ضرب.. عنف.. وإهمال:
أطفال التوحد.. فى يد من لا يرحم
إخصائية تضرب طفلًا على رأسه.. وشكاوى من مراكز التأهيل.. وأولياء الأمور يصرخون
الرقابة مسئولية الصحة والتضامن.. وكاميرات المراقبة تكشف كوارث
خبراء: التعامل معهم له قواعد.. والسجن فى انتظار المخالفين
ابتلاء شديد تتعرض له آلاف الأسر بسبب إصابة أحد أطفالها بمرض التوحد، ذلك المرض الذى عجز الطب عن إيجاد علاج فعال له حتى الآن، وأصبح الاعتماد على مراكز التأهيل أو إخصائى التخاطب والتعامل مع مثل هذه الحالات هو الملاذ الآمن لهم، ولكن فى الآونة الأخيرة انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعى فيديوهات وصور كشفت الجانب الخطير فى بعض هذه المراكز، بالإضافة إلى الأفعال غير المتوقعة من بعض الإخصائيين الذين تبين أنهم غير أمناء على هؤلاء الأطفال من ذوى الاحتياجات الخاصة.
فمراكز تأهيل أطفال التوحد ليست مجرد أماكن لحصول الطفل على جلسات تأهيل بدنى أو سلوكى أو لغوى، بل أنها بالنسبة للعديد من الأسر تعتبر مساحة يضعون فيها ثقتهم الكاملة أملًا فى مساعدة أبنائهم على التواصل والاندماج، وعلاجهم من المرض الذى يحول بينهم وبين التواصل مع المجتمع وممارسة حياتهم بشكل طبيع، ولكن هذه الثقة اهتزت، وبات التفكير فى ترك الأبناء والأطفال لدى الغير، خاصة فى الحضانات أو مراكز التأهيل والعلاج أمر مرهق، ومصدر إزعاج نفسى وفكرى، بعدما تم تداوله على وسائل التواصل الاجتماعى.
فمنذ أيام قليلة انتشر مقطع فيديو على مواقع التواصل يوثق واقعة اعتداء إخصائية تخاطب بالضرب والتعنيف القاسى على طفل مصاب بمرض التوحد من ذوى الهمم أثناء جلسة تأهيلية، وكانت الأم قد رفضت ذهاب ابنها لأحد مراكز التأهيل، فجاءت بإخصائية له فى المنزل، إلا أنها لاحظت أن طفلها الصغير يعود من جلسة التخاطب خائفاً وصامتاً وغير مبالٍ، ويرفض الذهاب مرة أخرى، فقررت الأم وضع كاميرا مراقبة صغيرة داخل غرفة الجلسات لكى تطمئن على طفلها ومعاملة الإخصائية له، ومن خلال فحص ما سجلته الكاميرا فوجئت الأم بأن الإخصائية تقوم بضرب الطفل على رأسه، والصراخ فى وجهه وجذبه من ملابسه وإلقاء الكروت فى وجهه بعنف، بينما كان الطفل يضع يديه على وجهه ويبكى عاجزاً عن الدفاع عن نفسه.
هذا الفيديو أثار حالة من الاستنكار الشديد والغضب العارم بين رواد مواقع التواصل الاجتماعى وطالب المتابعون بضرورة محاسبة الإخصائية بأشد العقوبات القانونية وتشديد الرقابة على مراكز وجلسات رعاية ذوى الاحتياجات الخاصة
هذه الواقعة لم تكن الأولى من نوعها، فقد سبقتها وقائع أخرى فى بعض مراكز التأهيل أكدت جميعًا أن هذه المراكز فى حاجة لرقابة صارمة، حيث تعرض أحد الأطفال للتعنيف الشديد داخل أحد المراكز التأهيل، وأكدت والدته أنها لاحظت وجود كدمات وآثار إصابات متفرقة على جسد طفلها، بينما كانت تحصل فى كل مرة على تفسيرات مختلفة من المسئولين بالمركز..
وبحسب رواية الأم، تطورت شكوكها بعدما عاد طفلها فى إحدى المرات وهو يعانى من ألم واضح فى ذراعه، قبل أن تكشف مراجعة كاميرات المراقبة، لتكتشف أن الطفل تعرض للضرب بعنف داخل المركز، ما دفع الأسرة لاتخاذ إجراءات قانونية.
أين البيئة الآمنة؟
هذه الوقائع فتحت باب النقاش حول طرق التعامل داخل مراكز التأهيل، وحدود الرقابة عليها، والمعايير التى يجب أن تتوافر فى الإخصائيين العاملين مع هؤلاء الأطفال الذين يحتاجون إلى معاملة خاصة جدًا. كما سلطت الضوء على المخاوف التى يعيشها كثير من الأهالى، فى ظل اعتماد بعض الأسر على ملاحظة التغيرات النفسية والسلوكية كوسيلة وحيدة لاكتشاف وجود مشكلة.
وبين تأكيد متخصصين على أهمية بناء الثقة والدعم النفسى داخل الجلسات، وتشديدهم على خطورة استخدام أى أساليب قائمة على التخويف أو الضغط، يبقى السؤال: كيف يمكن ضمان بيئة آمنة لأطفال يحتاجون إلى رعاية خاصة وحماية مستمرة؟
وقالت إحدى الأمهات إن بعض الأسر أصبحت تشعر بحيرة شديدة عند اختيار المركز المناسب، فى ظل كثرة المراكز والإعلانات المنتشرة، مؤكدة أن «بعض الأماكن بقت تتعامل مع الموضوع كمجرد بيزنس، رغم إن الأطفال دول محتاجين تعامل خاص وصبر وتأهيل حقيقى».
وأضافت منى، أم، لأحد الأطفال المصابين بالتوحد أنها اضطرت لاستقدام إخصائى لتعديل سلوك ابنها المصاب بالتوحد فى المنزل، نظراً لصعوبة انتقالها به من منزلها فى الفيوم للقاهرة، ونتيجة لذلك فهى تتكلف 5 آلاف جنيه شهريًا مقابل ذهاب الإخصائى إليها مرتين أسبوعيًا، ومع ذلك لم تجد نتيجة حقيقية، وهو ما دفعها إلى التخلى عن الفكرة، وأضافت مراكز التأهيل فى المحافظات قليلة جدًا، ولا توجد عليها أى رقابة، لذلك نتمنى أن تكون هناك مراكز تابعة للدولة بأسعار معقولة، نظرًا لحاجة أطفال التوحد للعلاج لفترة طويلة، وقد تجد آلاف الأسر نفسها عاجزة عن توفير هذه المبالغ، مع ضرورة وجود رقابة عليها وعلى ما يحدث فيها..

مراحل عديدة
ومن جانبه أوضح الدكتور عمرو عنتر استشارى أول أمراض التخاطب، أن عملية تطور اللغة لدى الطفل من ذوى اضطراب طيف التوحد غير الناطق لا تتم بشكل مباشر وإنما تمر بمراحل تدريجية داخل جلسات التخاطب تعتمد على بناء أساس قوى من مهارات التواصل الأولية قبل الوصول إلى الكلام.
وأشار إلى أن الجلسات العلاجية تركز فى البداية على مجموعة من الأهداف الأساسية من بينها تنمية التواصل البصرى وزيادة قدرة الطفل على الانتباه للآخرين إلى جانب تدريبه على الاستجابة عند مناداة اسمه كما يتم العمل على تعليم الطفل التعبير عن احتياجاته بطرق غير لفظية مثل الإشارة أو جذب الشخص نحو الشىء المطلوب، وهو ما يُعد خطوة مهمة فى بناء التواصل الغير لفظى، كما تشمل أهداف التدخل العلاجى تنمية مهارات التقليد، سواء للحركات أو الأصوات البسيطة، بالإضافة إلى تعزيز قدرة الطفل على الاستجابة للأوامر البسيطة، واستخدام وسائل تواصل بديلة مثل الصور أو الإشارات.
وأضاف أن من أهم الجوانب التى يتم التركيز عليها أيضًا تعزيز مفهوم «مشاركة الانتباه»، أى قدرة الطفل على مشاركة الآخرين الاهتمام بنفس النشاط أو اللعبة، باعتبارها من المهارات الأساسية للتواصل الاجتماعى.
وفيما يتعلق بتأثير البيئة داخل الجلسات يؤكد أن بناء الثقة بين الإخصائى والطفل يمثل عنصرًا محوريًا فى نجاح العملية العلاجية، موضحًا أن أى شعور بالخوف أو الضغط قد ينعكس سلبًا على استجابة الطفل وتقدمه. وأوضح أن الأساليب القائمة على الضغط أو الإجبار قد تؤدى إلى نتائج عكسية، مثل زيادة السلوكيات العدوانية أو الانسحاب الاجتماعى، أو الخوف المستمر من التفاعل مع الآخرين، وقد يصل الأمر فى بعض الحالات إلى فقدان بعض المهارات المكتسبة بالفعل.
ويوضح أن هناك علامات يمكن أن تدل على عدم ارتياح الطفل داخل الجلسات، من بينها البكاء المستمر دون سبب واضح، والخوف الزائد، واضطرابات النوم، ورفض التواصل، بالإضافة إلى الإرهاق الشديد بعد الجلسة، أو رفض الدخول إلى المركز أو التعامل مع إخصائى التأهيل، وفى بعض الحالات فقدان الشهية أو ظهور سلوكيات انفعالية واضحة. كما قد يظهر على بعض الأطفال تجنب التواصل البصرى أو التوتر عند دخول المكان.
وأكد أن من الطبيعى أن يشعر الطفل ببعض القلق أو البكاء فى بداية الجلسات نتيجة التواجد فى بيئة جديدة، إلا أن استمرار هذه الأعراض لفترة طويلة قد يكون مؤشرًا على وجود خلل فى أسلوب التعامل أو البيئة العلاجية، ويستوجب إعادة التقييم.
وشدد على أن الأساليب العلاجية السليمة تعتمد على خلق بيئة آمنة وداعمة، واستخدام اللعب والتعزيز الإيجابى والوسائل البصرية، مع مراعاة الفروق الفردية واحتياجات الطفل الحسية، وتجنب أى أساليب تعتمد على الضغط أو العقاب، مشددًا على أهمية تدرج الأهداف العلاجية، لافتًا إلى ضرورة متابعة الأهل لتطور الطفل بشكل مستمر، وملاحظة أى تغيرات فى السلوك أو التواصل، باعتبارهم جزءًا أساسيًا من نجاح خطة التأهيل..

طفل مختلف
واستكمل الحديث الدكتور وليد هندى استشارى الصحة النفسية، مشيرًا إلى أن طفل التوحد يختلف فى طبيعته النفسية والسلوكية عن غيره من الأطفال، موضحًا أنه يرتبط بشكل كبير بالروتين والأماكن المألوفة بالنسبة له، لذلك فإن أى تغيير مفاجئ فى البيئة المحيطة قد يسبب له حالة من التوتر والارتباك.
وأشار إلى أن الطفل قد يتعلق بتفاصيل ثابتة داخل المكان الذى اعتاد عليه، مثل شكل الغرفة أو الألوان أو ترتيب الأشياء، وهو ما يجعله أكثر احتياجًا لبيئة منظمة ومستقرة تساعده على الشعور بالأمان.
وأضاف أن انتقال الطفل إلى مكان جديد، سواء مركز تأهيل أو مدرسة، يجب أن يتم بشكل تدريجى ومدروس، مع تهيئة نفسية مناسبة حتى لا يشعر بالخوف أو الرفض.
وأكد أن التعامل مع أطفال التوحد لا يقتصر فقط على الجلسات العلاجية، وإنما يعتمد أيضًا على طريقة إعداد البيئة المحيطة بهم، موضحًا أن بعض الأطفال يعانون من حساسية شديدة تجاه الضوضاء أو الإضاءة أو التغيرات المفاجئة، لذلك يجب أن تكون الأماكن المخصصة لهم هادئة ومنظمة وخالية من المثيرات المزعجة.
ولفت إلى أهمية استخدام الوسائل البصرية والرموز داخل المراكز لمساعدة الطفل على فهم المكان والشعور بالألفة، مشيرًا إلى وجود برامج وأساليب متخصصة تعتمد على الجداول والوسائل المرئية لتعريف الطفل بالأماكن والأنشطة المختلفة بطريقة تقلل من التوتر وتساعده على التكيف.
وشدد على أن تهيئة الطفل قبل نقله إلى أى مكان جديد تعتبر خطوة ضرورية، من خلال اصطحابه تدريجيًا للمكان الجديد وتعريفه بالأشخاص والبيئة المحيطة، مؤكدًا أن الشعور بالأمان والثقة يعد من أهم العوامل التى تساعد طفل التوحد على التفاعل والتطور بشكل صحى.

جهات إشرافية ولكن
ومن جانبه قال محمود معروف المحامى بالاستئناف العالى ومجلس الدولة، إن الجهة المسئولة عن الرقابة والإشراف على مراكز التخاطب تختلف بحسب طبيعة النشاط والترخيص الفعلى للمركز، موضحًا أن المراكز التى تمارس نشاطًا طبيًا أو علاجيًا تدخل فى نطاق اختصاص وزارة الصحة ومديريات الشئون الصحية والجهات الطبية المختصة، بينما قد تخضع المراكز المرخصة باعتبارها مراكز لرعاية أو تأهيل الأطفال أو الأشخاص ذوى الإعاقة لوزارة التضامن الاجتماعى والجهة المحلية المختصة.
وأضاف أن مدير المركز وصاحب الترخيص يتحملان مسئولية تنظيم العمل واختيار العاملين ومتابعة سلامة الأطفال الموجودين تحت رعايتهما، مشيرًا إلى أن مسئولية الإدارة لا تنتفى لمجرد ارتكاب أحد العاملين واقعة اعتداء على طفل.
وأشار إلى أن العقوبة القانونية تختلف بحسب طبيعة الاعتداء والنتائج المترتبة عليه، موضحًا أن وقائع الضرب التى لا ينتج عنها إصابة جسيمة تخضع لأحكام الضرب، بينما تزيد العقوبة للسجن حسب المدة التى يحددها القانون إذا ترتب على الاعتداء مرض أو عجز عن أداء الأعمال الشخصية.
وأوضح أن الأمر يختلف فى حالة حدوث عاهة مستديمة، حيث تطبق النصوص الخاصة بالعاهة المستديمة، بينما إذا أدى الاعتداء إلى وفاة الطفل فقد بالوصف القانونى للواقعة إلى جريمة ضرب أفضى إلى موت أو قتل عمد، بحسب القصد الجنائى والظروف التى تكشف عنها التحقيقات.
وأكد أن ولى الأمر فى حال الشك أو ثبوت تعرض الطفل للعنف داخل المركز يستطيع تحرير محضر فى قسم الشرطة وإثبات الواقعة، مع طلب إثبات حالة الطفل وإحالته إلى الطب الشرعى أو جهة طبية مختصة وفقًا لقرار النيابة، إلى جانب تقديم ما لديه من أدلة، مثل صور الإصابات والتقارير الطبية وتسجيلات كاميرات المراقبة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض