تسلل
تحركت تركيا سريعًا بعد أن استشعرت مخاطر الكيان الإسرائيلى وغيره بمحيطها المشتعل، وموقعها الاستراتيجى بين آسيا وأوروبا، فسارعت فى إطلاق مشروعها الوطنى الكبير لبناء وتأهيل 83.500 ملجأ متطور فى جميع محافظاتها البالغة 81.
الملاجئ والمنشآت الجديدة هدفها أساسًا التعامل مع سيناريوهات الحرب والكوارث النووية والبيولوجية المحتملة لإعادة صياغة منظومة الأمن داخل المدن التركية.
وصممت الملاجئ الجديدة وفق معايير أمان مرتفعة، بعد الوقوف على تجارب دول متقدمة، من بينها سويسرا وألمانيا وكوريا واليابان وإسرائيل، ما يعكس جدية المشروع فنيًا وهندسيًا.
وتحتوى المنشآت على أنظمة عزل ذكية تتيح إغلاقها بالكامل وفصلها عن العالم الخارجى لساعات طويلة فى الطوارئ، وقنوات تهوية تحمى الموجودين بداخلها من مخاطر الهجمات النووية والإشعاعية والكيميائية والبيولوجية المحتملة، وتزويدها بفلاتر هواء متطورة لتنقية الغازات السامة والإشعاعية، ومخزونات من المياه النقية والأغذية الجافة، وغرف مخصصة للتطهير.
تركيا بحكم منظوماتها المنضبطة وتطور فكرها عسكريًا ومدنيًا ورؤيتها الثاقبة، والتى انعكس على طفرتها الاقتصادية والصناعات العسكرية والتكنولوجية، لم تكتفِ بمجرد طرح المشروع وتحديد ضوابطه ومعاييره وكيفية خروجه إلى النور، وإنما حددت مدة لاتزيد عن 4 شهور وبالتحديد 120 يومًا لإنجازه.
الخطة الطموحة، التى يتابعها بنفسه الرئيس التركى أردوغان منذ يونيو الماضي، لم تأتِ عفوية أو عشوائية وإنما نتاج دراسات وتقارير استخباراتية شددت على ضرورة تعزيز حماية المدنيين فى ظل القلق المتزايد من جانب الحكومة التركية والمواطنين على حد سواء لتصاعد التوترات الإقليمية والمخاطر المتزايدة.
تحديد المدة الزمنية يكشف عن مدى الخطورة المتسارعة، والسباق مع الزمن لمنع مخاطر تستشفها القيادة التركية وترى أنها مقبلة عليه لا محالة فى المدى القريب أو البعيد.
هذا الشعور التركى جاء فى ظل عالم يكشف كل يوم عن وجهه الحقيقي، ولا يرتبط فقط بصواريخه وطائراته المسيّرة المتطورة، وأسلحة بيولوجية وكيميائية.
فـمعارك الكبار القادمة قد تفوق الخيال وليس لها «خطوط حمراء» لا تتوقف على سيطرة حى أو منطقة وإنما «كسر عظام» بكل ما تحمله الكلمة من معنى، حيث يستعرض كل جانب ما يملكه من «قوة».. و«نكسة الدول» وقتها ليس فى تراجع نديتها وتصنيفها وردعها وتأخرها لعقود، بقدر كتابة فصول «نهاية مأساوية» وانهيار كيان فى حرب وجود حقيقية.
الشعور التركى يسيطر على كل دول المنطقة حيث يهددها – رغم محاولة البعض التخفيف من حدة التهويل- « الطوفان الجارف» وإن اختلفت الدول حسب قوتها وموقعها فى نظرتها لهذه المخاطر.
فالدول التى تعانى من حروب أهلية قد تكون بعيدة عن دائرة الكبار، و«الدول المتفوقة عسكريًا فى صراع المناطق» تبحث عن وسائل ردع أقوى وقد تتحول فى مرحلة «ما» من الردع إلى الحسم من خلال ما تملكه حال تطور النزاع.
شعور تركيا بالخطر تنامى مع تحرش إسرائيل الدائم بتركيا من خلال الأراضى السورية ورغبتها فى منعها «قسرًا» من أى تواجد عسكرى أو اقتصادى واستثمارى، و«أنقرة» وسط حزام نارى من الأزمات الإقليمية العابرة للحدود بسبب تغيير موازين القوى فى محيطها المباشر.
الملاجئ مجرد محور من محاور متشعبة حيث تتنوع مصادر القوة التركية العسكرية دفاعًا وهجوما وظروف تركيا تتشابه مع مصر.. فـالبلدان أضخم قوتين عسكريتين فى المنطقة، وتحاصرهما تحديات ومسئوليات أمنية معقدة من كل اتجاه.
صبرى حافظ
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض