مراجعات
عندما يُولد طفل جديد، تلتف العائلة بأكملها حوله، لـ«تتنازع» حلَّ «لغزٍ صغيرٍ» لا يزال «في المهد»، في محاولات متكررة لتحديد مَن يُشبهه، فيبحث كل واحدٍ عن أي تفصيلة ولو صغيرة، تُثبت أو تُرَجِّح فرضية أن «المولود» يحمل شيئًا من ملامحه.
ربما تستمر هذه «المعركة» أيامًا وشهورًا، وفي كل مناسبة، حيث ينشغل الجميع بتحديد «الجينات» والملامح التي انتقلت عبر الأجيال.. مَن أخذ العينين، ومَن ورث الأنف أو الشَّعر، وصولًا إلى مَن يحمل ابتسامة الجد أو ملامح الجدة!
الآن، تغير الوضع كثيرًا، في ظل تطور «السوشيال ميديا»، ليكون التركيز على «شَبَه مين من المشاهير»، خصوصًا أننا لاحظنا مؤخرًا، «ادعاءات» مستفزة لبعض «الطفيليات» المشتاقة للانتشار والشُّهرة و«التريند»، بوجود تشابهٍ ما، مع أحد الفنانين أو المطربين، ليتحول التشابه العابر ـ غير الموجود على الإطلاق ـ إلى «سبوبة»!
ومع تزايد «أوهام» تلك «النكرات» تبدأ بعض المِنَصَّات ومواقع «بير السلم»، في تسليط الأضواء، وإشغال الناس بـ«التريند» الجديد، وكأن التشابه «المصطَنع» و«الزائف» بات إنجازًا يستحق الالتفات إليه والاحتفاء به، ومن ثم وجب التكريم!
إذن، مع انتشار تلك «البجاحة» و«الوقاحة»، انشغلنا وأُشغلنا عن تزايد الضغوط اليومية، وتضاعف الأعباء المعيشية، وغلاء الأسعار الذي لا يتوقف، وتكرار القصص البطولية لغالبية الأسر التي تشد «الحزام»، لتوفير الحد الأدنى لمتطلبات الحياة.
تلك الظاهرة المؤسفة، أفرزت معادلة سلبية جديدة، قد يتبنَّاها بعض الشباب، اختصارًا للمستقبل، تتمثل في «أربع لاءات» تتعلق بالتحصيل العلمي والدراسي والاجتهاد والتفوق، وعدم وجود موهبة استثنائية، لأن «طريق النجاح» ـ برأيهم ـ يبدأ بـ«وهم» أنك تشبه أحدًا من «المشاهير»!
لذلك، نتصور أن المشكلة في الجيل الجديد تتعمق كثيرًا حين يتحول الشَّبَه إلى «قيمة مضافة»، و«الوهم» إلى «إنجاز»، وكثرة الظهور و«التريند» إلى استحقاق، لتتلاشى تدريجيًّا في نفوسهم مفاهيم العلم والعمل، وقيم التميز والاجتهاد!
ورغم أننا نعيش واقعًا بائسًا ومريرًا، لكننا أصبحنا نتعايش مع سوق كبيرة، تعرض «كائنات» غريبة، فاقدة للكرامة والحياء، تحاول لفت الأنظار بـ«التكاثر»، في حضور جنازات وحفلات أفراح وأعياد ميلاد، حتى أصبح الأمر أقرب إلى سيرك مفتوح، يعج بنُسَخٍ مقلَّدة من المهرجين!
إننا بالفعل أمام ظاهرة غريبة لـ«أدعياء» بتصرفات وسلوكيات وملابس صادمة، لا تعكس ذوقًا أو قيمة، يُقحمون أنفسهم ـ بدون دعوة ـ في مناسبات المشاهير، بحضور مصطَنع، يُخَفِّض سقف الحياء، ويرفع أسهم بورصة المشاهدة، لتُضاف أزمة مجتمعية جديدة، حين يصبح التافه نجمًا، والمستعرِض قدوة، والاحترام مجرد تفصيلة صغيرة يمكن التضحية بها من أجل «التريند»!
أخيرًا.. إن أخطر ما يواجه الأجيال الجديدة ليس فقط غياب القُدوة، وإنما انهيار مفهومها، فبعد أن كان الطفل يحلم بأن يصبح عالمًا أو مفكرًا أو طبيبًا أو مبدعًا، أصبح أقصى طموحاته عندما يكبر أن يُشبه مشهورًا تحاصره الأضواء، أو «مؤثرًا» ترتفع قيمته بـ«التريند» أو بعدد المتابعين!
فصل الخطاب:
ليس مهمًا أن تكون معروفًا، بل أن تكون جديرًا بأن تُعرف، فالوجه قد يمنحك الشَّبَه، لكنه لا يمنحك القيمة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض