6 شروط وضوابط.. كيف تنصح أخاك دون أن تجرحه
كشفت دار الإفتاء المصرية عن شروط النصيحة وضوابطها، موضحة أن نصح المسلم لأخيه من محاسن الأخلاق ومكارمها، ومن مقتضيات التناصح المشروع الذي حث عليه الشرع الشريف، مشددة على ضرورة مراعاة عدد من الآداب عند تقديم النصيحة، حتى تحقق غايتها في الإصلاح دون أن تتحول إلى سبب للحرج أو الخصومة.
جاء ذلك ردًا على سؤال ورد إلى دار الإفتاء المصرية، مفاده أن رجلًا اجتمع مع إخوته للتشاور في بعض الأمور العائلية، وخلال النقاش ارتفع صوت الأخ الأصغر على شقيقه الأكبر سنًّا، ويرغب أحد إخوته في نصحه بعدم تكرار هذا التصرف، متسائلًا عن شروط النصيحة وضوابطها التي ينبغي الالتزام بها عند تقديمها.
النصيحة من محاسن الأخلاق
أكدت دار الإفتاء أن نصح الأخ الأصغر بعدم تكرار رفع صوته على أخيه الأكبر سنًّا يعد من محاسن الأخلاق ومكارمها، ومن مقتضيات التناصح المشروع الذي جاء الشرع الشريف بالحث عليه والترغيب فيه.
وأوضحت أن النصيحة ينبغي أن تكون خالصة لوجه الله سبحانه وتعالى، وأن تقدم سرًّا ما أمكن بعيدًا عن أعين الناس، حفاظًا على كرامة المنصوح، وأن تصاغ بلطف ورفق وبعبارة مناسبة تراعي حاله ومقامه، من دون تعيير أو تجريح.
كما شددت على ألا تكون النصيحة مشروطة بقبول المنصوح لها أو استجابته، وألا يترتب عليها ضرر معتبر في الحاضر أو المستقبل، حتى تؤتي ثمرتها المرجوة في الإصلاح.
ما منزلة النصيحة في الشريعة الإسلامية؟
أوضحت دار الإفتاء أن الشرع الشريف حث على النصيحة بين المؤمنين، وجعلها من أسباب الألفة ووحدة الصف وصلاح ذات البين، لأنها تساعد على استدراك الخطأ وتقويم الاعوجاج، وتعمل على حماية المجتمع من الفتن والانحراف.
وعرّف الإمام الشريف الجرجاني النصيحة بأنها: «الدعاء إلى ما فيه الصلاح، والنهي عما فيه الفساد»، بينما أشار الإمام النسفي إلى أن حقيقة النصح تتمثل في إرادة الخير للآخر كما يريده الإنسان لنفسه.
ولعظم شأن النصيحة، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه تميم الداري رضي الله عنه: «الدين النصيحة»، وهو حديث أخرجه الإمام مسلم.
وقال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم عن هذا الحديث: «هذا حديث عظيم الشأن، وعليه مدار الإسلام».
النبي جعل النصيحة من حقوق المسلم
وأشارت دار الإفتاء إلى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جعل النصيحة من الحقوق الثابتة بين المسلمين، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:
«حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ... وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ...» رواه الإمام مسلم.
ويدل الحديث على أهمية أن يؤدي المسلم النصيحة لأخيه عندما يطلب منه المشورة، وأن تكون النصيحة قائمة على إرادة الخير، لا على الرغبة في إظهار العيوب أو الانتصار للنفس.
هل النصيحة واجبة على المسلم؟
أوضحت دار الإفتاء أن العلماء اختلفوا في حكم نصح المسلم لأخيه المسلم على قولين.
فذهب فريق من العلماء إلى عدم التفريق بين النصيحة التي تأتي استجابة لطلب المنصوح، والنصيحة التي يبادر بها الناصح من تلقاء نفسه، ورأوا أن النصيحة تكون واجبة متى قام موجبها، مع اختلافهم في كونها فرض عين أو فرض كفاية.
بينما ذهب فريق آخر إلى التفريق بين الحالتين؛ فرأوا أن النصيحة إذا كانت استجابة لطلب المسلم أصبحت متعينة في حق من يستطيع تقديمها، أما إذا كانت ابتداءً من الناصح فهي من باب الدلالة على الخير والنفع.
شروط النصيحة وضوابطها
وبينت دار الإفتاء أن شروط النصيحة وضوابطها تتضمن مجموعة من الآداب التي ينبغي للناصح مراعاتها، ومن أبرزها:
1- الإخلاص في تقديم النصيحة
ينبغي أن تكون النصيحة صادقة خالصة لله تعالى، يقصد بها الناصح نفع المنصوح وإرشاده إلى ما فيه صلاح دينه ودنياه.
فإذا خلت النصيحة من الرغبة في التشفي أو حب الظهور أو الشهرة، كانت أقرب إلى القبول والتأثير، أما إذا اختلط بها الهوى وحظوظ النفس فقد تتحول من وسيلة للإصلاح إلى سبب للنفرة والعداوة.
2- تقديم النصيحة سرًّا
من أهم شروط النصيحة وضوابطها أن تقدم سرًّا قدر الإمكان، بعيدًا عن أعين الناس، حفاظًا على كرامة الشخص وعدم إحراجه أمام الآخرين.
وأكدت دار الإفتاء أن الأصل في النصيحة أن تكون في خلوة، لما في ذلك من صيانة مكانة المنصوح، وتقليل أسباب العداوة والبغضاء.
وقد نقلت عن الحافظ ابن رجب أن السلف كانوا إذا أرادوا نصيحة أحد وعظوه سرًّا، كما نقلت عن ابن حجر قوله إن الإسرار بالنصيحة أولى من الإعلان.
3- اختيار الأسلوب المناسب
من آداب النصيحة أن تقدم بأسلوب غير مباشر متى كان ذلك محققًا للمقصود، وذلك من خلال التعريض بدلًا من التصريح، خصوصًا إذا كان التصريح قد يسبب حرجًا أو نفورًا.
لكن إذا كان الشخص لا يفهم التلميح أو التعريض، جاز التصريح بالقدر الذي تدعو إليه الحاجة.
واستشهدت دار الإفتاء بهدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حيث كان من سنته في بعض المواقف عدم تسمية الشخص المخطئ، والاكتفاء ببيان الخطأ، كما في قوله: «ما بال أقوام».
4- الرفق واللين عند النصح
لا تقتصر شروط النصيحة وضوابطها على مضمون الكلام فقط، وإنما تشمل الطريقة التي تقدم بها النصيحة، ولذلك ينبغي أن تكون قائمة على الرفق وحسن الأدب والكلمة الطيبة.
وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه»، رواه الإمام مسلم.
فالهدف من النصيحة ليس مجرد إثبات أن الناصح على صواب، وإنما مساعدة المنصوح على إدراك الخطأ والانتفاع بالنصيحة وتصحيح سلوكه.
5- عدم إجبار المنصوح على قبول النصيحة
من الآداب التي أكدت عليها دار الإفتاء ألا يجعل الناصح قبول نصيحته شرطًا لأدائها، فمسؤوليته أن يقدم النصح ويبين وجه الصواب، وليس عليه أن يجبر الشخص على الأخذ بكلامه.
وبالتالي، فإن رفض المنصوح للنصيحة لا يعني بالضرورة أن الناصح أخطأ في تقديمها، ما دام قد التزم بالآداب والضوابط الشرعية في تقديمها.
6- ألا يترتب على النصيحة ضرر
من شروط النصيحة وضوابطها كذلك ألا يترتب على تقديمها ضرر معتبر يلحق بالناصح أو المنصوح، سواء في الحال أو في المستقبل.
فإذا غلب على ظن الناصح أن تدخله سيؤدي إلى مفسدة أكبر من المصلحة المرجوة، فعليه أن يراعي ذلك، لأن الشريعة قررت قاعدة: «لا ضرر ولا ضرار».
ونقلت دار الإفتاء عن ابن بطال أن النصيحة لازمة بحسب القدرة إذا علم الناصح أن نصحه سيُقبل، وأمن على نفسه الضرر، أما إذا خشي الأذى فهو في سعة منها.
كيف ينصح الإنسان أخاه دون أن يجرحه؟
وبناءً على ما أوضحته دار الإفتاء المصرية، فإن تقديم النصيحة يحتاج إلى فقه في اختيار الوقت والأسلوب والكلمات، خاصة عندما تكون النصيحة بين أفراد الأسرة.
وفي الحالة محل السؤال، يمكن للأخ أن يتحدث إلى شقيقه الأصغر على انفراد، ويوضح له بهدوء أن اختلاف وجهات النظر داخل الأسرة أمر طبيعي، لكن رفع الصوت على الأخ الأكبر ليس من حسن الأدب، مع تجنب توبيخه أمام باقي أفراد الأسرة أو وصفه بصفات جارحة.
كما ينبغي أن يكون المقصود هو إصلاح السلوك والحفاظ على علاقة الأخوة، وليس الانتصار لطرف على حساب طرف آخر.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض

