتماع مقر القيادة الاستراتيجية إذن يطرح معادلة متكاملة وهى: قوة مؤسسات الدولة + كفاءة الحكومة + وعى المواطن + جودة الخدمات + تعليم قادر على مواكبة العصر = جبهة داخلية أكثر تماسكًا.
لكن هذه المعادلة لن تنجح إذا تحولت الرسائل إلى مجرد تعليمات تُكتب فى محاضر الاجتماعات ثم تختفى فى الأدراج.
المطلوب هو أن تصل الرسالة من مقر القيادة الاستراتيجية إلى كل محافظة، وكل قرية، وكل مصلحة حكومية، وكل مكتب يقدم خدمة للمواطن.
المطلوب أن يدرك المسئول أن موقعه ليس امتيازًا، وإنما تكليف ومسئولية.
وأن يدرك المواطن فى المقابل أن الحفاظ على الدولة لا يعنى الصمت عن الخطأ، وإنما يعنى أن تكون المطالبة بالإصلاح جزءًا من حماية المجتمع، وأن يكون الوعى قائمًا على المعلومات لا على الشائعات، وعلى النقد المسئول لا على الفوضى.
مصر تواجه تحديات حقيقية، وبعضها يأتى من الخارج، وبعضها يتصل بالاقتصاد والخدمات والتعليم والتكنولوجيا، وبعضها يرتبط بمحاولات التأثير فى الوعى العام. وفى مواجهة كل ذلك، لا يكفى أن تكون للدولة مؤسسات قوية؛ بل يجب أن تكون هذه المؤسسات قادرة على كسب ثقة المواطن.
فالجبهة الداخلية تبدأ من الشارع، ومن المدرسة، ومن المستشفى، ومن مصلحة حكومية، ومن قسم شرطة، ومن مكتب بريد، ومن كل مكان يقابل فيه المواطن الدولة وجهًا لوجه.
وهنا تصبح رسالة اجتماع القيادة الاستراتيجية أكثر عمقًا من مجرد تحذير من مخاطر أو توجيه لمسئولين.
إنها دعوة إلى إعادة بناء الثقة، فالدولة التى تريد أن تحمى جبهتها الداخلية عليها أن تكسب أولًا ثقة المواطن فيها. وتلك هى المعركة التى لا تحتمل التأجيل.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض