إيران والخليج.. مساعٍ لإعادة بناء الثقة وسط تصاعد التوتر مع واشنطن
في وقت تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط تطورات متسارعة وتوترات متشابكة بفعل التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، تبرز العلاقات الإيرانية مع دول الخليج العربي باعتبارها أحد المسارات التي تحظى باهتمام متزايد، في ظل محاولات إقليمية للحفاظ على قنوات التواصل ومنع انتقال تداعيات المواجهة إلى محيط أوسع.
وبين الضغوط الأمريكية المتصاعدة، والمساعي الإيرانية لإعادة تنشيط المسار الدبلوماسي، تبدو حسابات دول المنطقة مرتبطة بصورة وثيقة بالحفاظ على الاستقرار الإقليمي وتقليل فرص الانزلاق إلى مواجهات جديدة.
وتأتي هذه التحركات في مرحلة تتداخل فيها الملفات الأمنية والاقتصادية والسياسية، بينما تواجه المنطقة تحديات مرتبطة بأمن الملاحة والطاقة والتجارة، فضلًا عن تداعيات الصراعات المستمرة.
ويبرز التواصل بين إيران ودول الخليج كأحد المسارات التي يمكن أن تسهم في إدارة الخلافات وتخفيف حدة التوتر، خاصة في ظل إدراك الأطراف المعنية لحساسية الجغرافيا المشتركة وطبيعة المصالح المتداخلة بينها.
وفي المقابل، لا تزال العلاقة بين طهران وواشنطن تشهد حالة من الشد والجذب، مع استمرار استخدام العقوبات الاقتصادية والسياسية كأداة ضغط، بالتوازي مع تمسك إيران بخيار التفاوض والدبلوماسية وفق شروطها وثوابتها. وبين المسارين، تظل مواقف القوى الدولية، وفي مقدمتها الصين، عاملًا مؤثرًا في حسابات الأزمة ومستقبلها.
تهدئة إيرانية خليجية وإعادة بناء الثقة
ومن جانبه، أكد الدكتور يوسف هزيمة، الباحث السياسي، أن العلاقات بين إيران ودول الخليج العربي تتجه نحو التهدئة وإعادة بناء الثقة، مشيرًا إلى أن التوترات الحالية المرتبطة بالتصعيد الأمريكي لا تتجاوز، بحسب تقديره، كونها مرحلة مؤقتة يمكن تجاوزها.
وأوضح هزيمة، أن إيران ودول الخليج تدركان أهمية الجوار الجغرافي واستمراره، بعيدًا عن الرهان على وجود أمريكي مؤقت في المنطقة، مؤكدًا أن طبيعة العلاقات بين دول الإقليم تفرض استمرار التواصل والتنسيق.
وأشار إلى أن المرحلة الحالية تشهد محاولات لإعادة ترتيب العلاقات الإقليمية على أساس المصالح المشتركة والحاجة إلى الاستقرار، خصوصًا في ظل ما تشهده المنطقة من أزمات متلاحقة وتحديات أمنية واقتصادية.
وحول التحركات الدبلوماسية المنتظرة، أوضح الباحث السياسي أن هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك قد يشهد لقاءات مباشرة بين وفد طهران ومسؤولين من دول الخليج.
وأشار إلى أن هذه اللقاءات، حال انعقادها، يمكن أن تمثل مساحة لمناقشة الملفات العالقة وتعزيز قنوات الحوار بين الجانبين، في ظل سعي إيران، بحسب تصريحاته، إلى تأكيد رغبتها في طي صفحة التوتر وإرساء قواعد أكثر ثباتًا للثقة والاستقرار الإقليمي.
وتأتي أهمية هذه اللقاءات في ظل حاجة دول المنطقة إلى استمرار قنوات الاتصال، بما يسمح بالتعامل مع الملفات الخلافية عبر الحوار، بالتوازي مع التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة.
العقوبات الأمريكية ومسار المواجهة مع طهران
وفيما يتعلق بمسار المواجهة بين واشنطن وطهران، لفت هزيمة إلى أن حزمة العقوبات الأمريكية الأخيرة، ولا سيما تلك التي تستهدف قطاع الطيران، تعكس، بحسب تقديره، حالة من التردد داخل الإدارة الأمريكية في التعامل مع الملف الإيراني، مع استمرار الاعتماد على أدوات الضغط السياسية والاقتصادية.
وأوضح أن العقوبات تمثل إحدى أبرز الأدوات التي تستخدمها واشنطن في إدارة خلافاتها مع طهران، في وقت تسعى فيه الإدارة الأمريكية إلى الضغط على إيران دون الانزلاق بالضرورة إلى مسارات أكثر اتساعًا من المواجهة.
ويظل تأثير هذه العقوبات مرتبطًا بقدرة الاقتصاد الإيراني على التعامل معها، وكذلك بمدى قدرة طهران على الحفاظ على قنواتها الاقتصادية والدبلوماسية مع القوى الإقليمية والدولية.
طهران تتمسك بالدبلوماسية
وفي المقابل، أشار الباحث السياسي إلى تمسك إيران بالمسار الدبلوماسي، موضحًا أن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي حصلا على صلاحيات تفاوضية كاملة، بالتنسيق مع الحرس الثوري ومؤسسات صنع القرار في إيران، بهدف إحياء مسار التفاوض وفق الثوابت الإيرانية.
ويعكس هذا المسار، بحسب هزيمة، رغبة طهران في إبقاء باب التفاوض مفتوحًا، مع الحفاظ في الوقت ذاته على مواقفها الأساسية وعدم تقديم تنازلات تعتبرها مخالفة لمصالحها أو رؤيتها للملف.
ويأتي ذلك في ظل تعقيدات كبيرة تحيط بالمفاوضات المحتملة، نتيجة تداخل الملفات النووية والأمنية والعقوبات والعلاقات الإقليمية، فضلًا عن اختلاف حسابات الأطراف المشاركة في الأزمة.
تحذير من التفاؤل السريع
ودعا هزيمة إلى عدم الإفراط في التفاؤل بشأن إمكانية الوصول السريع إلى تسوية، مشيرًا إلى وجود انقسامات داخلية بين صانعي القرار في واشنطن بشأن كيفية التعامل مع إيران.
ويرى أن هذه الخلافات قد تسهم في استمرار حالة المراوحة التي تحيط بالأزمة، إلى حين اتضاح نتائج الانتخابات الأمريكية المقبلة، وما يمكن أن تفرزه من توجهات جديدة بشأن السياسة الخارجية الأمريكية تجاه إيران والمنطقة.
وأكد أن طبيعة المرحلة الحالية تجعل من الصعب حسم مسار الأزمة بصورة سريعة، خاصة مع تعدد الأطراف المؤثرة وتشابك المصالح الإقليمية والدولية.
الصين ودورها في الأزمة الإيرانية
وفي السياق ذاته، شدد الباحث السياسي على محورية الدور الصيني في تطورات الملف الإيراني، مشيرًا إلى موقف بكين الرافض للعقوبات والمؤيد لطهران على المستويين السياسي والاقتصادي.
وتكتسب الصين أهمية خاصة بالنسبة لإيران في ظل العلاقات الاقتصادية بين البلدين، فضلًا عن الدور الذي تسعى بكين إلى القيام به في ملفات إقليمية مختلفة، بما يجعل موقفها أحد العوامل المؤثرة في حسابات الأزمة.
ومن شأن استمرار الدعم السياسي والاقتصادي الصيني لطهران أن يوفر لإيران مساحة أوسع للتعامل مع الضغوط الغربية، بينما تظل طبيعة الموقف الصيني مرتبطة بحسابات بكين الخاصة بمصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في المنطقة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض

