زراعة القوقعة ليست نهاية رحلة العلاج
أطفال يبحثون عن «صوت الحياة»
ارتفاع أسعار الأجهزة وقطع الغيار وكارت الخدمات المتكاملة أزمات تبحث عن حل
أُسر تناشد وزراء الصحة والتعليم والتضامن: أطفالنا لا يطلبون شفقة.. نريد حقوقنا
أطفال ليسوا كباقى الأطفال، فقبل أن يسمعوا كلمة «صباح الخير» من أمهاتهم يتفقدون أولًا جهازًا صغيرًا مثبتًا فى آذانهم، يتأكدون من البطارية، ومن سلامة المعالج، ومن أن كل قطعة فى مكانها، حتى يتمكنوا من التواصل مع من حولهم، أشياء قد تبدو عادية بالنسبة للآخرين، لكنها بالنسبة إلى الأطفال زارعى القوقعة تعنى شيئًا أكبر بكثير، تعنى أن نافذته إلى العالم ما زالت مفتوحة.
صوت الأم، شرح المدرس، ضحكة زميل، جرس المدرسة، أو حتى نداء عابر فى الشارع.. كلها أصوات قد لا تصل إلى الطفل إلا من خلال هذا الجهاز الذى أصبح جزءًا منه، وبدونه سيفقد كل وسيلة للتواصل مع الآخرين.
ومن هنا تبدأ حكاية آلاف الأسر التى لا تخوض فقط رحلة العلاج وزراعة القوقعة والتأهيل، وإنما تواجه بعد ذلك معارك أخرى: تكلفة الأجهزة وقطع الغيار، صعوبة الصيانة، فقدان السماعة، التنمر، ثم محاولة الحصول على الخدمات والحقوق التى ترى الأسر أنها مستحقة لأطفالهم.

بداية المشكلة
تروى والدة الطفل ياسين الذى تمت زراعة قوقعة له، حكاية طفلها الذى اكتشفت أنه لا يلتفت إلى صوتها ولا أصوات من حوله منذ صغره، ومن ثم بدأت رحلة العلاج التى انتهت بزراعة القوقعة، وتقول «مع الأسف يتعامل الكثيرون مع القوقعة باعتبارها نهاية مشكلة فقدان السمع، بينما ترى الأسرة أن الواقع مختلف تمامًا».
وأوضحت لـ«الوفد»، أن الطفل يعتمد على الجزء الخارجى من الجهاز حتى يستطيع الاستفادة من القوقعة المزروعة داخل أذنه، مضيفة أن تعطل الجهاز أو فقدانه قد يضع الأسرة أمام أزمة حقيقية.
وتقول «ابنى لم يختر أن يكون ضعيف السمع، والقوقعة لم تكن رفاهية، فنحن لجأنا إليها حتى يستطيع أن يسمع ويتعلم ويتواصل، لكن عندما يتعطل الجهاز، أشعر أننا نعود إلى نقطة الصفر».
وترى أم ياسين أن تقييم حالة الطفل يجب ألا يتوقف عند حقيقة أنه خضع لعملية زراعة قوقعة، وإنما يجب أن يأخذ فى الاعتبار حالة السمع الأصلية واحتياجات الطفل الفعلية ومدى اعتماده على الجهاز الخارجى.
قطع غيار تثقل كاهل الأسر
معاناة أخرى تعيشها العديد من أسر الأطفال زارعى القوقعة، تبدأ بأن الأجهزة المرتبطة بزراعة القوقعة وقطع الغيار والصيانة قد تمثل عبئًا ماليًا كبيرًا على آلاف الأسر.
وبحسب ما نقلته إحدى الأمهات فسعر البطارية يتراوح بين 19 ألفًا و26 ألف جنيه، وقد يزيد وفقًا للنوع والشركة المصنعة، بينما يصل سعر بعض الكابلات إلى نحو 17 ألف جنيه.
كما تبدأ بعض الفلاتر من 1200 جنيه، وتحتاج إلى تغيير بصورة دورية، بينما قد تتراوح تكلفة المعالج أو الـProcessor حول 50 ألف جنيه، وقد تتجاوز 200 ألف جنيه فى بعض الأنواع.
ويقول «أحمد.س»، والد أحد الأطفال: «المشكلة أن الجهاز بالنسبة لنا ليس رفاهية نقدر نستغنى عنها. لو قطعة صغيرة تعطلت، الطفل ممكن يتأثر فى سمعه وتواصله، والأسرة تجد نفسها مطالبة بمبلغ كبير حتى تعيد الجهاز للعمل».
ويضيف: «أن الأسرة لا تنظر إلى هذه الأجهزة باعتبارها كماليات، وإنما باعتبارها جزءًا أساسيًا من حياة الطفل اليومية».
محمود: السمّاعة حياة
قصة الطفل محمود، واحدة من القصص التى تكشف عن حجم المعاناة التى يعيشها هؤلاء الأطفال، فبعد أن أجريت عملية زراعة القوقعة لمحمود، وظنت أسرته أن الحياة أخيرًا ضحكت فى وجه الصغير الذى ولد بحاسة سمع ضعيفة، وما إن بدأ محمود فى سماع أصوات من حوله وبدأ يتعلم ويتواصل معهم، إذا به يفقد سماعته فى مكان غير معلوم، وبدأت رحلة البحث عن السماعة، إلا أن الأسرة فشلت فى إيجادها فى كل مكان يتردد عليه الطفل، ووجّه والد محمود نداءً إلى من عثر على السماعة لإعادتها لابنه حتى تعود له الحياة مرة أخرى، مؤكدًا أن قيمة السماعة تقدر بنحو 300 ألف جنيه، مشيرًا إلى أن القضية بالنسبة له ليست قضية أموال فقط، قائلًا: «أنا لا أريد أى شيء سوى إعادة السماعة لابنى. فهى ليست مجرد جهاز، دى جزء من حياته».
ويضيف أن الأسرة لا تستطيع التعامل مع فقدان السماعة باعتباره فقدان غرض عادى، لأن الطفل يعتمد عليها فى السمع والتواصل وممارسة حياته اليومية.
ويختصر الأب مناشدته فى كلمات بسيطة «لو السماعة وصلت لأى إنسان فهو لن يستفيد بها شيئًا، لكن ابنى محتاجها فعلًا»، مستطردًا: «الإنسان اللى لقاها ممكن يعتقد أنها مجرد جهاز، لكن ابنى شايف فيها صوته».
تكلفة حياة كاملة
معاناة محمود وأسرته مجرد نموذج لمعاناة آلاف الأسر مع الأجهزة المكملة لعملية زراعة القوقعة، وهذه المعاناة ليست قاصرة على إجراء الجراحة وتوفير الأجهزة وقطع الغيار، وإنما تمتد إلى أبسط الحقوق اليومية، وفى مقدمتها الحق فى التعليم.
فتقول أم كريم: «نحن ندفع مبالغ كبيرة لعلاج الطفل وتركيب الجهاز وقطع الغيار والصيانة، وعندما تبدأ الدراسة نجد أمامنا مصروفات واشتراكات وخدمات أخرى، لذا نناشد المسئولين أن يراعوا ظروف الأسر، وأن يصل الإعفاء المقرر للطلاب ذوى الإعاقة إلى مستحقيه بسهولة ودون إجراءات معقدة».
وتوضح الأم أن الأسرة لا تطلب إعفاءً باعتباره امتيازًا، وإنما تراه مساعدة ضرورية فى ظل الأعباء المتراكمة التى تتحملها الأسرة منذ ولادة الطفل، مطالبة المدارس والإدارات التعليمية بتوضيح الإجراءات وتيسيرها أمام أولياء الأمور.
وتضيف: «كل جنيه نوفره من المصروفات نحتاجه فى بطارية أو قطعة غيار أو جلسة تأهيل. بالنسبة لنا هذه ليست مصروفات إضافية، وإنما أموال نحتاجها حتى يستمر الطفل فى السمع والتعلم».
إلى وزير الصحة
وفى مناشدة لوزير الصحة والسكان، الدكتور خالد عبدالغفار، طالبت أسر الأطفال زارعى القوقعة النظر فى الارتفاع الكبير فى أسعار الأجهزة وقطع الغيار الخاصة بها، ووضع حلول تضمن عدم تحول التكلفة إلى عائق أمام استمرار الطفل فى السمع.
وتقول أم ياسين: «نحن لا نستطيع أن نوفر عشرات الآلاف من الجنيهات لقطعة فى الجهاز، فالطفل لا يستطيع الانتظار حتى نوفر المبلغ، لأن الجهاز بالنسبة له ليس رفاهية»، مؤكدة أن أسعار بعض قطع الغيار قد تصل إلى مبالغ كبيرة، بينما تحتاج بعض القطع إلى تغيير أو صيانة بصورة دورية، وهو ما يضع الأسر محدودة ومتوسطة الدخل أمام ضغوط مالية متواصلة.
وتطالب الأسر وزارة الصحة بدراسة آليات لتوفير قطع الغيار الأساسية بأسعار مدعمة، أو إدراجها ضمن برامج الرعاية الصحية التى تستهدف الأطفال من ذوى الإعاقة، إلى جانب بحث إمكانية توفير صيانة دورية وخدمات دعم فنى بصورة أكثر سهولة.
كارت الخدمات المتكاملة
كما تشير الأسر إلى مشكلة أخرى وهى بطاقة الخدمات المتكاملة، حيث تطالب الأسر بأن يكون تقييم الاستحقاق قائمًا على الحالة السمعية ودرجة فقدان السمع والاحتياجات الفعلية للشخص، وألا يكون وجود القوقعة أو الجهاز الخارجى وحده سببًا تلقائيًا لرفض الطلب.
وتقول منى والدة طفلة تم إجراء زراعة قوقعة لها: «ابنتى لم تزرع القوقعة لأنها كانت تسمع بشكل طبيعى، فالقوقعة جاءت بعد معاناة من فقدان سمع شديد، لذلك نريد أن يتم النظر إلى حالتها قبل وبعد الزراعة، وإلى احتياجاتها الحقيقية.
وتؤكد أن الأسر لا تطالب بمنح أبنائها ميزة لا يستحقونها، وإنما تطالب بوجود تقييم واضح وعادل، يضع فى الاعتبار طبيعة الإعاقة السمعية واعتماد الطفل على الجهاز الخارجى.
وتضيف «نحن نريد معيارًا واضحًا نعرف من خلاله لماذا قُبل طلب طفل ورُفض طلب آخر، حتى لا تبقى الأسرة فى حالة من الحيرة والخوف».
وترى أسر زارعى القوقعة أن بطاقة الخدمات المتكاملة لا ينبغى النظر إليها باعتبارها مجرد بطاقة، وإنما كوسيلة للوصول إلى مجموعة من الخدمات والاستحقاقات التى قد تساعد الطفل والأسرة فى مواجهة أعباء الإعاقة.
زراعة القوقعة ليست نهاية الرحلة
وتعليقًا على هذا توضح الدكتورة رضوى سليم، طبيبة التخاطب، أن زراعة القوقعة تمثل خطوة مهمة فى مساعدة الطفل الذى يعانى من فقدان سمع شديد على تطوير قدراته السمعية واللغوية، لكنها فى الوقت نفسه ليست نهاية الطريق، مؤكدة أن الطفل يحتاج بعد الزراعة إلى متابعة وتأهيل مستمرين، وأن الاستفادة من القوقعة ترتبط بانتظام استخدام الجهاز الخارجى وسلامته.
وتقول سليم، فى حديثها لـ«الوفد»، القوقعة تعطى الطفل فرصة مهمة للسمع والتواصل، لكن لا بد أن نفهم أنه لا يصبح بمجرد إجراء العملية فى غنى عن الجهاز الخارجى أو عن جلسات التأهيل والمتابعة، مشيرة إلى أن أى مشكلة فى الجهاز أو توقفه عن العمل يمكن أن تؤثر على قدرة الطفل على الاستفادة من المدخل السمعى الذى يعتمد عليه.
وتشير طبيبة التخاطب إلى أن التأهيل السمعى واللغوى يحتاج إلى صبر واستمرارية، خصوصًا خلال السنوات الأولى، لأن الطفل لا يتعلم الاستماع والكلام بمجرد سماع الأصوات، وإنما يحتاج إلى تدريب ومتابعة من الأسرة والمتخصصين.
وتضيف طبيبة التخاطب، أن الأسرة تتحمل مسئولية كبيرة بعد العملية، ولذلك يجب أن تكون هناك منظومة دعم حقيقية تساعدها على الاستمرار، سواء من الناحية الطبية أو التأهيلية أو فيما يتعلق بصيانة الجهاز وتوفير مستلزماته.
وعن ارتفاع أسعار قطع الغيار، ترى «سليم» أن عدم قدرة الأسرة على توفير قطعة أساسية أو إصلاح جهاز الطفل قد ينعكس بصورة مباشرة على انتظامه فى عملية التأهيل، قائلة: «لا يجب أن نصل إلى مرحلة يكون فيها العامل المادى سببًا فى توقف طفل عن الاستفادة من القوقعة، فالطفل يحتاج إلى الاستمرارية، وأى انقطاع طويل قد يمثل عبئًا إضافيًا على رحلة التأهيل».
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض