بدون رتوش
يصعب الحديث عن «يوسف إدريس» من دون التوقف أمام المرأة فى أعماله، حيث تظهر المرأة فى عالمه الروائى فى أماكن مختلفة، وتعيش ظروفا اجتماعية متباينة، وتحمل كل شخصية آثار البيئة التى جاءت منها. فى قصة «الحرام» تظهر المرأة الريفية الفقيرة فى مجتمع تحكمه الحاجة والعمل والسمعة. وفى «العيب» تنتقل إلى عالم الوظيفة والدولة والطبقة الوسطى حيث تدخل المجال العام وتواجه علاقات جديدة من السلطة. أما فى «البيضاء» تتحرك داخل عالم أكثر اتساعا ترتبط فيه المرأة بأسئلة الحرية والهوية والعلاقة بالآخر.
هذه الشخصيات كُتبت فى فترات مختلفة من تاريخ مصر. «الحرام» صدرت فى نهاية الخمسينيات، فى السنوات الأولى لمشروعات الإصلاح الزراعى والعدالة الاجتماعية. وجاءت «العيب» فى الستينيات مع توسع الدولة فى التعليم والوظائف الحكومية وصمود الجهاز البيروقراطى. ثم ظهرت «البيضاء» فى بداية السبعينيات مع بداية مرحلة سياسية وثقافية جديدة فى مصر، واتساع الأسئلة المتعلقة بالهوية والانفتاح والعلاقة بالغرب. لذلك جاءت كل شخصية نسائية تحمل أثر الطبقة والمكان والمؤسسة التى تتحرك داخلها. من هنا تأتى أهمية الروايات الثلاث، وتثور أسئلة من قبيل: كيف تتغير صورة المرأة عندما تنتقل من الريف إلى المدينة، وماذا يحدث عندما تدخل سوق العمل، وكيف تتغير علاقتها بالجسد والأسرة والسمعة؟، ومن يملك فى النهاية حق تعريفها والحكم عليها؟.
عند قراءة «الحرام»، و«العيب»، و«البيضاء»، يظهر أن «يوسف إدريس» يختار ثلاث شخصيات نسائية تنتمى إلى عوالم مختلفة، فهناك الفلاحة التى تعمل فى الأرض، والموظفة التى تعمل داخل جهاز الدولة، والمرأة التى تتحرك فى فضاء أكثر انفتاحا. كل امرأة جاءت من بيئة اجتماعية مختلفة، وكل رواية ارتبطت بمرحلة مختلفة من تاريخ مصر. لذلك ظهرت الشخصيات النسائية وهى تحمل أثر الزمن الذى خرجت منه بقدر ما تحمل ملامحها الشخصية.
«الحرام» صدرت فى نهاية الخمسينيات، وبعد سنوات قليلة من ثورة يوليو 1952. كانت الدولة يومها تتحدث عن الإصلاح الزراعى والعدالة الاجتماعية، وكانت صورة الفلاح حاضرة بشكل كبير فى الخطاب الرسمى. فى المقابل ظل الريف يعيش مشكلات الفقر والعمل الموسمى وضعف الخدمات، واستمرار النفوذ الاجتماعى لكبار الملاك والعائلات. وسط هذا المشهد ظهرت «عزيزة»، وهى امرأة يعمل جسدها طوال اليوم حتى تضمن لقمة العيش. وتجد نفسها فى مواجهة مجتمع يراقبها دون أن يلتفت إلى الظروف التى صنعت مأساتها. ويكشف حضور المرأة هنا تحديدا صورة الريف المصرى يومئذ، ويكشف أيضا نواحى التغيير الذى وصلت إليه سياسات الدولة حيال حياة الناس اليومية.
بيد أن «يوسف» انتقل بعد عدة سنوات إلى فضاء مختلف فى «العيب»، وكانت مصر قد دخلت يومها فى مرحلة توسع الجهاز الإدارى وازدادت أعداد الموظفين، وأصبح العمل الحكومى طريقها للصعود الاجتماعى والاستقرار الاقتصادى.
داخل هذا العالم تظهر البطلة وهى تحاول أن تجد مكانا لها وسط شبكة من العلاقات والمصالح، فلقد تغيرت طبيعة المكان، وتغيرت أدوات الضغط وأصبحت السلطة تمارس حضورها من خلال المؤسسة واللوائح. وقد انعكس هذا التحول على صورة المرأة، فارتبطت تجربتها اليومية بطبيعة الدولة الحديثة، وبالقيم التى أنتجها المجتمع الحضرى فى الستينيات.
أما «البيضاء» فقد جاءت فى بداية السبعينيات مع بداية مرحلة مختلفة سياسيا وثقافيا. حيث شهدت مصر بعد وفاة «عبدالناصر» تغيرات متسارعة. وبدأت تنفتح على العالم بصورة أكبر. يومها ظهرت أسئلة جديدة حول الهوية والثقافة والعلاقة مع الغرب، وانعكست هذه التحولات على الرواية فصارت المرأة جزءا من نقاش أرحب يتعلق بالحرية والاختلاف والصورة التى يحملها المجتمع عن نفسه عندما يلتقى بثقافات أخرى.
الجدير بالذكر أن الروايات الثلاث يجمع بينها خيط واحد يتمثل فى ارتباط المرأة بالمجتمع الذى تعيش فيه، فإذا تغيرت البيئة والطبقة الاجتماعية وطبيعة السلطة فعندئذ ستتغير معها حتما التجربة النسائية. ولهذا تبدو الشخصيات النسائية امتدادا لتحولات المجتمع المصرى عبر أكثر من عقد من الزمن. ظهرت «عزيزة» تحمل آثار الريف فى الخمسينيات، كما أن بطلة «العيب» عكست عالم الموظفين فى الستينيات، أما امرأة «البيضاء» فظهرت تعبر عن الأسئلة الثقافية التى فرضتها السبعينيات.. وللحديث تتمة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض