تأملات
هل فشل الرئيس الأمريكى ترامب فى تحقيق أجندته التى أكد عليها خلال الأيام الأولى من حكمه؟ سؤال ربما من المبكر الإجابة عليه خاصة أنه أمام ترامب أكثر من سنتين لمواصلة خططه، فضلًا عن أن الحكم الصحيح يتوقف على زاوية النظر لتلك الأجندة. غير أنه إذا كانت بعض المؤشرات يمكن أن تكون كاشفة، فإنه يمكن القول أن ترامب نفسه قد انكشف أمام العالم، وأن الكل بما فيها من هم داخل الولايات المتحدة اصبحوا يتعاملون معه ومع مواقفه من منطلق مختلف ربما أساسه أن الرجل لا ينطلق سوى من الصوت العالى والزاعق والابتزاز وهى سمات تنتقص من تقدير الشخص الذى يتم التعامل معه على هذه الخلفية.
لقد أثار ترامب الجلبة بمجرد دخوله البيت الأبيض، وبدا وكأنه جاء ليغير العالم لمصلحة الولايات المتحدة، غير أنه لم تمض شهور ومع تواصل جلوسه فى الحكم حتى بدا أن النتائج لا تبشر بخير. ربما يعبر عن ذلك الوضع أفضل تعبير مقال نشر فى صحيفة «الجارديان» البريطانية أواخر يوليو الماضى عرض له موقع «بى بى سي» جاء بعنوان: «كيف أغرق ترامب الولايات المتحدة فى أزمات عديدة؟». ربما تكون الحرب الأمريكية على إيران، والتى تتواصل فصولها، أبرز المظاهر على فشل ترامب المقصود، ليس باعتبارها حرب «اللا ضرورة» فهى كذلك بالفعل، وإنما باعتبار أنها أدت إلى انكشاف حدود القوة الأمريكية. فضلًا عن جوانب أخرى أظهرت انفضاض العالم بما فيه دول أوروبا التى كانت تسير فى ركاب الولايات المتحدة من حول «أمريكا».
والأكثر إثارة للدهشة هو موقف الداخل الأمريكى، حيث لا تحظى الحرب بأى نوع من أنواع التأييد بما فى ذلك داخل حركة «ماجا» التى تمثل القاعدة الانتخابية التى جاءت بترامب. وإذا كان هناك تشبيه للجالس فى البيت الأبيض فى شهوره الأخيرة باعتباره بمثابة «البطة العرجاء»، فليس من المبالغة الإشارة إلى أن ترامب دخل هذه المرحلة مبكرا رغم أن أمامه فترة غير قليلة فى الحكم.
الأمثلة على فشل ترامب عديدة، قد لا يمكن حصرها فى هذه السطور ولكن نشير إلى أنه قد يكون من بينها على عكس ما قد يبدو ظاهرًا، ذلك الإتفاق الذى تم توقيعه منذ يومين بتعزيز الوجود العسكرى الأمريكى فى جرينلاد بموافقة الدانمارك مع التأكيد على سيادة الجزيرة، ربما يبدو ذلك نجاحا لسياسة ضمها فعليًا للولايات المتحدة، غير أنها تحمل من جانب أخر نفى نجاح ترامب فى فرض إرادته بضمها فعليا على النحو الذى أدى إلى أزمة غير مسبوقة مع حلفائه الأوروبيين.
أما قضية الرسوم الجمركية التى كان يعلنها وبنسبة خيالية، فقد بدت فى لحظة من اللحظات وكأنها حرب ترامب ضد العالم، غير أن المرء قد يصيبه الدوار من محاولة حصر عدد المرات التى أعلن فيها ترامب عن هذه الرسوم وعدد المرات التى تراجع عن فرضها، تقريبًا العدد متساو بما يعنى أن كلمة ترامب لم تكن تنزل هذه المرة فقط فى المفهوم الشعبى المصرى وإنما هى بالفعل «تنزل» كل مرة.
اذا وسعت نطاق الصورة لتتأمل مشهد علاقة ترامب مع الإعلام الأمريكى نفسه، لا يقنت أن تلك العلاقة تبرز جانبًا من الفشل الذى نشير اليه، ففى تصورى أنه لم توجد رئيس أمريكى على مدار التاريخ الأمريكى ذاته اتسمت علاقته بهذا السوء مع الإعلام سوى ترامب والذى ينضح كراهية للإعلام. من المؤكد أن كل ذلك يعزز فكرة أن الفشل قد يتبلور بشكل أكبر مع قرب انتهاء حكم ترامب.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض