رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

61 مليون طن من الركام في غزة..فرق الإغاثة تواجه مهمة شاقة لإزالة الأنقاض وانتشال رفات الشهداء

رفع الأنقاض
رفع الأنقاض

استغرق تنظيف جزء من أحد الطرق في حي تل الهوى بمدينة غزة يومًا كاملًا، قبل أن يجد أحمد عليان، المهندس في الأمم المتحدة، نفسه محاطًا بأكوام هائلة من الركام رغم ساعات العمل الطويلة التي قضاها فريقه في الموقع.

وقال عليان إن المهمة بدت له كما لو أنهم «يمسكون بملعقة ويحاولون إفراغ البحر»، في وصف لحجم الأنقاض التي تراكمت في شوارع المدينة، بينما تواصل فرق برنامج الأغذية العالمي العمل على فتح الطرق وإزالة الحواجز التي تعيق حركة السكان وشاحنات الإغاثة.

الدمار يغير ملامح شارع بيروت

وعمل عليان ضمن فريق تابع لبرنامج الأغذية العالمي في شارع بيروت، الذي كان قبل الحرب من الطرق الرئيسية المزدحمة بالمحال التجارية والمكاتب والمنازل والسيارات، قبل أن يتحول إلى مساحة شبه مهجورة تتناثر فيها بقايا المنشآت المدمرة.

وأغلقت أكوام الحجارة والركام الطرق في أجزاء واسعة من المنطقة، بينما ظهر أحد الأبراج مائلًا بعد تعرض أجزاء من أساساته الخرسانية لأضرار، في وقت واصلت فيه عائلات نازحة الإقامة داخل المبنى رغم حالته المتضررة.

وتدفقت مياه الصرف الصحي من الأرض في أجزاء أخرى من الطريق، بعدما تضرر نظام الصرف وانسد، لتضيف مشكلة بيئية وصحية جديدة إلى التحديات التي تواجه السكان وفرق الإغاثة في المنطقة.

حجم الركام يتجاوز قدرات الإزالة الحالية

قدّرت الأمم المتحدة أن إزالة الجزء الأكبر من الركام في قطاع غزة قد تحتاج إلى ما بين سبع وعشر سنوات على الأقل، فضلًا عن تكاليف تصل إلى مليارات الدولارات، ما يضع عملية إزالة مخلفات الحرب ضمن أكبر عمليات إزالة الأنقاض في التاريخ الحديث.

وأوضح جاكو سيلييرز، الممثل الخاص لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في فلسطين، أن إجمالي كمية الركام في غزة يقدر بنحو 61 مليون طن، وهي كمية وصفها بأنها تعادل نحو 20 ضعف الركام الناتج عن جميع الحروب حول العالم خلال السنوات الـ18 الماضية.

وحققت فرق إزالة الأنقاض تقدمًا محدودًا مقارنة بحجم المهمة، إذ أزيل بعد أكثر من عامين من العمل نحو 907 آلاف طن من الركام، بينما جرى تدوير وإعادة استخدام أكثر من 300 ألف طن، بما يمثل نحو 1.5% فقط من الكمية الإجمالية المقدرة.

فتح الطرق يخفف أعباء الحياة اليومية

ونجحت جهود إزالة الركام حتى الآن في تطهير نحو 580 كيلومترًا من الطرق، وهو ما ساعد على تحسين حركة شاحنات المساعدات وفرق الإنقاذ والسكان، رغم أن المساحات التي تحتاج إلى تدخل ما زالت شاسعة.

وقال إبراهيم دارادونا، وهو نازح من جباليا يقيم في منطقة تل الهوى، إن إزالة الأنقاض وسعت الطريق وقللت انتشار القوارض والحشرات، كما جعلت مرور السيارات أسهل وخففت من المخاطر التي كانت تهدد الأطفال أثناء لعبهم في المنطقة.

القيود على المعدات تعرقل عمليات الإزالة

واجهت فرق الإغاثة صعوبات إضافية بسبب القيود المفروضة على إدخال المعدات اللازمة إلى القطاع، إذ أفادت «الجارديان» بأن السلطات الإسرائيلية تمنع دخول معدات تعتبرها ذات «استخدام مزدوج»، بحجة إمكانية استفادة حركة حماس منها.

واقتصر عمل برنامج الأغذية العالمي في البداية على إزاحة الأنقاض من الطرق ودفعها إلى الجانبين لفتح ممرات أمام الشاحنات، إلا أن ضخامة الركام واستمرار الأضرار خلال فترة وقف إطلاق النار أديا إلى اضطرار الفرق إلى إعادة فتح بعض الطرق أكثر من مرة.

إعادة تدوير الركام تتحول إلى بديل للمواد المفقودة

وبدأ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تشغيل خمسة مواقع لتكسير الركام في أنحاء غزة، حيث تجمع الأنقاض الناتجة عن الطرق والبنية التحتية المتضررة، ثم تخضع للفرز لإزالة المعادن وقضبان الحديد والمواد غير الخرسانية قبل تكسير الخرسانة إلى أحجام أصغر يمكن إعادة استخدامها.

واعتمد البرنامج على سبع كسارات كانت موجودة داخل القطاع قبل الحرب، بينما أعاد مهندسون محليون بناء اثنتين منها خلال العام الماضي اعتمادًا على نماذج كانت متاحة لديهم، بسبب عدم القدرة على إدخال معدات جديدة إلى غزة.

وتجمعت أكوام الركام في أحد مواقع التكسير التي كانت تضم سابقًا مستودعات تابعة للأمم المتحدة، بينما توقفت الشاحنات المحملة بالحطام على ميزان قبل تفريغ حمولاتها، وسط عمل متواصل للآلات التي تحول الخرسانة إلى قطع يمكن استخدامها مجددًا.

المعدات المتهالكة تضاعف صعوبة المهمة

وتعرضت الآلات المستخدمة في عمليات إزالة الركام لأعطال متكررة، بعدما أصبحت غالبية المعدات المتاحة داخل غزة شديدة القدم، في ظل نقص حاد في قطع الغيار وزيوت المحركات والمواد اللازمة للصيانة والتشغيل.

واستخدم المهندسون الركام المعاد تكسيره في إصلاح الطرق وردم الحفر، كما وضعوا جزءًا منه أسفل الخيام والملاجئ لرفعها عن مياه الأمطار والصرف الصحي، في محاولة للاستفادة من المواد المتاحة بدلًا من انتظار وصول مواد بناء جديدة.

وأكدت نهال أبو حسن، عضو فريق برنامج الأغذية العالمي، أن جودة هذه المواد أقل من المواد الطبيعية المستخدمة عادةً في إنشاء الطرق، لكنها أصبحت حلًا فرضته الظروف القائمة وغياب البدائل.

الركام يخفي رفات بشرية ومخاطر لا تظهر على السطح

وحملت الأنقاض في كثير من المناطق بعدًا إنسانيًا يتجاوز كونها مخلفات مبانٍ مدمرة، إذ قالت أبو حسن إن بعض الأكوام قد تخفي حياة الناس وذكرياتهم، فضلًا عن احتمال وجود جثث لا تزال مدفونة أسفلها، وهو ما يجعل إزالتها عملية شديدة الحساسية بالنسبة للعائلات.

وقدّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن ما بين 8 آلاف و10 آلاف جثة قد تكون مدفونة تحت الركام، بينما يعمل بالتعاون مع جهات من بينها اللجنة الدولية للصليب الأحمر على تحديد المناطق التي يُحتمل وجود رفات بشرية فيها، ووضعها ضمن أولويات عمليات الإزالة والانتشال.

وبدأ البرنامج كذلك العمل على مسار للطب الشرعي يهدف إلى تحديد هوية الرفات والتعامل معها بصورة مناسبة، مع احترام حقوق الدفن الدينية وتوفير الوثائق والشهادات اللازمة للعائلات التي تبحث عن مصير ذويها.

الذخائر غير المنفجرة تهدد فرق إزالة الأنقاض

واجهت الفرق العاملة خطرًا آخر يتمثل في الذخائر غير المنفجرة الموجودة داخل الركام وعلى الطرق، ما دفع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وبرنامج الأغذية العالمي إلى التنسيق مع دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام «أونماس» و«هالو ترست» ومنظمات أخرى قبل بدء أعمال الإزالة.

وعملت الجهات المختصة على تحديد المناطق التي قد تحتوي على ذخائر غير منفجرة ووضع علامات تحذيرية عليها، رغم محدودية القدرة على إزالة هذه المواد أو تفكيكها بالكامل، وهو ما يبقي خطرها قائمًا أمام العمال والعائلات التي تعود إلى المناطق المتضررة.

وأظهرت عمليات الفحص وجود مواد خطرة أخرى بين الركام، من بينها الأسبستوس الذي قد يمثل خطرًا صحيًا عند استنشاق أليافه، إلى جانب مبانٍ متضررة لا تزال أجزاء منها قائمة وقد تنهار بصورة مفاجئة.

ودعت المعطيات الميدانية إلى تقييم سلامة المباني قبل السماح للسكان بالعودة إليها، بعدما أصبحت بعض المنشآت التي تبدو قائمة من الخارج مصدر خطر إضافي نتيجة ضعف هياكلها بفعل الأضرار السابقة.

إزالة الأنقاض تدعم عودة النشاط الاقتصادي

وساعدت إزالة الركام من أمام بعض المتاجر والمنشآت المتضررة على استعادة جزء من الحركة الاقتصادية المحلية، إذ قال سيلييرز إن عددًا من أصحاب المتاجر أعادوا فتح أنشطتهم خلال نحو 20 يومًا من إزالة الأنقاض من أمام منشآتهم.

وأتاحت هذه الخطوات للسكان مساحة أوسع للحركة، وساعدت على إعادة فتح الطرق والوصول إلى الخدمات، بينما ظل حجم المهمة أكبر بكثير من الإمكانات المتاحة حاليًا.

وتواصلت عمليات إزالة الركام في غزة وسط ظروف معقدة، بينما بقي الوصول إلى معدات البناء وخدمات الصيانة محدودًا، وهو ما جعل جهود التعافي الأولى تسير ببطء مقارنة بحجم الدمار والاحتياجات المتراكمة، وفق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.