حكم القمار.. لماذا حرّمه الإسلام؟ الإفتاء تحذر من مخاطرة المال بالحظ
أوضحت دار الإفتاء المصرية أن حكم القمار في الشريعة الإسلامية هو التحريم، موضحة أن القمار المحرَّم هو كل معاملة يخاطر فيها طرفان بمال، بحيث يكون أحدهما غانمًا والآخر غارمًا، ويكون الكسب فيها معلقًا على مجرد الحظ والمصادفة، مؤكدة أن تحريمه يرتبط بما يشتمل عليه من أكل أموال الناس بالباطل والجهالة والغرر، وما قد يترتب عليه من عداوة وبغضاء وقطيعة وإضاعة للمال.
ما حقيقة القمار المحرم شرعًا؟
وبيّنت دار الإفتاء المصرية أن القمار لا يقتصر على صورة معينة من صور اللعب، وإنما يدخل فيه كل تعامل مالي تكون نتيجته قائمة على المخاطرة والحظ، بحيث يكون أحد الطرفين معرضًا لخسارة المال، بينما يحصل الطرف الآخر عليه دون عوض معتبر، بحسب نتيجة أمر لا يملك المتقامر التحكم فيها.
ومن صور ذلك أن يدفع شخص مالًا على أمل الحصول على أضعافه إذا تحقق أمر معين، بينما يخسر المال الذي دفعه إذا لم يتحقق هذا الأمر، فتكون النتيجة دائرة بين الغنم والغرم وفقًا للمصادفة والحظ.
وأوضحت دار الإفتاء أن هذا هو حكم القمار الذي قررته الشريعة، وقد عرّف العلماء القمار بأنه المعاملة التي لا يخلو الداخل فيها من أن يكون غانمًا أو غارمًا، وهو ما يعرف أيضًا بالميسر.
لماذا حرّم الإسلام القمار؟
وأشارت دار الإفتاء المصرية إلى أن تحريم القمار لم يأتِ دون حكمة، وإنما جاء لما يترتب عليه من مجموعة من المفاسد المالية والاجتماعية والأخلاقية.
ومن أبرز أسباب التحريم أن القمار يشتمل على أكل أموال الناس بالباطل؛ إذ يحصل أحد الطرفين على مال الآخر دون عوض معتبر شرعًا، بينما يخسر الطرف الثاني ماله بناءً على نتيجة احتمالية.
وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: 29]، وهو أصل عام في صيانة أموال الناس ومنع الاعتداء عليها.
وأكدت دار الإفتاء أن حفظ المال من مقاصد الشريعة الإسلامية، ولذلك جاءت الأحكام المنظمة للمعاملات المالية بهدف حماية أموال الناس من صور الضياع والغش والخداع والقمار وغيرها من صور الكسب المحرم.
القمار يقوم على الغرر والجهالة
ومن أسباب تحريم حكم القمار كذلك ما يشتمل عليه من الجهالة والغرر الفاحش؛ إذ لا يعرف المقامر مسبقًا هل سيحصل على المال أم سيخسره، وتكون النتيجة مترددة بين احتمالات لا تستند إلى عوض حقيقي أو عمل منتج.
وقد عرّف العلماء الغرر بأنه ما كانت عاقبته مستورة وغير معلومة، وهو من الأمور التي نهت عنها الشريعة في المعاملات لما قد تسببه من نزاع واختلاف بين المتعاملين.
وفي هذا السياق، استشهدت دار الإفتاء بحديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَن بَيعِ الحَصَاةِ، وَعَن بَيعِ الغَرَرِ»، رواه الإمام مسلم.
العداوة والبغضاء من آثار القمار
ولم يقف التحريم عند الجانب المالي، إذ إن القمار قد يؤدي كذلك إلى آثار اجتماعية سلبية، خاصة عندما يخسر الإنسان أمواله أو يربحها من الآخرين في سياق يقوم على المغالبة والمخاطرة.
وقد بيّن القرآن الكريم أثر الميسر في العلاقات بين الناس، فقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: 91].
وتوضح الآية أن من آثار الميسر إفساد العلاقات بين الناس وإثارة العداوة والبغضاء، إلى جانب إشغال الإنسان عن ذكر الله والصلاة.
إضاعة المال دون عوض معتبر
وأوضحت دار الإفتاء أن القمار يتضمن كذلك إضاعة المال وتبذيره دون الحصول على عوض معتبر عند العقلاء، فالمال الذي يخسره المقامر لا يقابله عمل منتج أو سلعة أو خدمة ينتفع بها، وإنما ينتقل من طرف إلى آخر بناءً على نتيجة الحظ والمصادفة.
ومن هنا، يرتبط تحريم القمار بمقصد الشريعة في حماية المال وحسن الانتفاع به، وعدم تحويله إلى وسيلة للمخاطرة العشوائية التي قد تؤدي إلى ضياعه.
القمار والاعتماد على الحظ بدلًا من العمل
ومن الجوانب التي أشارت إليها دار الإفتاء أن القمار قد يدفع إلى الاعتماد على الحظ بدلًا من الجد والعمل والسعي في طلب الرزق، وهو ما يتعارض مع المقصد الشرعي في حث الإنسان على الكسب الحلال وبذل الجهد.
فالمنهج الذي يوجه إليه الإسلام في تحصيل الرزق يقوم على السعي والعمل والاستفادة من الأسباب المشروعة، وليس انتظار المال من خلال المخاطرات القائمة على المصادفة.
وترى دار الإفتاء أن الاعتماد على القمار قد يؤدي إلى إضعاف الإنتاج؛ لأن الإنسان ينشغل بتحصيل المال من طريق الحظ بدلًا من العمل والإنتاج، بينما جعل الشرع السعي في الرزق الحلال سببًا لعمارة الأرض وإقامة المعاش.
هل القمار يقتصر على ألعاب معينة؟
وبحسب ما أوضحته دار الإفتاء، فإن العبرة في تحديد القمار ليست باسم اللعبة أو شكلها، وإنما بحقيقة المعاملة وطبيعتها؛ فإذا كانت المعاملة قائمة على المخاطرة بالمال، وكان أحد الطرفين غانمًا والآخر غارمًا، وكان الكسب متعلقًا بمجرد الحظ والمصادفة، دخلت في القمار المحرم.
ولهذا لا ينبغي حصر مفهوم الميسر في صورته التقليدية المعروفة قديمًا، وإنما ينظر في أي معاملة مالية إلى حقيقتها وآثارها، ومدى تحقق عناصر المخاطرة والكسب والخسارة التي يقوم عليها القمار.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض