رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

خارج السطر

فى بلاد العجائب لا يحتاج المرء إلى بحث طويل ليفهم كيف تتحول السنبلة إلى قنبلة. فى خريطتنا العربية سوء فهم، وسوء وعى، وسوء إحساس. أرض عشش الجهل فيها قرونا، واستباحها الظلم والاستبداد عقودا، وانغرس بتربتها التخلف، وظللتها الخرافات، فخاصمت العلم والفن والجمال.

ببلادنا يُمكن لحديقة فُل أن تصبح حقل ألغام، ويمكن لمكان العبادة أن يتحول إلى مخزن سلاح، كما يمكن أن تنقلب قيم الرحمة والتسامح ونفع الناس إلى قسوة واستعلاء وتحريض على العنف والتصفية.

رأيت المشهد فأنكرته قلبا وعقلا ودينا. ذاع مؤخرا على مواقع التواصل الاجتماعى مشهد متلفز يظهر فيه طفل صغير ليبى يتعرض للضرب المبرح من قبل شيخ دين خلال جلسة تحفيظ القرآن داخل أحد مساجد مدينة الزاوية غرب ليبيا. أمر الشيخ طفلين صغيرين بتقييد زميلهما، ورفع أنبوبا صلبا، وضرب به الطفل على قدميه بوحشية لأنه أخطأ فى حفظ إحدى الآيات. كان الطفل الضحية يصرخ ويتوسل للشيخ أن يكف ويقسم له على أنه سيحفظ ما نسى، لكن الشيخ السادى قابل التوسلات بعنف أشد وازدادت همته وحيويته فى توريم ساقى الصغير.

ذكرنى المشهد المتداول بمشهد شبيه ذكره سيد قطب (1906ـ1966) فى كتابه «طفل من القرية» عندما كان «سيدنا» المحفظ يضرب الأطفال بعصا غليظة بكل قسوة ليرغمهم على حفظ القرآن الكريم. لم تفارق عصا سيدنا مخيلة سيد قطب، فكتب عنها عندما سار ناقدا أدبيا معروفا. لكن الغريب رغم ذلك، أن فسيلة العنف والجبر التى زرعها محفظ القرآن فى قريته موشا بأسيوط آتت أكلها بعد عقود، فآمن سيد قطب نفسه بضرورة استخدام العنف مع الأغيار، واعلان الحرب المسلحة ضد كل من لا ينتمى لفصيله. وكانت نهايته المأساوية فى تنظيم 1965 المسلح، إذ أعدم فى العام التالى بعد إدانته. وعلى خطاه سار آلاف البشر مُغيبين، يدعون للعنف، ويبشرون بالقسوة ويروعون الناس، وهم يرفعون المصاحف.

إن حفظ القرآن الكريم نعمة وفضل عظيم للناس، لاشك فى ذلك. لكنه لا يكون جبرا أو قهرا. كلام الله رحمة، ولا يجب لأحد أن يحوله إلى حصة تعذيب أو إيذاء. أن تحفظ وتفهم بُحب أعظم وأقوم من رص الكلمات دون إدراك أو وعى.

لم يُنزل القرآن علىنا لنشقى، وإنما لنرى ونستضىء ونتعلم، ونتطور، ونسير فى الأرض لنعمرها.

القرآن دعوة تدبر وتفكر وتأمل، اعتبار وعظة، قواعد حياة، تذكير ونصح، وخطاب روحى يمس دواخل الإنسان، يُغلف قلبه، يدعوه إلى الخير والمحبة، يرققه ويحضه على اللين لا الكراهية.

ونحمد الله أن فكرة إعادة الكتاتيب بشكل نظامى فى مصر، والتى كان البعض يروج لها منذ بضع سنوات خبت، وانطفأت، فنحن لسنا فى حاجة لكتاتيب حفظ، وإنما لمدارس فهم وبحث وتعمق. فالحفظ الجبرى لا يُخرج مصلحين نبغاء، لا يبعث أفذاذا مؤثرين، لا ينفع الناس، لا يمنع قاتلا، أو يردع مجرما، أو يسد ثغرات الخلل فى المجتمع.

إن العقل فى بلادنا يحتاج إلى تشغيل وتثوير حتى نلحق بمَن سبقونا من شعوب وأمم الكون الفسيح، وهذا لن يتحقق إلا بحرية الفكر والبحث والتعبير.

والله أعلم.

 

[email protected]