الناصية
نحن فى زمن «الشحتفة».. فقد اعتاد الكثير بالخروج على السوشيال ميديا يشكو ويبكى للتعبير عن مشكلة أو أزمة ما.. وهى حالة انتقلت من الأغانى إلى الواقع فكل أغانينا «شحتفة» والتى تعنى التذلل والاستجداء فى الشكوى للتعبير عن التعلق المفرط، والعبيط للحبيب، لإظهار لوعة الشوق!
وهى حالة صارت منتشرة بين المطربين والمطربات بعدما تحولت أغنياتهم إلى نوع من النواح والتسول العاطفى، والتبسيط المخل فى المشاعر والإحاسيس حتى فقدت معانيها وقيمتها ودلالاتها.
ورغم أن مشكلة الأغنية المصرية عمومًا لا تفتقد إلى اللحن الجميل أو الصوت المقبول وإنما بات ينقصها شيء أعمق.. وهو ماذا تقول هذه الأغنية أصلًا؟
فى زمن مضى، وتحديدًا مع بديع خيرى ثم بيرم التونسى، ومع جيل مرسى جميل عزيز ثم صلاح جاهين وسيد حجاب، كانت الأغنية نصًا شعريًا قبل أن تكون لحنًا وصوتًا. كان الحب فيها استعارة، والاشتياق صورة، والفراق حالة إنسانية تتجاوز قصة رجل وامرأة. كان الشاعر يكتب جملة تتحدى الزمن وتستطيع أن تعيش بعد الأغنية، بمعان يمكن أن يجد فيه المستمع شيئًا من نفسه.
أما الآن، فقد اقتربت قطاعات واسعة من الأغنية العاطفية من شكل الخطاب الغرامى المباشر. أنا أحبك، أفتقدك، أنت أجمل ما حدث لى، لا أستطيع العيش من دونك، أنت كل شيء فى حياتي… جمل قد تكون صادقة فى مشاعرها، لكنها لا تصنع بالضرورة شعرًا.
وأعتقد ما يحدث فى كلمات الأغنية من سطحية يحدث مع لغة السرد فى الرواية حاليًا، فرغم كثرة عدد من يكتبون الرواية، إلا إنها تحولت مع معظمهم إلى حكى يمكن أن يسرده أى شخص حكاء على المقهى بتشويق ولا أحسن فيلم هندى، بينما الكتابة الروائية شىء مختلف فهى إعادة خلق لواقع تعيشه، وهى خيال واقعى تراه حولك ولا تستطيع التعبير عنه، والروائى يتمكن من التقاطه وكتابته ويحوله إلى أحداث ملموسة ومحسوسة تستقر فى داخل القارئ ولا تبرحه وتؤثر فيه بعمق لأنها لامست شيئًا ما.. وأعتقد أن 99,9 % ممن كتبوا الرواية والقصة القصيرة عجزوا عن تجاوز نجيب محفوظ ويوسف إدريس، اللذين ما زالا يثيران إشكاليات حولهما ومن منهما أفضل من الآخر، بينما أدب وأدباء جيل السبعينيات وما بعدهم، لم يثر الكثير منهم، إشكالية حقيقية ولا اضافة تتوقف عندها مشدوهًا ومندهشًا، حيث لا يعنى أن تكتب شعورًا حقيقيًا يكون بالضرورة أنك صنعت نصًا فنيًا!
هذا ينطبق على كلمات الأغانى التى لا يجب أن تكتفى بأن تخبرنا بما يشعر به صاحبه، وإنما تجعلنا نرى هذا الشعور. الحزن ليس مجرد «أنا حزين»، والحب ليس مجرد «أنا أحبك». الفن يبدأ عندما يتحول الإحساس إلى صورة، وإلى مفارقة، وإلى سؤال، وإلى معنى يستطيع المتلقى أن يعيد اكتشافه كل مرة.
وربما كلمات أغانى المهرجانات والراب المصرى تجاوزت فى تعبيرها كلمات الأغانى "التعاطفية" من الكتاب المحترفين، مع إن الكثير من كتاب هذه المهرجانات والراب لم يدخلوا عالم الكتابة من بوابة الدراسة الأكاديمية أو الاحتراف التقليدى، ومع ذلك استطاع بعضهم أن يخلق لغة خاصة، وأن يلتقط تفاصيل الشارع، ومفرداته، وغضبه، وسخريته، وأحلامه الصغيرة. قد تكون اللغة صادمة أو خشنة أحيانًا، وقد تخلو من الصياغة الشعرية الكلاسيكية، لكنها فى حالات كثيرة تمتلك شيئًا مهمًا وصوتًا خاصًا.
وكتاب أغانى المهرجانات والراب سواء اختلفنا أو اتفقنا مع ما يكتبونه لا يحاولون أن يقولوا «أنا أحبك» بالطريقة نفسها التى تقال فى الأغانى العاطفية لكبار المطربين والمطربات حاليًا، وإنما يبحثون عن تعبير يشبه عالمهم. ولهذا نجد فى الراب والمهرجانات مساحة أكبر للتفاصيل اليومية، واللغة الشعبية، والصراع، والطموح، والتحدى، والخذلان، وحياة الشارع، وحيرة الذات.
وهنا ليست القضية إذن إن المهرجانات والراب أصبحا شعرًا، ولا أن الأغنية العاطفية فقدت قيمتها بالكامل. ولكن القضية أن الأغنية، حين تتخلى عن المجاز والفكرة والصورة والتجربة الإنسانية، تتحول بسهولة إلى رسالة هاتفية طويلة وضع لها شخص لحنًا بالنقر على التربيزة بدون أن يستخدم عود أو جيتار!
عندما يتحول الفن سواء كان نصًا روائيًا أو قصيدة أو لحنًا، وكذلك لوحة أو فيلمًا، إلى مجرد «شحتفة» لا يعيش وينتهى بسرعة ولا يترك أثره فينا!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض