يوليوس الأقفهصي.. قلم حفظ أسماء الشهداء وانتهى إلى إكليل الشهادة
في زمن كانت فيه أسماء الشهداء مهددة بأن تضيع وسط قسوة الاضطهاد، اختار رجل أن يحمل ذاكرتهم بين يديه، فيبحث عن قصصهم ويسجل آلامهم ويحفظ أسماءه للأجيال، ولم يكن يعلم أن القلم الذي دون به سير من سبقوه إلى إكليل الشهادة، سيقود قصته هو أيضًا إلى المكان نفسه.
إنه القديس يوليوس الأقفهصي، الذي عرف في التاريخ القبطي بلقب "كاتب سير الشهداء"، بعدما كرس حياته وإمكاناته لتوثيق ما تعرض له المسيحيون في عصور الاضطهاد، حتى أصبحت سيرته واحدة من القصص اللافته في تاريخ الكنيسة، فالرجل الذي انشغل بحفظ حكايات الشهداء، صار في النهاية شهيدًا تحفظ حكايته وتروى للأجيال.
وفي زمن كان فيه الإيمان بالمسيح طريقًا محفوفًا بالمخاطر، ظهر اسم القديس يوليوس الاقفهصى، الذي اختار أن يحفظ للأجيال القادمة قصص الذين دفعوا حياتهم ثمنًا لإيمانهم، فارتبط اسمه في التراث القبطي بلقب "كاتب سير الشهداء والقديسين".

وبحسب التراث الكنسي، ولد القديس يوليوس في القرن الثالث الميلادي بمدينة أقفهص المعروف حاليًا بالبهنسا، وكان من الأثرياء وأصاحب المكانة والنفوذ، وامتلك علاقات قوية بالسلطات الرومانية، حتى ذكر أنه كان صديقًا لوالي الإسكندرية.
لكن مكانتة لم تدفعه إلى الابتعاد عن آلام المسيحيين في زمن الاضطهاد، بل جعل منها قضية كرس لها حيات وإمكاناته، فاهتم بجمع أخبار الشهداء وتسجيل ماتعرضوا له من محاكمات وتعذيب واستشهاد، حتى لا تضيع قصصهم مع مرور الزمن.
وتذكر الرويات الكنسية أنه كون فريقُا كبيرا من الكتبة بلغ نحو 300 شخص، ممن يجيدون القراءة والكتابة، وارسلهم إلى مختلف مدن مصر لتقضى أخبار الشهداء وجمع تفاصيل سيرهم، ليصبح مهتمه أشبها بحفظ ذاكرة الكنيسة وتسجيل أسماء من سبقوا إلى المجد.

ولم يكن القديس يوليوس يعلم أن القصة التي ظل يكتبها عن الشهداء ستصبح يومًا قصته هو من كاتب سير الشهداء إلى شهيد بينهم.
مع اشتداد الاضطهاد وجد يوليوس نفسه أمام الاختبار ذاته الذي سجل تفاصيله في سير الشهداء وعلى الرغم من إدراكه للمصير الذي ينتظره، لم يتراجع عن إيمانه بل مضى معلنًا تمسكه بالمسيح، وتروي المصادر الكنسية أه توجه إلى والي سمنود، واعلن أمامه إيمانه بالسيد المسيح فتعرض للتعذيب بسبب إيمانه، ثم نال إكليل الشهادة.
وهكذا اكتملت دائرة سيرته فالرجل الذي حمل مسؤولية تسجيل أسماء الشهداء وحفظ قصصهم للأجيال، أصبح هو نفسه واحدًا من الأسماء التي تحفظ الكنيسة سيرتها لتبقى حكايته شاهدة على إيمان لم يكتف بأن يكتب بل عاشه صاحبه حتى النهاية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض