رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
علاء العطار
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
علاء العطار

حق اليتيم بين العناد والحماية و«تصفية الحسابات»

معركة الوصاية.. مستمرة

بوابة الوفد الإلكترونية

حكايات أمهات من أروقة محاكم الأسرة

أرملة: أنا أم.. لكن ليس لديَّ أى حق فى كل ما يخص ابنى

أم لطفلة يتيمة: دخلت البنك وأنا فاكرة فلوس بنتى موجودة.. لقيت الحساب صفر

أم ولدين: جد الأولاد عايز يحرمهم من التعليم فى مدارس دولية انتقامًا منى رغم ثروة أبيهم

خبراء قانون: تطوير إجراءات الوصاية يسهم فى حماية أموال القصر ويسهل على الأمهات تلبية احتياجات الأبناء دون عذاب الإجراءات

الشيخ لمعى المطيعى: مصلحة القاصر أولًا.. والوصاية مسئولية وليست امتيازًا

 

بين رعاية الطفل والسيطرة على أمواله.. أين تقف الأم؟

«حاميها حراميها».. جملة تبدو فى البداية مجرد مثل شعبى، إلا أنها أصبحت واقعًا بالنسبة إلى كثير من الأمهات بعد وفاة أزواجهن، حين تجد الأم نفسها أمام مسئولية أكبر تجاه أبنائها، من تدبير احتياجاتهم اليومية إلى الحفاظ على حقوقهم وأموالهم.

ورغم أن مسلسل «تحت الوصاية»، الذى قدم ضمن أعمال درامية ناقشت قضايا الأسرة، فتح ملف الوصاية على أموال الأطفال ووضع معاناة الأمهات أمام الجمهور، فإن ما ظهر على الشاشة لم يكن مجرد مشاهد درامية، بل واقع تعيشه أمهات بالفعل.

ففى أروقة المحاكم قصص قد لا يصدقها عقل، وأمهات يجدن أنفسهن فى صراعات من أجل الحفاظ على أموال أطفالهن وحقوقهم.

لكن السؤال هنا لا يتعلق فقط بما يحدث داخل المحكمة، وإنما بما وراءه: هل يضع القانون الحالى مصلحة الطفل والأم التى ترعاه فى الاعتبار؟ وكيف تُدار أموال القاصر بعد وفاة الأب؟ ولماذا تتحول بعض الإجراءات إلى رحلة طويلة من الطلبات.

كان القانون الحالى ينص على أن الوصى على إدارة أموال القصر الذين لم يبلغوا سن الرشد بعد وفاة الأب هو الجد لأب، ما لم يكن الأب قد ترك وصية باختيار الأم وصيةً مختارة قبل وفاته.

وفى حالة وفاة الجد أو إصابته بمرض يعوقه عن ممارسة الوصاية، يمكن أن تصبح والدة الأبناء القصر مسئولة عن الوصاية وفق الإجراءات القانونية.

إلا أن ملف الوصاية شهد خلال السنوات الأخيرة نقاشًا مجتمعيًا واسعًا، خاصة بعد جلسات الحوار الوطنى وصدور توصيات رسمية رُفعت إلى رئاسة الجمهورية، تضمنت مقترحًا بوضع الأم بعد الأب مباشرة فى ترتيب الوصاية على مال القاصر، بدلًا من الجد لأب.

وبين نصوص القانون والإجراءات التى تفرضها حماية أموال القاصر، وبين الأمهات اللاتى يجدن أنفسهن فى مواجهة مسئوليات يومية لا تتوقف بوفاة الأب، تظل قضية الوصاية على المال بحاجة إلى تحقيق التوازن بين أمرين: حماية أموال الطفل من التبديد، وعدم تحويل هذه الحماية إلى عائق أمام تلبية احتياجاته الأساسية.

فالأم، فى نهاية الأمر، قد تكون هى الشخص الأقرب إلى الطفل والأكثر معرفة باحتياجاته اليومية، بينما تظل أموال القاصر أمانة لا يملك أحد التصرف فيها إلا وفق الضوابط القانونية.

حكايات العذاب

«بعد ما جوزى مات، لقيت نفسى لوحدى قدام مسئولية أولادى، وفى الوقت نفسه بقيت فى مشكلة مع جدهم».. بهذه الكلمات تروى إحدى الأرامل قصتها مع قانون الوصاية وعواقبه.

وتقول: «أنا أصلًا مش مكملة تعليمى ومش بشتغل، ومصاريف الأولاد أمى وإخواتى بيساعدونى فيها، لأن جدهم مش بيصرف عليهم».

وتتابع: «كنت عايزة أنقل ملف ابنى لمدرسة قريبة مننا، خصوصًا إن أخته موجودة هناك، لكن جده رفض يروح معايا المدرسة عشان ننقل الملف، وكان رافض كمان موضوع الوصاية».

وتستطرد: «كنت بحاول أقنعه وأقوله إن الولد لازم يكمل تعليمه، لكنه كان يقول لى: «روحى علميه صنعة، على الأقل يشتغل ويبقى يصرف عليكِ.. هو التعليم أخدنا منه إيه؟». وفضل الموضوع يتعطل لحد ما السنة الدراسية راحت على ابنى، وما لحقتش أقدم له فى المدرسة اللى كنت عايزاة يروحها».

وبنبرة حزن وانكسار تضيف: «أنا وقتها حسيت إنى مش عارفة أعمل إيه.. أنا أمه، وأنا اللى عايشة معاه وبربيه، لكن فى حاجات تخصه مش قادرة أتصرف فيها لوحدي».

وفى النهاية لجأت إلى القضاء ورفعت قضية ولاية تعليمية، وتقول: «الحمد لله أخدت الحكم، وبقيت أقدر أتعامل مع المدرسة وأتابع تعليم ابني».

وتختتم: «بس موضوع الوصاية لسه مستمر، ولسه بحاول أوصل لحل يخلينى أقدر أتصرف فى كل حاجة تخص أولادى من غير ما أفضل كل شوية واقفة قدام مشكلة جديدة».

ام أخرى تحكى أزمتها مع الوصاية، قائلة: «أنا جوزى مات، وكان سايب فلوس فى البنك بالدولار، وكان لبنتى نصيب فى الفلوس بعد وفاته. اتفقنا أنا وأسرته على نصيب كل واحد فينا، وكان المفروض إن فلوس بنتى تفضل محفوظة ليها فى الأول».

وتكمل: «جد بنتى كان بيدينى ألفين جنيه كل شهر من فلوسها. أول شهر إدانى، وتانى شهر إدانى، وبعد كده بدأ يقول لى: هجيب لك منين؟ أنا هستلف عشان أديكي!».

وتضيف: «كنت بقوله إن العوايد اللى بتطلع من فلوس بنتى بتعدى خمسة وستة آلاف جنيه، وإن اللى بيديهولى ألفين بس، لكنه كان بيرد عليا: «أعلى ما فى خيلك اركبيه وشوفى إنتِ عايزة تعملى إيه». كنت بسكت وأعدى، علشان مش عايزة أعمل مشاكل، وكنت بقول المهم إن فلوس بنتى موجودة».

لكن الأمور تغيرت عندما قررت أن تذهب بنفسها إلى البنك للاطمئنان على أموال ابنتها.

وتقول: «دخلت البنك وأنا فاكرة إنى هلاقى الفلوس زى ما هى، لكن اتفاجئت إن حساب بنتى صفر.. مفيش ولا جنيه. الفلوس كانت قيمتها تقريبًا 400 ألف جنيه بالمصرى، وكانت موجودة بالدولار. أنا وقتها اتصدمت وقلت: فلوس بنتى راحت فين؟ مين صرفها؟ ومين له الحق يتصرف فيها؟».

ومن هنا بدأت تتحرك قانونيًا، وطلبت جردًا للتركة والاستعلام عن حساب ابنتها، وبدأت الإجراءات فى النيابة الحسبية.

وتضيف: «خلال الإجراءات ظهر كمان موضوع شقة فى الإسكندرية، وعرفت إن فيه تصرف حصل فيها، وكان فيه كمان شقة فى العبور».

وتتابع: «أنا كل اللى كنت عايزاه أعرف فلوس بنتى راحت فين وأحافظ على حقها. وفى النهاية رجع جزء كبير من الأموال، حوالى 300 ألف جنيه، واستمرت الإجراءات بخصوص باقى الحقوق والمستندات».

هذه السيدة، بحسب روايتها، لم تكن تبحث عن نزاع جديد مع أسرة زوجها، بقدر ما كانت تحاول أن تعرف أين ذهبت أموال ابنتها القاصر، ومن يملك حق التصرف فيها.

ومن داخل أروقة المحاكم أيضا تروى خ.م

أم ولدين توفى أبوهما منذ ٥ سنوات وترك أموالا كثيرة وعقارات وبطبيعة الأمر آلت الوصاية للجد وكانت بيننا خلافات منذ تزوجت ابنه ومن الواضح أنه بدأ لعبة الانتقام منى فى صورة التضييق عليَّ وعلى أحفاده لدرجة أنه طلب منى أن أخرجهم من المدارس الدولية وألحقهم بمدارس حكومية مجانية رغم أن أباهم ترك لهم ما يكفى استمرارهم فى المدارس الغالية.. مما اضطرنى لمقاضاته ومحاولة الحفاظ على حق ابنيَّ فى العيش بمستوى يليق بما تركه أبوهما من أموال.

معركة

وهكذا يصبح الوصول إلى حق الطفل معركة جديدة وما تكشفه روايات الأمهات أن المشكلة لا تتوقف دائمًا عند مسألة تحديد الوصى، وإنما قد تمتد إلى قدرة الأم على متابعة أموال أبنائها ومعرفة ما يخصهم من تركة أو حسابات أو عقارات، خاصة عندما تكون هناك خلافات بين أفراد الأسرة.

فالأم التى تتحمل مسئولية تربية الطفل ورعايته اليومية قد تجد نفسها مضطرة إلى اللجوء للقضاء أو النيابة الحسبية للحصول على معلومات أو اتخاذ إجراءات تتعلق بحقوق طفلها.

وفى حالة الأم التى اكتشفت اختفاء أموال ابنتها من الحساب البنكى، تحولت رغبتها فى الاطمئنان على مال طفلتها إلى سلسلة من الإجراءات القانونية، بدأت بالاستعلام عن الحسابات وجرد التركة، ثم امتدت إلى البحث فى التصرفات المتعلقة بالعقارات.

وما بين الحيرة ومحاولة الهروب من ألوان الظلم المختلفة، وحماية حقوق الأبناء ومستقبلهم وتأمين حياتهم وتوفير معيشة كريمة لهم، تسعى الأمهات إلى البحث عن الأمن والاستقرار، وسط إجراءات قد تبدو لهن فى بعض الأحيان كأنها «ثقب إبرة».

ماذا يقول القانون؟ عن الوصاية والولاية التعليمية والحضانة.. وهى ثلاث مسئوليات مختلفة يتمحور حولها النزاع بين الأم والوصي..

داليا نعمان، المحامية بالنقض
داليا نعمان، المحامية بالنقض

فى هذا الإطار، تقول داليا نعمان، المحامية بالنقض، إن الوصاية على المال هى سلطة قانونية تمنح للشخص لإدارة أموال القاصر ورعاية مصالحه المالية، موضحة أن هناك فارقًا جوهريًا بين الوصاية على المال والحضانة والولاية التعليمية.

وأضافت أن الوصاية على المال تتعلق بإدارة أموال القاصر، سواء كانت عقارات أو حسابات بنكية، بينما تختص الحضانة بتربية الصغير ورعايته نفسيًا وبدنيًا، فى حين تتعلق الولاية التعليمية بإدارة شئونه الدراسية.

وأوضحت أن الولاية على أموال القاصر، وفقًا للقانون الحالى، تؤول إلى الجد لأب بعد وفاة الأب، ولا تصبح الأم وصية على أموال أبنائها تلقائيًا، وإنما قد تتولى الوصاية فى حالات معينة، من بينها وفاة الجد أو تنازله عن الولاية أو ثبوت عدم أهليته، وذلك من خلال الإجراءات القانونية اللازمة.

وهى إجراءات قد تبدأ بتجميد الحسابات وتنتهى بطلبات الصرف.

فالمشكلات العملية تبدأ، فى كثير من الحالات، بعد وفاة الأب، حيث تواجه الأم إجراءات تتعلق بأموال أبنائها، من بينها تجميد الحسابات والحاجة إلى استصدار قرار بالوصاية وإجراءات جرد التركة، وهو ما قد يستغرق وقتًا، خاصة فى حالة وجود نزاع.

وقالت إن الأم، حتى بعد حصولها على الوصاية، قد تحتاج إلى التقدم بطلب للحصول على إذن بالصرف من النيابة الحسبية، وهو ما ترى أنه يمثل عبئًا على بعض الأمهات، خاصة عندما تكون الأموال مطلوبة لتلبية احتياجات عاجلة للأطفال.

وأكدت داليا نعمان أن هذه الإجراءات قد تجعل الأم تشعر بأنها ليست صاحبة سلطة كافية فى إدارة أموال أبنائها، رغم كونها المسئولة عن رعايتهم اليومية، مشيرة إلى أن القانون الحالى صدر فى خمسينيات القرن الماضى، وترى أنه يحتاج إلى تطوير ليتناسب مع التطورات الحالية فى الخدمات واحتياجات الأسر.

والسؤال الذى يطرح نفسه الآن هل مشروع القانون الجديد.. يضع الأم فى ترتيب متقدم يضمن لها سهولة إدارة حقوق ابنائها؟

تقول داليا نعمان إن القانون خطوة مهمة فى ملف الوصاية على المال، خاصة مع وضع الأم فى ترتيب متقدم للوصاية على أموال أبنائها بعد الأب وقبل الجد لأب، إلى جانب تخفيف بعض القيود والإجراءات المتعلقة بإدارة أموال القاصر، مع استمرار الرقابة على التصرفات الكبرى، مثل بيع العقارات أو شرائها.

واقترحت وضع حد أدنى وأقصى للمبالغ التى يمكن للوصى صرفها من أموال القاصر دون الحاجة إلى الحصول على إذن مسبق فى كل مرة، بما يسمح بتلبية الاحتياجات الضرورية للأطفال بسرعة، مع الحفاظ على الرقابة على الأموال والتصرفات الكبيرة.

واختتمت داليا نعمان حديثها بالتأكيد على أن تطوير إجراءات الوصاية يمكن أن يسهم فى حماية أموال القصر، وفى الوقت نفسه يسهل على الأمهات تلبية احتياجات أبنائهن دون الدخول فى إجراءات طويلة ومتكررة.

الشيخ على المطيعى، من علماء الأزهر الشريف
الشيخ على المطيعى، من علماء الأزهر الشريف

ومن جانبه، قال الشيخ على المطيعى، من علماء الأزهر الشريف، إن الشريعة الإسلامية تنظر فى مسألة الوصاية على مال القاصر إلى مصلحة الطفل أولًا، موضحًا أن المعيار الأساسى هو اختيار الشخص الأقدر على الحفاظ على أموال القاصر وإدارتها بما يحقق مصلحته.

وأوضح أن الجد له حق فى إدارة أموال القاصر، لكن إذا تبين أنه غير قادر أو غير مستطيع القيام بهذه المسئولية، فللقاضى أن ينظر فى الأمر، وقد يرى أن الأم أقدر على رعاية أموال الطفل وإدارة شئونه المالية.

وأكد أن الضابط الشرعى فى التصرف فى مال القاصر هو تحقيق مصلحته والحفاظ على أمواله حتى يبلغ سن الرشد ويصبح قادرًا على استلام ماله وإدارته بنفسه.

الرقابة على أموال الطفل.. حماية أم عبء؟

وحول الإجراءات والرقابة على أموال القاصر، قال إن الإجراءات التى يفرضها القانون تهدف فى الأساس إلى حماية أموال الطفل من التبديد، سواء كان الوصى هو الأم أو غيرها، مؤكدًا أن الهدف من الرقابة ليس التضييق على الوصى، وإنما الحفاظ على مال القاصر.

وأشار إلى أن التشريع يمكن أن يستند إلى مقاصد الشريعة، موضحًا أن تسهيل الإجراءات لا يتعارض مع الشريعة إذا كان الهدف منه حماية مصلحة الطفل وعدم تعطيل حقوقه بسبب كثرة الإجراءات الروتينية، خاصة عندما تكون هناك احتياجات يجب تلبيتها بسرعة.

ويبقى السؤال الذى تطرحه حكايات الأمهات: كيف يمكن أن يحمى القانون مال الطفل، وفى الوقت نفسه يمنح من يرعاه القدرة على تلبية احتياجاته دون أن تتحول كل خطوة إلى معركة جديدة؟