تختلف من معمل لآخر ولا عزاء للمرضى
اسعار التحاليل والاشعات..نار
النقابات وبعض المؤسسات والتأمين الصحى ترحم الملايين.. وانعدام «المظلة» مشكلة تواجه الكثيرين
خبراء: الفحوصات «عين الطبيب».. ولا غنى عنها للتشخيص السليم
لم يعد المرض وحده هو ما يؤرق مضاجع المواطنين، فقد أصبحت تكلفة التشخيص جزءًا آخر من المعاناة، والتى تبدأ منذ اللحظة التى يخرج فيها المريض من عيادة الطبيب حاملًا قائمة طويلة من التحاليل والأشعة، ولا تنتهى إلا بعد أن يعرف ما إذا كان قادرًا على تحمل تكلفتها أم سيضطر إلى تأجيل بعضها أو البحث عن مكان أقل سعرًا.
وفى الآونة الأخيرة، شهدت أسعار التحاليل الطبية والفحوصات الإشعاعية ارتفاعًا ملحوظًا، لتتحول بعض الفحوصات إلى عبء مالى يضاف إلى أعباء المرض وتكاليف الدواء والمتابعة.
وبينما يؤكد الأطباء أن التشخيص الدقيق لا يمكن أن يقوم فى كثير من الحالات دون تحاليل وأشعة، يجد المرضى أنفسهم أمام تفاوت واضح فى الأسعار من مكان لآخر، وهنا يقف المريض حائرا بين حاجته إلى معرفة حقيقة حالته الصحية، وقدرته المادية على تحمل تكلفة التشخيص.
التشخيص أغلى من العلاج
بين أروقة المستشفيات والمعامل الخاصة، تتكرر شكاوى المرضى من ارتفاع تكلفة الفحوصات، خاصة عندما تتراكم أكثر من مطالبة طبية فى وقت واحد، فيجد المريض نفسه أمام فاتورة قد تتجاوز قدرته على الدفع.
الحاج محمود السيد، 62 عامًا، موظف متقاعد، كان يمسك فى يده روشتة طبيب تتضمن تحاليل لوظائف الكبد والكلى والسكر التراكمى، إلى جانب أشعة رنين مغناطيسى على الظهر.
يقول محمود، بنبرة تحمل قدرًا من الحسرة: «الطبيب طلب منى هذه الفحوصات، وعندما توجهت إلى أحد المراكز فوجئت بأن التكلفة الإجمالية تتخطى معاشى بالكامل، وأصبحت أمام خيارين إما أن آكل وأشرب أنا وأسرتى، أو أدفع ثمن الأشعة والتحاليل لكى أعرف تشخيص مرضى».
ولا تبدو معاناة محمود حالة فردية، إذ تروى السيدة مروة على، وهى أم لثلاثة أطفال، تجربة أخرى بعدما طلب الطبيب إجراء مجموعة من الفحوصات لطفلها بسبب إصابته بحمى غامضة، حيث طلب الطبيب صورة دم كاملة وتحليلًا للفيتامينات، تنقلت مروة بين ثلاثة معامل فى نفس الشارع، وفوجئت بأن كل معمل يضع سعرًا مختلفًا تمامًا لنفس التحليل، فغياب الرقابة جعل أسعار المعامل تسير وفق هوى أصحابها تحت مسمى الخدمة المميزة.
كيفية تحديد الأسعار
وبين تجربة مريض يبحث عن تشخيص لا يستطيع تحمل تكلفته، وأم تحاول الوصول إلى الفحص المطلوب لطفلها بأقل تكلفة ممكنة، تبرز قضية أوسع تتعلق بكيفية تحديد أسعار خدمات التشخيص، والعوامل التى تجعل تكلفة الفحص الواحد متفاوتة بين مكان وآخر.
وهنا قال الدكتور أشرف الصياح، إن ارتفاع أسعار التحاليل الطبية فى مصر يرتبط بصورة أساسية بزيادة تكلفة الأجهزة والمستلزمات الطبية، موضحًا أن معظم الأجهزة المستخدمة فى معامل التحاليل مستوردة من الخارج، وبالتالى تتأثر بصورة مباشرة بارتفاع سعر الدولار.
وأوضح الدكتور أشرف الصياح لـ«الوفد»، أن ارتفاع أسعار التحاليل لا يرتبط بعامل واحد فقط، وإنما تدخل فيه مجموعة من العوامل، من بينها مستوى الخدمة المقدمة للمريض، وتكلفة تشغيل الأجهزة، وأجور العاملين والأطباء، فضلًا عن الخدمات الإضافية التى تقدمها بعض المعامل، مثل إرسال نتائج التحاليل عبر الهاتف المحمول.
ولفت إلى أن المشكلة الأكبر تتعلق بالمواطن الذى لا يمتلك مظلة تأمينية تتحمل جزءًا من تكلفة الفحوصات، فى حين أن بعض الجهات والنقابات لديها تعاقدات مع معامل أو منظومات صحية، بحيث يتحمل المريض جزءًا من التكلفة بينما تتحمل الجهة المتعاقدة الجزء الآخر، مثل بعض النقابات، إلى جانب منظومة التأمين الصحى، التى توفر للمواطن تغطية تختلف بحسب النظام والجهة التى تقدم الخدمة.
وأكد أن تطبيق منظومة التأمين الصحى الشامل يمثل خطوة مهمة فى اتجاه تخفيف الأعباء المالية عن المواطنين، مشيرًا إلى أن المنظومة مطبقة حاليًا فى عدد من المحافظات، مع استمرار التوسع فى تطبيقها، بما يسهم تدريجيًا فى توفير الخدمات الصحية والفحوصات اللازمة للمواطنين تحت مظلة التأمين.
وشدد الدكتور أشرف الصياح على أن التحاليل الطبية والفحوصات والأشعة تمثل جزءًا أساسيًا من عملية التشخيص الطبى، ولا يمكن النظر إليها باعتبارها إجراءات يمكن الاستغناء عنها بصورة عامة، موضحا أن الطبيب قد يضع عدة احتمالات أمامه عند فحص المريض، وتأتى نتائج التحاليل والفحوصات لتساعده فى تأكيد التشخيص وتحديد مسار العلاج المناسب، بما يجعلها جزءًا مهمًا من عملية اتخاذ القرار الطبى.
وأضاف أن أهمية التحاليل لا تقتصر على التشخيص الأولى، وإنما تمتد إلى متابعة استجابة المريض للعلاج، موضحًا أن مريض السكرى، على سبيل المثال، يحتاج إلى إجراء الفحوصات لمعرفة مدى استجابة جسمه للدواء، وتحديد ما إذا كان العلاج مناسبًا ويستمر عليه المريض، أم يحتاج إلى تعديل أو تغيير أو زيادة الجرعة.
وأوضح أن المتابعة فى بعض الحالات قد تصل إلى إجراء الفحوصات كل ثلاثة أشهر، وفقًا لحالة المريض وطبيعة العلاج المستخدم، وهو ما يعنى أن تكلفة التشخيص لا ترتبط دائمًا بزيارة طبية واحدة، وإنما قد تصبح أمرا متكررًا على مدار رحلة العلاج.
وعن تفاوت أسعار التحاليل من معمل إلى آخر، أوضح الدكتور الصياح أن اختلاف الأسعار يمكن أن يرتبط باختلاف مستوى الخدمة والتجهيزات والتكلفة التشغيلية بين المعامل، مشيرًا إلى أن بعض المعامل تنفق بصورة أكبر على الأجهزة الحديثة وجودة الكواشف والتعقيم ومستوى الخدمة المقدمة للمريض، مؤكدا أن انخفاض سعر الدولار وتراجع تكاليف المستلزمات الطبية، ربما ينعكس على أسعار الخدمات الطبية ويسهم فى تخفيف الأعباء المالية عن المواطنين.
التحاليل والأشعة عين الطبيب
وفى السياق نفسه، أكد الدكتور أحمد بحلس، استشارى جراحة التجميل والجراحات الميكروسكوبية وعضو مجلس النقابة العامة للأطباء فى حديثه لـ«الوفد»، أن التحاليل الطبية والأشعة تمثل جزءًا أساسيًا من الممارسة الطبية ومنظومة التشخيص، مشددًا على أنه لا يمكن للطبيب الاستغناء عنها أو استبدالها ببدائل أخرى عندما تكون هناك حاجة طبية حقيقية لإجرائها.
وأوضح «بحلس» أن طبيب جراحة التجميل، شأنه شأن الأطباء فى مختلف التخصصات، يحتاج إلى الاستعانة بالتحاليل والأشعة عند تقييم المرضى وتحديد الإجراءات الطبية المناسبة، لافتًا إلى أن الطبيب يطلب الفحوصات اللازمة وفقًا لحالة المريض، بينما يظل اختيار المكان الذى يجرى فيه المريض تلك الفحوصات أمرًا متروكًا له، وفق إمكانياته وظروفه.
ووصف استشارى جراحة التجميل والجراحات الميكروسكوبية التحاليل والأشعة بأنهما بمثابة «عين الطبيب»، موضحًا أنهما تساعدان الطبيب على معرفة ما يحدث داخل جسم المريض، وقياس تطور حالته وتحديد كيفية التعامل معها، وما إذا كانت تستدعى تدخلًا طبيًا من عدمه.
وأشار إلى أن أهمية الفحوصات لا تقتصر على تشخيص المرض فقط، وإنما تمتد إلى مساعدة الطبيب فى اتخاذ القرار الطبى بصورة أكثر دقة، سواء فيما يتعلق ببدء العلاج أو التدخل الجراحى أو متابعة تطورات الحالة، مؤكدًا أن الاستغناء عنها فى الحالات التى تستدعى إجراءها ليس أمرًا مطروحًا من الناحية الطبية.
وشدد «بحلس» على أهمية تحقيق قدر من الاتزان فى التعامل مع التحاليل والأشعة، موضحًا أن الأمر لا يتعلق بكثرة الفحوصات التى يتم طلبها، وإنما بمدى احتياج المريض إليها وفق حالته، مشيرا إلى أن الطبيب مطالب بتقييم حالة المريض بصورة دقيقة، وطلب الفحوصات التى يحتاج إليها للوصول إلى التشخيص واتخاذ القرار الطبى، مع ضرورة تفهم المريض والمجتمع لطبيعة التدخلات الطبية وما قد يصاحبها من مضاعفات أو أعراض جانبية محتملة.
وأضاف أن أى تدخل طبى، مهما كانت درجة الالتزام بالتعليمات والأصول الطبية المتعارف عليها، تظل له احتمالات لحدوث بعض المضاعفات أو الأعراض الجانبية، وهى أمور قد تكون معروفة طبيًا ولا تعنى بالضرورة وجود خطأ من الطبيب أو مخالفة للقواعد الطبية.
وحذر عضو مجلس النقابة العامة للأطباء من أن الخوف من التشهير أو إساءة استخدام بعض المضاعفات الطبية فى مواجهة الطبيب قد يدفع الأطباء إلى اتباع ما يُعرف بـ«الطب الدفاعى»، وهو يعنى أن الطبيب، بدلًا من الاكتفاء بالفحوصات التى يحتاج إليها المريض للوصول إلى التشخيص واتخاذ القرار الطبى، قد يلجأ إلى طلب تحاليل وأشعات إضافية تحسبًا لأى مساءلة مستقبلية، وحتى يكون لديه ما يثبت أنه أجرى أكبر قدر ممكن من الفحوصات قبل اتخاذ أى إجراء طبى.
وأضاف أن ارتفاع تكلفة التشخيص لا ترتبط فقط بأسعار المعامل ومراكز الأشعة، وإنما قد تتأثر أيضًا بعدد الفحوصات المطلوبة للمريض ومدى ضرورتها الطبية، خاصة إذا تحولت بعض الفحوصات الإضافية إلى وسيلة لحماية الطبيب من احتمالات المساءلة بدلًا من كونها ضرورة مرتبطة بحالة المريض.
ولفت «بحلس» إلى أن زيادة عدد التحاليل والأشعة المطلوبة دون وجود ضرورة طبية حقيقية لا تمثل فقط عبئًا على المريض من الناحية الصحية أو الإجرائية، وإنما تفرض عليه أيضًا تكلفة اقتصادية غير ضرورية، خاصة فى ظل ارتفاع أسعار الخدمات الطبية والفحوصات.
وأكد أن تأثير الطب الدفاعى لا يتوقف عند حدود المريض، وإنما يمتد إلى المنظومة الصحية بأكملها، قائلًا إن كثرة الفحوصات غير الضرورية تؤدى إلى استهلاك موارد المنظومة الصحية وتحميلها أعباء تفوق قدرتها، فى الوقت الذى كان من الممكن توجيه هذه الموارد إلى الحالات التى تحتاج إليها بالفعل.
وأكد «بحلس» أن مواجهة هذه الإشكالية كانت أحد الأسباب التى جعلت الأطباء يطالبون، عند مناقشة وتطبيق قانون المسئولية الطبية، بوجود آلية عادلة ومتخصصة للفصل فى شكاوى الأخطاء والمضاعفات الطبية، بحيث يكون من يتولى تقييم الحالة الطبية من الاستشاريين المتخصصين فى المجال نفسه.
وأوضح أن الاستعانة بأطباء استشاريين من التخصص ذاته فى تقييم الأخطاء والمضاعفات من شأنها أن تساعد على تحقيق قدر أكبر من العدالة، والتمييز بين الخطأ الطبى الحقيقى وبين المضاعفات الطبية المحتملة التى يمكن أن تحدث رغم التزام الطبيب بالأصول والقواعد الطبية المتعارف عليها.
وشدد على أن الهدف من هذه المنظومة هو عدم دفع الطبيب إلى اللجوء للطب الدفاعى بصورة مبالغ فيها، خاصة أن المنظومة الصحية والاقتصادية فى مصر ليست مؤهلة لتحمل الأعباء الناتجة عن الإفراط فى الفحوصات الطبية، فضلًا عن أن المريض نفسه هو أول من يتحمل تكلفة هذا الاتجاه.
واختتم الدكتور أحمد بحلس حديثه بالتأكيد أن التحاليل والأشعة «لا غنى عنها» فى المنظومة الطبية، باعتبارها أدوات أساسية تساعد الطبيب على التشخيص واتخاذ القرار، لكن المطلوب هو استخدامها بصورة متزنة ووفق الاحتياج الطبى الحقيقى للمريض.

تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض