الناصية
ما زال الجدل والخلاف والنقاش ساخنًا إلى حد التطاول وتبادل الاتهامات بالخيانة والعمالة بين مشجعى الرئيس عبد الناصر، والرئيس السادات، وربما ينضم لهما، على استحياء وخجل، فريق ثالث من أنصار الرئيس مبارك المعروفين بجماعة «آسفين يا ريس»!
ولا غرابة فى استمرار هذا العراك الطفولى والمراهق بين هذه الفرق رغم مرور 56 عامًا على رحيل الزعيم الخالد، و45 عامًا على بطل الحرب والسلام، و6 سنوات على قائد الضربة الجوية.. وما الغريب فى ذلك ونحن فى منطقة ما زال سكانها مختلفين ومنقسمين على أنفسهم إلى أحزاب وطوائف، ويفجرون ويقتلون بعضهم بعضًا دفاعًا عن أشخاص عاديين ماتوا منذ 1448 سنة!
والشعوب التى ما زالت تبنى مقامًا لشخص، سواء كان شيخًا، أو مجذوبًا، أو عبيطًا وتقيم لهم الموالد، ويحجون إليهم سنويًا، والتبرك بأعتاب وأسوار مقاماتهم وقبابهم الخضراء لا خوف عليهم من العلم والعلماء ومحصنون من الإبداع والابتكارات وتقنيات الذكاء الاصطناعى فكلها مُحدِثَات وبِدع، وضلالات، هم فى غنى عنها طالما هم ما زالوا يستظلون بمقامات، ومقابر الخلفاء، والأئمة، والرؤساء!
ولا أعيب على من يريد أن يذهب حسبما يريد، فالكل حر فى مذاهبه.. ولكنها مجرد ملاحظة لأحد أهم أسباب تراجعنا بصفة عامة بإصرارنا على الهروب من الحاضر بمشاكله والمستقبل بأحلامه بالانشغال بالماضى وشخوصه.. وإذا كان هناك عيب فهو حالة الازدواجية والانفصام التى يعيشها معظم السياسيين والمثقفين.. الذين ينددون بسلطة الحاكم الفرد وغياب الديمقراطية، ويستنكرون الاستبداد والديكتاتورية، وفى نفس الوقت يمجدون أشخاصًا إلى حد العبادة والعياذ بالله تاريخهم كله عبارة عن هزائم وجرائم ضد الحريات وانتهاك الحرمات وتعذيب وسجن السياسيين والمثقفين أنفسهم.. وكأن هؤلاء مرضى متلازمة ستوكهولم، الذين يتعاطفون مع من يسىء إليهم مع أنهم ضحايا!
ولا أعتقد أن الشعب الفرنسى ما زال منقسمًا إلى فرق موزعة ما بين ديجول أو ميتران أو شيراك، ولا أظن أن الشعب الأمريكى ما زال ممزقًا بين فرق تتبادل اتهامات بالخيانة والعمالة بين أنصار المدافعين عن الرؤساء جون كينيدى أو جيرالد نيكسون، أو رونالد ريجان.. حتى أنصار الرئيس دونالد ترامب المتعصبين لا يتعامل الإعلام الأمريكى معهم كسياسيين، ولكن كمرضى نفسيين!
ونحن ما زلنا ننام على ما نصحو عليه كل يوم.. وسنظل كذلك، مهما انشغل العالم بالتقدم العلمى وبالذكاء الاصطناعى والابتكارات والتقنيات التكنولوجية المتطورة فإن عقولنا لم تبرح أماكنها من داخل المعابد منذ مئات السنين، وما زالت تقدم القرابين للأصنام!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض